محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٥٠ من سورة الأعراف في ١٢٣ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٩ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٥٠ من سورة الأعراف

١٢٣ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَىَ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمّ إِنّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾. .
يقول تعالى ذكره : ولما رجع موسى إلى قومه من بني إسرائيل، رجع غضبان أسفا، لأن الله كان قد أخبره أنه قد فتن قومُه، وأن السامريّ قد أضلهم، فكان رجوعه غضبان أسفا لذلك. والأسف : شدّة الغضب والتغيظ به على من أغضبه. كما :
حدثني عمران بن بكار الكُلاعي، قال : حدثنا عبد السلام بن محمد الحضرمي، قال : ثني شريح بن يزيد، قال : سمعت نصر بن علقمة، يقول : قال أبو الدرداء : قول الله : غَضْبانَ أسِفا، قال : الأسف : منزلة وراء الغضب أشدّ من ذلك، وتفسير ذلك في كتاب الله : ذهب إلى قومه غضبان، وذهب أسفا.
وقال آخرون في ذلك ما :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : أَسِفا قال : حزينا.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : وَلمّا رَجَعَ مُوسَى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفا يقول : أسفا حزينا. وقال في الزخرف فلمّا آسفُونَا يقول : أغضبونا. والأسف على وجهين : الغضب والحزن.
حدثنا نصر بن عليّ، قال : حدثنا سليمان بن سليمان، قال : حدثنا مالك بن دينار، قال : سمعت الحسن يقول في قوله : وَلمّا رَجَعَ مُوسَى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفا قال : غضبان حزينا.
وقوله قال : بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي يقول : بئس الفعل فعلتم بعد فراقي إياكم وأوليتموني فيمن خلفت من ورائي من قومي فيكم وديني الذي أمركم به ربكم. يقال منه : خلفه بخير وخلفه بشرّ إذا أولاه في أهله أو قومه ومن كان منه بسبيل من بعد شخوصه عنهم خيرا أو شرّا. وقوله : أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبّكُمْ يقول : أسبقتم أمر ربكم في نفوسكم، وذهبتم عنه ؟ يقال منه : عجل فلان هذا الأمر : إذا سبقه، وعجل فلانٌ فلانا إذا سبقه، ولا تعجَلني يا فلان : لا تذهب عني وتدعني، وأعجلته : استحثثته.

القول في تأويل قوله تعالى : وألْقَى الألْوَاحَ وأخَذَ بِرأسِ أخِيهِ يَجُرّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمّ إنّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي.


يقول تعالى ذكره : وألقى موسى الألواح. ثم اختلف أهل العلم في سبب إلقائه إياه، فقال بعضهم : ألقاها غضبا على قومه الذي عبدوا العجل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا تميم بن المنتصر، قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب قال : ثني سعيد بن جبير، قال : قال ابن عباس : وَلمّا رَجَعَ مُوسَى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفا فأخذ برأس أخيه يجرّه إليه، وألقى الألواح من الغضب.
وحدثني عبد الكريم، قال : حدثنا إبراهيم بن بشار، قال : حدثنا ابن عيينة، قال : قال أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : لما رجع موسى إلى قومه، وكان قريبا منهم، سمع أصواتهم فقال : إني لأسمع أصوات قوم لاهين. فلما عاينهم وقد عكفوا على العجل ألقى الألواح فكسرها، وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه.
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : أخذ موسى الألواح ثم رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا، فقال : يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبّكُمْ وَعْدا حَسَنا. إلى قوله : فكذَلكَ ألْقَى السّامِرِيّ ف ألْقَى مُوسَى الألْوَاحَ وأخَذَ برأَسِ أخِيهِ يَجُرّهُ إلَيْهِ قال يا ابْنَ أُمّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرأسِي.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : لما انتهى موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، ألقى الألواح من يده، ثم أخذ برأس أخيه ولحيته يقول : ما مَنَعَكَ إذْ رأيْتَهُمْ ضَلّوا ألاّ تَتّبِعَنِ أفَعَصَيْتَ أمْرِي ؟.
وقال آخرون : إنما ألقى موسى الألواح لفضائل أصابها فيها لغير قومه، فاشتدّ ذلك عليه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيدُ، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : أخَذَ الألْوَاحَ قال : رَبّ إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : ربّ إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون : أي آخرون في الخلق، سابقون في دخول الجنة، ربّ اجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : ربّ إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها، وكان مَن قبلَهم يقرءون كتابهم نظرا حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئا ولم يعرفوه قال قتادة : وإن الله أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئا لم يعطه أحدا من الأمم قال : ربّ اجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : ربّ إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأوّل وبالكتاب الاَخِر، ويقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : ربّ إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ثم يؤجرون عليها، وكان مَن قبلهم من الأمم إذا تصدّق بصدقة فقبلت منه، بعث الله عليهم نارا فأكلتها، وإن ردّت عليه تركت تأكلها الطير والسباع، قال : وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم، قال : ربّ اجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : ربّ إني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة، ربّ اجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : ربّ إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها، فإذا عملها كتبت عليه سيئة واحدة، فاجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : ربّ إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم فاجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : ربّ إني أجد في الألواح أمة هم المشفّعون والمشفوع لهم، فاجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : وذكر لنا أن نبيّ الله موسى عليه السلام نبذ الألواح وقال : اللهمّ اجعلني من أمة أحمد قال : فأُعطي نبيّ الله موسى عليه السلام ثنتين لم يعطهما نبيّ، قال الله : يا مُوسَى إنّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ برِسالاتي وبِكَلامي قال : فرضي نبي الله. ثم أُعطي الثانية : وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمّةٌ يَهْدُونَ بالحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ قال : فرضي نبيّ الله ﷺ كلّ الرضا.
حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال : لما أخذ موسى الألواح، قال : يا ربّ إني أجد في الألواح أمة هم خير الأمم، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فاجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : يا ربّ إني أجد في الألواح أمة هم الاَخرون السابقون يوم القيامة، فاجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد، ثم ذكر نحو حديث بشر بن معاذ، إلا أنه قال في حديثه : فألقى موسى عليه السلام الألواح وقال : اللهمّ اجعلني من أمة محمد ﷺ.
والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك أن يكون سبب إلقاء موسى الألواح كان من أجل غضبه على قومه لعبادتهم العجلَ لأن الله جلّ ثناؤه بذلك أخبر في كتابه، فقال : وَلمّا رَجَعَ مُوسَى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفا بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبّكُمْ وألْقَى الألْوَاحَ وأخَذَ بِرأسِ أخِيهِ يَجُرّهُ إلَيْهِ وذلك أن الله لما كتب لموسى عليه السلام في الألواح التوراة، أدناه منه حتى سمع صريف القلم. ذكر من قال ذلك :
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا إسرائيل، عن السديّ، عن أبي عمارة، عن عليّ عليه السلام قال : كتب الله الألواح لموسى عليه السلام وهو يسمع صريف الأقلام في الألواح.
قال : ثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال : أدناه حتى سمع صريف الأقلام.
وقيل : إن التوراة كانت سبعة أسباع فلما ألقى موسى الألواح تكسرت، فرفع منها ستة أسباعها، وكان فيما رفع تفصيل كلّ شيء الذي قال الله : وكَتَبْنا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ وبقي الهدى والرحمة في السبع الباقي، وهو الذي قال الله : أخذَ الألْواحَ وفي نُسخِتها هُدًى وَرَحْمَةٌ للّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبونَ. وكانت التوراة فيما ذكر سبعين وِقر بعير يقرأ منها الجزء في سنة كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا محمد بن خالد المكفوف، قال : حدثنا عبد الرحمن، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، قال : أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ منها الجزء في سنة، لم يقرأها إلا أربعة نفر : موسى بن عمران، وعيسى، وعُزير، ويوشع بن نون صلوات الله عليهم.
واختلفوا في الألواح، فقال بعضهم : كانت من زمرّد أخضر. وقال بعضهم : كانت من ياقوت. وقال بعضهم : كانت من برَد. ذكر الرواية بما ذكرنا من ذلك :
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال : حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال : أخبرني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : ألقى موسى الألواح فتكسرت، فرفعت إلا سدسها. قال : ابن جريج : وأخبرني أن الألواح من زبرجد وزمرّد من الجنة.
وحدثني موسى بن سهل الرملي وعليّ بن داود وعبد الله بن أحمد بن شبويه وأحمد بن الحسن الترمذي، قالوا : أخبرنا آدم العسقلاني، قال : حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال : كانت ألواح موسى عليه السلام من بَرَد.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن أبي الجنيد، عن جعفر بن أبي المغيرة، قال : سألت سعيد بن جبير عن الألواح من أيّ شيء كانت ؟ قال : كانت من ياقوتة كتابة الذهب كتبها الرحمن بيده، فسمع أهل السموات صريف القلم وهو يكتبها.
حدثني الحرث، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا عبد الرحمن، عن محمد بن أبي الوضاح، عن خصِيف، عن مجاهد أو سعيد بن جبير قال : كانت الألواح زمرّدا، فلما ألقى موسى الألواح بقي الهدى والرحمة، وذهب التفصيل.
قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا الأشجعي، عن محمد بن مسلم، عن خَصيف، عن مجاهد، قال : كانت الألواح من زمرّد أخضر.
وزعم بعضهم أن الألواح كانت لوحين، فإن كان الذي قال كما قال، فإنه قيل : وكَتَبْنا لَهُ فِي الألْوَاحِ وهما لوحان، كما قيل : فإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ وهما أخوان.
وأما قوله : وأخَذَ بِرأسِ أخِيهِ يَجُرّهُ إلَيْهِ فإن ذلك من فعل نبيّ الله ﷺ كان لموجدته على أخيه هارون في تركه اتباعه وإقامته مع بني إسرائيل في الموضع الذي تركهم فيه، كما قال جلّ ثناؤه مخبرا عن قيل موسى عليه السلام له : ما مَنَعَكَ إذْ رأيْتَهُمْ ضَلّوا ألاّ تَتّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي ؟ حين أخبره هارون بعذره، فقبل عذره، وذلك قيله لموسى : لا تَأْخ
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما رجع موسى إلى قومه من بني إسرائيل، رجع غضبان أسفًا، لأن الله كان قد أخبره أنه قد فتن قومه، وأن السامري قد أضلّهم، فكان رجوعه غضبان أسفًا لذلك.
* * *
و"الأسف" شدة الغضب، والتغيظ به على من أغضبه، كما:-
١٥١٢٤- حدثني عمران بن بكار الكلاعي قال، حدثنا عبد السلام بن محمد الحضرمي قال، حدثني شريح بن يزيد قال، سمعت نصر بن علقمة يقول: قال أبو الدرداء: قول الله: "غضبان أسفًا"، قال: "الأسف"، منزلة وراء الغضب،
أشدُّ من ذلك، وتفسير ذلك في كتاب الله: ذهب إلى قومه غضبان، وذهب أسفًا. (١)
* * *
وقال آخرون في ذلك ما:-
١٥١٢٥- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "أسفًا"، قال: حزينًا.
١٥١٢٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: "ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا"، يقول: "أسفًا"، "حزينًا"، وقال في "الزخرف": (فَلَمَّا آسَفُونَا) [سورة الزخرف: ٥٥]، يقول: أغضبونا= و"الأسف"، على وجهين: الغضب، والحزن.
١٥١٢٧- حدثنا نصر بن علي قال، حدثنا سليمان بن سليمان قال، حدثنا مالك بن دينار قال، سمعت الحسن يقول في قوله: "ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا"، قال: غضبان حزينًا.
* * *
وقوله: "قال بئسما خلفتموني من بعدي"، يقول: بئس الفعل فعلتم بعد فراقي إياكم وأوليتموني فيمن خلفت ورائي من قومي فيكم، وديني الذي أمركم به ربكم. يقال منه: "خلفه بخير"، و"خلفه بشر"، إذا أولاه في أهله أو قومه ومن كان منه بسبيل من بعد شخوصه عنهم، خيرًا أو شرًّا. (٢)
* * *
وقوله: "أعجلتم أمر ربكم"، يقول: أسبقتم أمر ربكم في نفوسكم، وذهبتم عنه؟
* * *
(١) الأثر: ١٥١٢٤ - ((عبد السلام بن محمد الحضرمي))، يعرف ب ((سليم))، مترجم في التهذيب، وقال: ((وقد ذكره البخاري فلم يذكر فيه جرحاً))، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٤٨، وذكره ابن حبان في الثقات. و ((شريح بن يزيد الحضرمى))، ((أبو حيوة))، لم يذكر فيه البخاري جرحاً، ووثقه ابن حبان. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/٢/٢٣١.
و ((نصر بن علقمة الحضرمى))، ((أبو علقمة))، وثقه دحيم وابن حبان، ولم يذكر فيه البخاري جرحاً. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/١٠٢، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٤٦٩، وروايته عن أبي الدرداء مرسلة.
(٢) (١) انظر تفسير ((خلف)) فيما سلف ص: ٨٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.
يقال منه: "عجل فلان هذا الأمر"، إذا سبقه = و"عجل فلانٌ فلانًا"، إذا سبقه = "ولا تَعْجَلْني يا فلان"، لا تذهب عني وتدعني= و"أعجلته": استحثثته.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وألقى موسى الألواح.
* * *
ثم اختلف أهل العلم في سبب إلقائه إياها.
فقال بعضهم: ألقاها غضبًا على قومه الذين عبدوا العجل.
* ذكر من قال ذلك:
١٥١٢٨- حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب قال، حدثني سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس: لما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا، فأخذ برأس أخيه يجرّه إليه، وألقى الألواح من الغضب.
١٥١٢٩- وحدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا ابن عيينة قال، قال أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما رجع
موسى إلى قومه، وكان قريبًا منهم، سمع أصواتهم، فقال: إني لأسمع أصواتَ قومٍ لاهين: فلما عاينهم وقد عكفوا على العجل، ألقى الألواح فكسرها، وأخذ برأس أخيه يجره إليه.
١٥١٣٠- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أخذ موسى الألواح، ثم رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا، فقال: (يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا)، إلى قوله: فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ [سورة طه: ٨٦-٨٧]، فألقى موسى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه= (قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي) [سورة طه: ٩٤].
١٥١٣١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما انتهى موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، ألقى الألواح من يده، ثم أخذ برأس أخيه ولحيته، ويقول: (مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) [سورة طه: ٩٢، ٩٣].
* * *
وقال آخرون: إنما ألقى موسى الألواح لفضائل أصابها فيها لغير قومه، فاشتدّ ذلك عليه.
* ذكر من قال ذلك:
١٥١٣٢- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: "أخذ الألواح"، قال: رب، إني أجد في الألواح أمةً خيرَ أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون= أي آخرون في الخلق= السابقون في دخول الجنة، (١) رب اجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد!
(١) (١) في المطبوعة: ((الآخرون السابقون = أي: آخرون في الخلق، سابقون في دخول الجنة))، وأثبت ما في المخطوطة.
قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونها،= وكان من قبلهم يقرأون كتابهم نظرًا، حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئًا، ولم يعرفوه. قال قتادة: وإن الله أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئًا لم يعطه أحدًا من الأمم = قال: ربِّ اجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون فضول الضلالة، حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم، ثم يؤجرون عليها= وكان من قبلهم من الأمم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه، بعث الله عليها نارًا فأكلتها، وإن ردَّت عليه تركت تأكلها الطير والسباع. قال: وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم= قال: رب اجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة، رب اجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدهم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها، فإذا عملها كتبت عليه سيئة واحدة، فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم، فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المشفَّعون والمشفوع لهم، فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: وذكر لنا أن نبي الله موسى عليه السلام نبذ الألواح وقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد! قال: فأعطي نبي الله موسى عليه السلام ثنتين لم يعطهما نبيٌّ، قال الله: (يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي)، [سورة الأعراف: ١٤٣]. قال: فرضي نبي الله. ثم أعطي الثانية: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) [سورة الأعراف: ١٥٩]، قال: فرضي نبي الله ﷺ كل الرضى.
١٥١٣٣- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: لما أخذ موسى الألواح قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة هم خير الأمم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون يوم القيامة، فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد، ثم ذكر نحو حديث بشر بن معاذ= إلا أنه قال في حديثه: فألقى موسى عليه السلام الألواح، وقال: اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليهما.
* * *
قال أبو جعفر: والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك، أن يكون سبب إلقاء موسى الألواح كان من أجل غضبه على قومه لعبادتهم العجل، لأن الله جل ثناؤه بذلك أخبر في كتابه فقال: "ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه".
* * *
وذكر أن الله لما كتب لموسى عليه السلام في الألواح التوراة، (١) أدناه منه حتى سمع صريف القلم.
* ذكر من قال ذلك:
١٥١٣٤- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي عمارة، عن علي عليه السلام قال: كتب الله الألواح لموسى عليه السلام، (٢) وهو يسمع صريف الأقلام في الألواح.
١٥١٣٥-.... قال حدثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد
(١) (١) في المطبوعة: ((وذلك أن الله لما كتب))، والصواب في المخطوطة.
(٢) (٢) في المطبوعة: ((لما كتب الله الألواح))، والصواب حذف ((لما)) كما في المخطوطة.
بن جبير قال: أدناه حتى سمع صريف الأقلام. (١)
* * *
وقيل: إن التوراة كانت سبعة أسباع، فلما ألقى موسى الألواح تكسرت، فرفع منها ستة أسباعها، وكان فيما رفع "تفصيل كل شيء"، الذي قال الله: "وَكَتَبْنَا لَهْ فِي اْلألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ" وبقي الهدى والرحمة في السبع الباقي، وهو الذي قال الله: (أَخَذَ الألْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ)، [سورة الأعراف: ١٥٤].
* * *
وكانت التوراة فيما ذكر سبعين وَقْر بعير، يقرأ منها الجزء في سنة، كما:-
١٥١٣٦- حدثني المثنى قال، حدثنا محمد بن خالد المكفوف قال، حدثنا عبد الرحمن، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس قال: أنزلت التوراة وهي سبعون وَقْر بعير، يقرأ منها الجزء في سنة، لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى بن عمران، وعيسى، وعزير، ويوشع بن نون، صلوات الله عليهم.
* * *
واختلفوا في "الألواح".
فقال بعضهم: كانت من زُمرد أخضر.
* * *
وقال بعضهم: كانت من ياقوت.
* * *
وقال بعضهم: كانت من بَرَد.
* * *
* ذكر الرواية بما ذكرنا من ذلك.
١٥١٣٧- حدثني أحمد بن إبراهيم الدَّورقي قال، حدثنا حجاج بن محمد،
(١) (١) الأثر: ١٥١٣٥ - وضعت النقط في هذا الخبر، للدلالة على أن هذا الإسناد ملحق بالإسناد السالف، وصدره هكذا: ((حدثني الحارث قال، حثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل....)).
عن ابن جريج قال، أخبرني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ألقى موسى الألواح فتكسرت، فرفعت إلا سدسها= قال ابن جريج: وأخبرني أن الألواح من زبرجد وزمرد من الجنة.
١٥١٣٨- وحدثني موسى بن سهل الرملي، وعلي بن داود، وعبد الله بن أحمد بن شبويه، وأحمد بن الحسن الترمذي قالوا، أخبرنا آدم العسقلاني قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كانت ألواح موسى عليه السلام من بَرَد. (١)
١٥١٣٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن أبي الجنيد، عن جعفر بن أبي المغيرة قال: سألت سعيد بن جبير عن الألواح، من أي شيء كانت؟ قال: كانت من ياقوتة، كتابة الذهب، كتبها الرحمن بيده، فسمع أهل السموات صريف القلم وهو يكتبها.
١٥١٤٠- حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا عبد الرحمن، عن محمد بن أبي الوضاح، عن خصيف، عن مجاهد أو سعيد بن جبير قال: كانت الألواح زمردًا، فلما ألقى موسى الألواح بقي الهدى والرحمة، وذهب التفصيل.
١٥١٤١- قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا الأشجعي، عن محمد بن مسلم، عن خصيف، عن مجاهد قال: كانت الألواح من زمرد أخضر.
* * *
وزعم بعضهم: أن الألواح كانت لوحين. فإن كان الذي قال كما قال، فإنه قيل: "وكتبنا له في الألواح"، وهما لوحان، كما قيل: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ) [سورة النساء: ١١]، وهما أخوان. (٢)
* * *
(١) (١) الأثر ١٥١٣٨ - انظر الأثر رقم ٩١٤، والتعليق عليه.
(٢) (٢) انظر ما قال في الجمع، والمراد به اثنان فيما سلف ٨: ٤١ - ٤٤، ومعاني القرآن للفراء ١: ٣٩٤.
أما قوله: "وأخذ برأس أخيه يجره إليه"، فإن ذلك من فعل نبي الله ﷺ كان، لموجدته على أخيه هارون في تركه أتباعه، وإقامته مع بني إسرائيل في الموضع الذي تركهم فيه، كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن قيل موسى عليه السلام له: (مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) ؟ [سورة طه: ٩٢، ٩٣]، حين أخبره هارون بعذره فقبل عذره، وذلك قيله لموسى: (لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي)، [سورة طه: ٩٤]، وقال: "يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء"، الآية:
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: "يا ابن أم".
فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض أهل البصرة: (يَا ابْنَ أُمَّ) بفتح "الميم" من "الأم".
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: (يَا ابْنَ أُمِّ) بكسر "الميم" من الأم.
* * *
واختلف أهل العربية في فتح ذلك وكسره، مع إجماع جميعهم على أنهما لغتان مستعملتان في العرب.
فقال بعض نحويي البصرة: قيل ذلك بالفتح، على أنهما اسمان جعلا اسمًا واحدًا، كما قيل: "يا ابن عمَّ"، وقال: هذا شاذ لا يقاس عليه.
وقال: من قرأ ذلك: "يا ابن أمِّ"، فهو على لغة الذين يقولون: "هذا غلامِ قد جاء؟ "، جعله اسمًا واحدًا آخره مكسور، مثل قوله: "خازِ باز". (١)
* * *
(١) (١) ((الخازباز))، هو ضرب من الذبان، و ((خاز)) و ((باز)) صوتان من صوت الذباب، فجعلا واحداً، وبنيا على الكسر، لا يتغير في الرفع والنصب والجر.
وقال بعض نحويي الكوفة: قيل: "يا ابن أمَّ" و "يا ابن عمَّ"، فنصب كما ينصب المعرب في بعض الحالات، فيقال: "يا حسرتا"، "يا ويلتا". قال: فكأنهم قالوا: "يا أماه"، و"يا عماه"، ولم يقولوا ذلك في "أخ"، ولو قيل ذلك لكان صوابًا. قال: والذين خفضوا ذلك، فإنه كثر في كلامهم حتى حذفوا الياء. قال: ولا تكاد العرب تحذف "الياء" إلا من الاسم المنادَى يضيفه المنادِي إلى نفسه، إلا قولهم: "يا ابن أمِّ" و"يا ابن عمِّ"، وذلك أنهما يكثر استعمالهما في كلامهم، فإذا جاء ما لا يستعمل أثبتوا "الياء" فقالوا: "يا ابن أبي" و"يا ابن أختي، وأخي"، و"يا ابن خالتي"، و"يا ابن خالي". (١)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إذا فتحت "الميم" من "ابن أم"، فمرادٌ به الندبة: يا ابن أماه، وكذلك من "ابن عم". فإذا كسرت فمرادٌ به الإضافة، ثم حذفت "الياء" التي هي كناية اسم المخبر عن نفسه. وكأن بعض من أنكر تشبيه كسر ذلك إذا كسر ككسر الزاي من "خاز باز"، (٢) لأن "خاز باز" لا يعرف الثاني إلا بالأول، ولا الأول إلا بالثاني، فصار كالأصوات.
وحكي عن يونس الجرمي تأنيث "أم" وتأنيث "عم"، (٣) وقال: لا يجعل اسمًا واحدًا إلا مع "ابن" المذكر. قالوا: وأما اللغة الجيدة والقياسُ الصحيح، فلغة من قال: "يا ابن أمي" بإثبات "الياء"، كما قال أبو زبيد:
يَا ابْنَ أُمِّي، وَيَا شُقَيِّقَ نَفْسِي أَنْتَ خَلَّفْتَني لِدَهْرٍ شَدِيدِ (٤)
(١) (١) هذه كلها مقالة الفراء في معاني القرآن ١: ٣٩٤.
(٢) (٢) في المطبوعة والمخطوطة:
((من أنكر نسبته كسر ذلك))، وصواب قراءته ما أثبته ((تشبيه)).
(٣) (٣) ((يونس الجرمي))، هكذا جاء هنا أيضاً، وانظر ما سلف ١٠: ١٢٠، تعليق: ١، ثم ١١: ٥٤٤، تعليق: ٣، وما سيأتي ص: ١٣٨.
(٤) (٤) أمالي اليزيدي ٩، جمهرة أشعار العرب: ١٣٩ واللسان (شقق)، وشواهد العيني (هامش خزانة الأدب) : ٤: ٢٢٢، وغيرها. من قصيدة مختارة، يرثى ابن أخته اللجلاج، ويقال: يرثى أخاه اللجلاج، ويروى البيت: يَا ابْنَ خَنْسَاء، شِقَّ نَفْسِيَ يَا لَجْلاجُ، خليتني لِدَهْرٍ شَدِيدِ وأما هذه الرواية، فهي رواية النحاة جميعًا في كتبهم في باب النداء. يقول فيها:
كُلَّ مَيْتٍ قَدِ اغْتَفَرْتُ، فلا أُوجع مِنْ وَالِدٍ وَلا مَوْلُودِ
غَيْرَ أَنَّ اللَّجْلاجَ هَدَّ جَنَاحِييَوْمَ فَارَقْتُهُ بِأَعْلَى الصَّعِيدِ
فِي ضَرٍيحٍ عَلَيْهِ عِبْءٌ ثَقِيلٌمِنْ تُرَابٍ وجَنْدَلٍ مَنْضُودِ
عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ عِنْدَ صَدٍحَرَّ انَ يَدْعُو بِاللَّيْلِ غَيْرَ مَعُودِ
صَادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغَاثٍوَلَقَدْ كَانَ عُصْرة المَنْجُودِ
وقوله: ((شقيق)) تصغير ((شقيق))، وهو الأخ.
وكما قال الآخر: (١)
يَا ابْنَ أُمِّي! وَلَوْ شَهِدْتُكَ إِذْ تَدْ عُو تَمِيمًا وَأَنْتَ غَيْرُ مُجَابِ (٢)
(١) (١) هو غلفاء بن الحارث، وهو معد يكرب بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار الكندى، وهو عم امرئ القيس بن حجر إمام الشعراء. وسمى ((غلفاء))، لأنه كان يغلف رأسه بالمسك. ويقال: هو أول من فعل ذلك.
(٢) (٢) النقائض: ٤٥٧، ١٠٧٧، الوحشيات رقم: ٢١٣، الأغاني: ١٢: ٢١٣، من قصيدة يرثي بها أخاه شرحبيل بن الحارث، قتيل يوم الكلاب الول (انظر خبر ذلك في النقائض، والأغاني)، يقول قبله، وهو أول الشعر:
إِنَّ جَنْبِي عَنِ الفِرَاشِ لَنَابِيكتجافي الأسَرِّ فَوْقَ الظِّرَابِ
مِنْ حَدِيثٍ نَمَى إلَيّ فَلا تَرْقَأُ عَيْنِي، وَلا أُسِيغُ شَرَابِي
مُرَّةٌ كَالذِّعَافِ أكْتُمُهَا النَّاسَ، عَلَى حَرِّ مَلَّةٍ كالشِّهَابِ
مِنْ شُرْحَبِيلَ إِذْ تَعَاوَرُه الأرْمَاحُ فِي حَالِ لَذَّةٍ وشَبَابِ
...................... يَا ابْنَ أُمِّي................
لَتَرَكْتُ الحُسَامَ تَجْرِي ظُبَاهُمِنْ دِمَاءِ الأعْدَاءِ يَوْمَ الكُلابِ
ثُمَّ طَاعَنْتُ مِنْ وَرَائِكَ حَتَّىتَبْلُغَ الرُّحْبَ، أو تُبَزَّ ثيَابي
وقوله: ((الأسر))، هو البعير تخرج في كركرته قرحة لا يقدر معها أن يبرك إلا على مستو من الأرض. وفي ((الظراب)) : جمع ((ظرب)) (بفتح ثم كسر)، وهو من الحجارة ما كان ناتئاً في جبل أو أرض خربة، وكان طرفه الناتئ محدداً. و ((الملة)) (بفتح الميم) : الرماد الحار.
وإنما أثبت هؤلاء الياء في "الأم"، لأنها غير مناداة، وإنما المنادى هو "الابن" دونها. وإنما تسقط العرب "الياء" من المنادى إذا أضافته إلى نفسها، لا إذا أضافته إلى غير نفسها، كما قد بينا. (١)
* * *
وقيل: إن هارون إنما قال لموسى عليه السلام: "يا ابن أم"، ولم يقل: "يا ابن أبي"، وهما لأب واحد وأم واحدة، استعطافا له على نفسه برحم الأم. (٢)
* * *
وقوله: "إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني"، يعني بالقوم، الذين عكفوا على عبادة العجل وقالوا: "هذا إلهنا وإله موسى"، وخالفوا هارون. وكان استضعافهم إياه: تركهم طاعته واتباع أمره= (٣) = "وكادوا يقتلونني"، يقول: قاربوا ولم يفعلوا. (٤)
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: "فلا تشمت".
فقرأ قرأة الأمصار ذلك: (فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ)، بضم "التاء" من "تشمت" وكسر "الميم" منها، من قولهم: "أشمت فلان فلانًا بفلان"، إذا سره فيه بما يكرهه المشمت به.
* * *
وروي عن مجاهد أنه قرأ ذلك: (فَلا تَشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ).
١٥١٤٢- حدثني بذلك عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، قال حميد بن قيس: قرأ مجاهد: (فَلا تَشْمِتْ بِيَ الأعَدَاءُ).
١٥١٤٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن حميد قال: قرأ مجاهد: (فَلا تَشْمِتْ بِيَ الأعَدَاءُ).
١٥١٤٤- حدثت عن يحيى بن زياد الفراء قال، حدثنا سفيان بن عيينة،
(١) (١) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٩٤.
(٢) (١) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٩٤.
(٣) (٢) انظر تفسير ((استضعف)) فيما سلف ص: ٧٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٤) (٣) انظر تفسير ((كاد)) فيما سلف ٢: ٢١٨.
عن رجل، عن مجاهد، أنه قال: (لا تُشْمِتْ). (١)
* * *
وقال الفراء: قال الكسائي: ما أدرى، فلعلهم أرادوا: فلا تشمت بي الأعداءُ، فإن تكن صحيحة فلها نظائر. العرب تقول: "فَرِغت وفَرَغت"، فمن قال: "فَرغت"، قال: "أنا أفرُغ"، ومن قال: "فرِغت"، قال: "أنا أفرَغُ"، وكذلك: "ركِنت" "وركَنت"، و"شمِلهم أمرٌ" (٢) "وشمَلهم"، (٣) في كثير من الكلام. قال: "والأعداء" رفع، لأن الفعل لهم، لمن قال: "تشمَت" أو "تشمِت". (٤)
* * *
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز القراءة إلا بها، قراءةُ من قرأ: (فَلا تُشْمِتْ) : بضم "التاء" الأولى، وكسر "الميم" من: "أشمتُّ به عدوه أشمته به"، ونصبِ "الأعداء"، لإجماع الحجة من قرأة الأمصار عليها، وشذوذ ما خالفها من القراءة، وكفى بذلك شاهدا على ما خالفها. هذا مع إنكار معرفة عامة أهل العلم بكلام العرب: "شمت فلان فلانًا بفلان"، و"شمت فلان بفلان يشمِت به"، وإنما المعروف من كلامهم إذا أخبروا عن شماتة الرجل بعدوِّه: "شمِت به" بكسر "الميم": "يشمَت به"، بفتحها في الاستقبال.
* * *
وأما قوله: "ولا تجعلني مع القوم الظالمين"، فإنه قولُ هارون لأخيه موسى. يقول: لا تجعلني في موجدتك عليَّ وعقوبتك لي ولم أخالف أمرك، محلَّ من عصاك فخالف أمرك، وعبد العجل بعدك، فظلم نفسه، وعبد غيرَ من له العبادة، ولم أشايعهم على شيء من ذلك، كما:-
(١) (١) الأثر: ١٥١٤٤ - رواه الفراء في معاني القرآن ١: ٣٩٤، وقال عند قوله: ((عن رجل)) :((أظنه الأعرج))، يعني: ((حميد بن قيس المكي)) المذكور في الإسنادين السالفين.
(٢) (٢) في المطبوعة والمخطوطة: ((ركبت وركبت))، والصواب في معاني القرآن للفراء.
(٣) (٣) في معاني القرآن: ((وشملهم شر)).
(٤) (٤) معاني القرآن للفراء ١: ٣٩٤.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يخبر تعالى أن موسى، عليه السلام، رجع إلى قومه من مناجاة ربه تعالى وهو غضبان أسف.
قال أبو الدرداء " الأسف " : أشد الغضب.
﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ يقول : بئس ما صنعتم في عبادتكم العجل بعد أن ذهبت وتركتكم.
وقوله :﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ ؟ يقول : استعجلتم مجيئي إليكم، وهو مقدر من الله تعالى.
وقوله :﴿وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ قيل : كانت الألواح من زُمُرُّد. وقيل : من ياقوت. وقيل : من بَرَد وفي هذا دلالة على ما جاء في الحديث :" ليس الخبر كالمعاينة " (١)
ثم ظاهر السياق أنه إنما ألقى الألواح غضبًا على قومه، وهذا قول جمهور العلماء سلفا وخلفا. وروى ابن جرير عن قتادة في هذا قولا غريبًا، لا يصح إسناده إلى حكاية قتادة، وقد رَدّه ابن عطية وغير واحد من العلماء، وهو جدير بالرد، وكأنه تَلَقَّاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذابون ووَضّاعون وأفاكون وزنادقة.
وقوله :﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ خوفًا أن يكون قد قَصَّر في نهيهم، كما قال في الآية الأخرى :﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي. قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٢ - ٩٤] وقال هاهنا :﴿ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي : لا تَسُقني مَسَاقهم، ولا تخلطني معهم. وإنما قال :﴿ابْنَ أُمَّ﴾ ؛ لتكون(٢) أرأف وأنجع عنده، وإلا فهو شقيقه لأبيه وأمه. فلما تحقق موسى، عليه السلام، براءة ساحة هارون [ عليه السلام ](٣) كما قال تعالى :﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه: ٩٠]
١ رواه أحمد في مسنده (١/٢٧١) من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس الخبر كالمعاينة إن الله، عز وجل، أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت"..
٢ في ك، م: "ليكون"..
٣ زيادة من ك، أ..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ مِنْ مُنَاجَاةِ رَبِّهِ تَعَالَى وَهُوَ غَضْبَانُ أَسِفٌ.
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ "الْأَسَفُ": أَشَدُّ الْغَضَبِ.
﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ يَقُولُ: بِئْسَ مَا صَنَعْتُمْ فِي عِبَادَتِكُمُ الْعِجْلَ بَعْدَ أَنْ ذَهَبْتُ وَتَرَكْتُكُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ ؟ يَقُولُ: اسْتَعْجَلْتُمْ مَجِيئِي إِلَيْكُمْ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ قِيلَ: كَانَتِ الْأَلْوَاحُ مِنْ زُمُرُّد. وَقِيلَ: مِنْ

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا أي : ممتلئا غضبا وغيظا عليهم، لتمام غيرته عليه الصلاة السلام، وكمال نصحه وشفقته، قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أي : بئس الحالة التي خلفتموني بها من بعد ذهابي عنكم، فإنها حالة تفضي إلى الهلاك الأبدي، والشقاء السرمدي.
أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ حيث وعدكم بإنزال الكتاب. فبادرتم - برأيكم الفاسد - إلى هذه الخصلة القبيحة وَأَلْقَى الألْوَاحَ أي : رماها من الغضب وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ هارون ولحيته يَجُرُّهُ إِلَيْهِ وقال له : مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أن لا تَتَّبِعَن أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي لك بقولي : اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ف قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي و قَالَ هنا ابْنَ أُمَّ هذا ترقيق لأخيه، بذكر الأم وحدها، وإلا فهو شقيقه لأمه وأبيه : إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي أي : احتقروني حين قلت لهم : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي أي : فلا تظن بي تقصيرا فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ بنهرك لي، ومسك إياي بسوء، فإن الأعداء حريصون على أن يجدوا عليَّ عثرة، أو يطلعوا لي على زلة وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فتعاملني معاملتهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٠٣ - ١٧١} ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾.
إلى آخر قصته (١).
أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم، الإمام العظيم، والرسول الكريم، إلى قوم عتاة جبابرة، وهم فرعون وملؤه، من أشرافهم وكبرائهم، فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم يشاهد له نظير ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ بأن لم ينقادوا لحقها الذي من لم ينقد له فهو ظالم، بل استكبروا عنها. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ كيف أهلكهم الله، وأتبعهم الذم واللعنة في الدنيا ويوم القيامة، بئس الرفد المرفود، وهذا مجمل فصله بقوله:
﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان.
﴿يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: إني رسول من مرسل عظيم، وهو رب العالمين، الشامل للعالم العلوي والسفلي، مربي جميع خلقه بأنواع التدابير الإلهية، التي من جملتها أنه لا يتركهم سدى، بل يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وهو الذي لا يقدر أحد أن يتجرأ عليه، ويدعي أنه أرسله ولم يرسله.
(١) في ب: أورد الآيات كاملة.

فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته، فحقيق علي أن لا أكذب عليه، ولا أقول عليه إلا الحق. فإني لو قلت غير ذلك لعاجلني بالعقوبة، وأخذني أخذ عزيز مقتدر.
فهذا موجب لأن ينقادوا له ويتبعوه، خصوصا وقد جاءهم ببينة من الله واضحة على صحة ما جاء به من الحق، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان. إيمانهم به، واتباعهم له، وإرسال بني إسرائيل الشعب الذي فضله الله على العالمين، أولاد الأنبياء، وسلسلة يعقوب عليه السلام، الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحد منهم.
فقال له فرعون: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿فَأَلْقَى﴾ موسى ﴿عَصَاهُ﴾ في الأرض ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ أي: حية ظاهرة تسعى، وهم يشاهدونها.
﴿وَنزعَ يَدَهُ﴾ من جيبه ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ من غير سوء، فهاتان آيتان كبيرتان دالتان على صحة ما جاء به موسى وصدقه، وأنه رسول رب العالمين، ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.
فلهذا ﴿قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ حين بهرهم ما رأوا من الآيات، ولم يؤمنوا، وطلبوا لها التأويلات الفاسدة: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي: ماهر في سحره.
ثم خوفوا ضعفاء الأحلام وسفهاء العقول، بأنه ﴿يُرِيدُ﴾ موسى بفعله هذا ﴿أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ أي: يريد أن يجليكم (١) عن أوطانكم ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ أي: إنهم تشاوروا فيما بينهم ما يفعلون بموسى، وما يندفع به ضرره بزعمهم عنهم، فإن ما جاء به إن لم يقابل بما يبطله ويدحضه، وإلا دخل في عقول أكثر الناس.
فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا لفرعون: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ أي: احبسهما وأمهلهما، وابعث في المدائن أناسا يحشرون أهل المملكة ويأتون بكل سحار عليم، أي: يجيئون بالسحرة المهرة، ليقابلوا ما جاء به موسى، فقالوا: يا موسى اجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى.
﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى * فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾.
وقال هنا: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ طالبين منه الجزاء إن غلبوا فـ ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لأجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ ؟
فـ ﴿قَالَ﴾ فرعون: ﴿نَعَمْ﴾ لكم أجر ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ فوعدهم الأجر والتقريب، وعلو المنزلة عنده، ليجتهدوا ويبذلوا وسعهم وطاقتهم في مغالبة موسى.
فلما حضروا مع موسى بحضرة الخلق العظيم ﴿قَالُوا﴾ على وجه التألي وعدم -[٣٠٠]- المبالاة بما جاء به موسى: ﴿يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ ما معك ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾.
فـ ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿أَلْقُوا﴾ لأجل أن يرى الناس ما معهم وما مع موسى.
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾ حبالهم وعصيهم، إذا هي من سحرهم كأنها حيات تسعى، فـ ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ لم يوجد له نظير من السحر.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ فَأَلْقَاهَا ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ حية تسعى، فـ ﴿تَلْقَفُ﴾ جميع ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ أي: يكذبون به ويموهون.
﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ أي: تبين وظهر، واستعلن في ذلك المجمع، ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المقام ﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ أي: حقيرين قد اضمحل باطلهم، وتلاشى سحرهم، ولم يحصل لهم المقصود الذي ظنوا حصوله.
وأعظم من تبين له الحق العظيم أهل الصنف والسحر، الذين يعرفون من أنواع السحر وجزئياته، ما لا يعرفه غيرهم، فعرفوا أن هذه آية عظيمة من آيات الله لا يدان لأحد بها.
﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾
أي: وصدقنا بما بعث به موسى من الآيات البينات.
(١) كذا في ب، وفي أ: يريد ليجليكم من.
فـ ﴿قَالَ﴾ لَهُمْ ﴿فِرْعَوْنَ﴾ متهددا على الإيمان: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ كان الخبيث حاكما مستبدا على الأبدان والأقوال، قد تقرر عنده وعندهم أن قوله هو المطاع، وأمره نافذ فيهم، ولا خروج لأحد عن قوله وحكمه، وبهذه الحالة تنحط الأمم وتضعف عقولها ونفوذها، وتعجز عن المدافعة عن حقوقها، ولهذا قال الله عنه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ وقال هنا: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي: فهذا سوء أدب منكم وتجرؤ عَليَّ.
ثم موه على قومه وقال: ﴿إنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ أي: إن موسى كبيركم الذي علمكم السحر، فتواطأتم أنتم وهو على أن تنغلبوا له، فيظهر فتتبعوه، ثم يتبعكم الناس أو جمهورهم فتخرجوا منها أهلها.
وهذا كذب يعلم هو ومن سبر الأحوال، أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يجتمع بأحد منهم، وأنهم جمعوا على نظر فرعون ورسله، وأن ما جاء به موسى آية إلهية، وأن السحرة قد بذلوا مجهودهم في مغالبة موسى، حتى عجزوا، وتبين لهم الحق، فاتبعوه.
ثم توعدهم فرعون بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما أحل بكم من العقوبة.
﴿لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ زعم الخبيث أنهم مفسدون في الأرض، وسيصنع بهم ما يصنع بالمفسدين، من تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى.
﴿ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ﴾ في جذوع النخل، لتختزوا بزعمه ﴿أَجْمَعِينَ﴾ أي: لا أفعل هذا الفعل بأحد دون أحد، بل كلكم سيذوق هذا العذاب.
فقال السحرة، الذين آمنوا لفرعون حين تهددهم: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ أي: فلا نبالي بعقوبتك، فالله خير وأبقى، فاقض ما أنت قاض.
﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾ أي: وما تعيب منا على إنكارك علينا وتوعدك لنا؟ فليس لنا ذنب ﴿إِلا أَنْ آمَنَّا﴾ بـ[آيَاتِ] ربنا [لما جاءتنا] (١) فإن كان هذا ذنبا يعاب عليه، ويستحق صاحبه العقوبة، فهو ذنبنا.
ثم دعوا الله أن يثبتهم ويصبرهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾ أي: أفض ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: عظيما، كما يدل عليه التنكير، لأن هذه محنة عظيمة، تؤدي إلى ذهاب النفس، فيحتاج فيها من الصبر إلى شيء كثير، ليثبت الفؤاد، ويطمئن المؤمن على إيمانه، ويزول عنه الانزعاج الكثير.
﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ أي: منقادين لأمرك، متبعين لرسولك، والظاهر أنه أوقع بهم ما توعدهم عليه، وأن الله تعالى ثبتهم على الإيمان.
هذا وفرعون وملؤه وعامتهم المتبعون للملأ قد استكبروا عن آيات الله، وجحدوا بها ظلما وعلوا، وقالوا لفرعون مهيجين له على الإيقاع بموسى، وزاعمين أن ما جاء باطل وفساد: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأرْضِ﴾ بالدعوة إلى الله، وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، التي هي الصلاح في الأرض، وما هم عليه هو الفساد، ولكن الظالمين لا يبالون بما يقولون.
﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ أي: يدعك أنت وآلهتك، وينهى عنك، ويصد الناس عن اتباعك.
فـ ﴿قَالَ﴾ فرعون مجيبا لهم، بأنه سيدع بني إسرائيل مع موسى بحالة لا ينمون فيها، ويأمن (٢) فرعون وقومه - بزعمه - من ضررهم: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ أي: نستبقيهن فلا نقتلهن، فإذا فعلنا ذلك أمنا من كثرتهم، وكنا مستخدمين لباقيهم، ومسخرين لهم على ما نشاء من الأعمال ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ لا خروج لهم عن حكمنا، ولا قدرة، وهذا نهاية الجبروت من فرعون والعتو والقسوة.
فـ ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ موصيا لهم في هذه الحالة، - التي لا يقدرون معها على شيء، ولا مقاومة - بالمقاومة الإلهية، والاستعانة الربانية: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾ أي: اعتمدوا عليه في جلب ما ينفعكم، ودفع ما يضركم، وثقوا بالله، أنه سيتم أمركم ﴿وَاصْبِرُوا﴾ أي: الزموا الصبر على ما يحل بكم، منتظرين للفرج.
﴿إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ﴾ ليست لفرعون ولا لقومه حتى يتحكموا فيها ﴿يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ -[٣٠١]- أي: يداولها بين الناس على حسب مشيئته وحكمته، ولكن العاقبة للمتقين، فإنهم - وإن امتحنوا مدة ابتلاء من الله وحكمة، فإن النصر لهم، ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ الحميدة لهم على قومهم وهذه وظيفة العبد، أنه عند القدرة، أن يفعل من الأسباب الدافعة عنه أذى الغير، ما يقدر عليه، وعند العجز، أن يصبر ويستعين الله، وينتظر الفرج.
﴿قَالُوا﴾ لموسى متضجرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون، وأذيته: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ فإنهم يسوموننا سوء العذاب، يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ كذلك فـ ﴿قَالَ﴾ لهم موسى مرجيا [لهم] (٣) الفرج والخلاص من شرهم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ﴾ أي: يمكنكم فيها، ويجعل لكم التدبير فيها ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ هل تشكرون أم تكفرون؟. وهذا وعد أنجزه الله لما جاء الوقت الذي أراده الله.
قال الله تعالى في بيان ما عامل به آل فرعون في هذه المدة الأخيرة، أنها على عادته وسنته في الأمم، أن يأخذهم بالبأساء والضراء، لعلهم يضرعون. الآيات: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ أي: بالدهور والجدب، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون أن ما حل بهم وأصابهم معاتبة من الله لهم، لعلهم يرجعون عن كفرهم، فلم ينجع فيهم ولا أفاد، بل استمروا على الظلم والفساد.
(١) زيادة من هامش ب، وهي في أ: آمنا بربنا.
(٢) كذا في ب، وفي أ: ويؤمن.
(٣) زيادة من هامش ب.
﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ أي: الخصب وإدرار الرزق ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أي: نحن مستحقون لها، فلم يشكروا الله عليها ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: قحط وجدب ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي: يقولوا: إنما جاءنا بسبب مجيء موسى، واتباع بني إسرائيل له.
قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: بقضائه وقدرته، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك، بل ﴿أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلذلك قالوا ما قالوا.
﴿وَقَالُوا﴾ مبينين لموسى أنهم لا يزالون، ولا يزولون عن باطلهم: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: قد تقرر عندنا أنك ساحر، فمهما جئت بآية، جزمنا أنها سحر، فلا نؤمن لك ولا نصدق، وهذا غاية ما يكون من العناد، أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالات، سواء نزلت عليهم الآيات أم لم تنزل.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ أي: الماء الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم، وأضر بهم ضررا كثيرا ﴿وَالْجَرَادَ﴾ فأكل ثمارهم وزروعهم، ونباتهم ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ قيل: إنه الدباء، أي: صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ فملأت أوعيتهم، وأقلقتهم، وآذتهم أذية شديدة ﴿وَالدَّمَ﴾ إما أن يكون الرعاف، أو كما قال كثير من المفسرين، أن ماءهم الذي يشربون انقلب دما، فكانوا لا يشربون إلا دما، ولا يطبخون إلا بدم.
﴿آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ أي: أدلة وبينات على أنهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى، حق وصدق ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ لما رأوا الآيات ﴿وَكَانُوا﴾ في سابق أمرهم ﴿قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ فلذلك عاقبهم الله تعالى، بأن أبقاهم على الغي والضلال.
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أي: العذاب، يحتمل أن المراد به: الطاعون، كما قاله كثير من المفسرين، ويحتمل أن يراد به ما تقدم من الآيات: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، فإنها رجز وعذاب، وأنهم كلما أصابهم واحد منها ﴿قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أي: تشفعوا بموسى بما عهد الله عنده من الوحي والشرع، ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وهم في ذلك كذبة، لا قصد لهم إلا زوال ما حل بهم من العذاب، وظنوا إذا رفع لا يصيبهم غيره.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾ أي: إلى مدة قدر الله بقاءهم إليها، وليس كشفا مؤبدا، وإنما هو مؤقت، ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ العهد الذي عاهدوا عليه موسى، ووعدوه بالإيمان به، وإرسال بني إسرائيل، فلا آمنوا به ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، بل استمروا على كفرهم يعمهون، وعلى تعذيب بني إسرائيل دائبين.
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: حين جاء الوقت المؤقت لهلاكهم، أمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلا وأخبره أن فرعون سيتبعهم هو وجنوده ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ يجمعون الناس ليتبعوا بني إسرائيل، وقالوا لهم: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِين * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ *ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ﴾.
وقال هنا: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ أي: بسبب تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عما دلت عليه من الحق.
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ في الأرض، أي: بني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل -[٣٠٢]- فرعون، يسومونهم سوء العذاب أورثهم الله ﴿مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ والمراد بالأرض هاهنا، أرض مصر، التي كانوا فيها مستضعفين، أذلين، أي: ملكهم الله جميعا، ومكنهم فيها الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ حين قال لهم موسى: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ من الأبنية الهائلة، والمساكن المزخرفة ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ بعد ما أنجاهم الله من عدوهم فرعون وقومه، وأهلكهم الله، وبنوا إسرائيل ينظرون.
﴿فَأَتَوْا﴾ أي: مروا ﴿عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ أي: يقيمون عندها ويتبركون بها، ويعبدونها.
فـ ﴿قَالُوا﴾ من جهلهم وسفههم لنبيهم موسى بعدما أراهم الله من الآيات ما أراهم ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ أي: اشرع لنا أن نتخذ أصناما آلهة كما اتخذها هؤلاء.
فـ ﴿قَالَ﴾ لهم موسى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وأي جهل أعظم من جهل من جهل ربه وخالقه وأراد أن يسوي به غيره، ممن لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا؟ "
ولهذا قال لهم موسى ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لأن دعاءهم إياها باطل، وهي باطلة بنفسها، فالعمل باطل وغايته باطلة.
﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ أي: أأطلب لكم إلها غير الله المألوه، الكامل في ذاته، وصفاته وأفعاله. ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ فيقتضي أن تقابلوا فضله، وتفضيله بالشكر، وذلك بإفراده وحده بالعبادة، والكفر بما يدعي من دونه.
ثم ذكرهم بما امتن الله به عليهم فقال: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: من فرعون وآله ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: يوجهون إليكم من العذاب أسوأه، وهو أنهم كانوا ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ﴾ النجاة من عذابهم ﴿بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي: نعمة جليلة، ومنحة جزيلة، أو: وفي ذلك العذاب الصادر منهم لكم بلاء من ربكم عليكم عظيم، فلما ذكرهم موسى ووعظهم انتهوا عن ذلك.
ولما أتم الله نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم، وتمكينهم في الأرض، أراد تبارك وتعالى أن يتم نعمته عليهم، بإنزال الكتاب الذي فيه الأحكام الشرعية، والعقائد المرضية، فواعد موسى ثلاثين ليلة، وأتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة، ليستعد موسى، ويتهيأ لوعد الله، ويكون لنزولها موقع كبير لديهم، وتشوق إلى إنزالها.
ولما ذهب موسى إلى ميقات ربه قال لهارون موصيا له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ أي: كن خليفتي فيهم، واعمل فيهم بما كنت أعمل، ﴿وَأَصْلِحْ﴾ أي: اتبع طريق الصلاح ﴿وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ وهم الذين يعملون بالمعاصي.
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ الذي وقتناه له لإنزال الكتاب ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ بما كلمه من وحيه وأمره ونهيه، تشوق إلى رؤية الله، ونزعت نفسه لذلك، حبا لربه ومودة لرؤيته.
فـ ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ﴾ اللَّهِ ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أي: لن تقدر الآن على رؤيتي، فإن الله تبارك وتعالى أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها، ولا يثبتون لرؤية الله، وليس في هذا دليل على أنهم لا يرونه في الجنة، فإنه قد دلت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على أن أهل الجنة يرون ربهم تبارك وتعالى ويتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وأنه ينشئهم نشأة كاملة، يقدرون معها على رؤية الله تعالى، ولهذا رتب الله الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل، فقال - مقنعا لموسى في عدم إجابته للرؤية - ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ إذا تجلى الله له ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾.
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ الأصم الغليظ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: انهال مثل الرمل، انزعاجا من رؤية الله وعدم ثبوته لها (١) ﴿وَخَرَّ مُوسَى﴾ حين رأى ما رأى ﴿صَعِقًا﴾ فتبين له حينئذ أنه إذا لم يثبت الجبل لرؤية الله، فموسى أولى أن لا يثبت لذلك، واستغفر ربه لما صدر منه من السؤال، الذي لم يوافق موضعا و [لذلك] (٢) ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيها لك، وتعظيما عما لا يليق بجلالك ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من جميع الذنوب، وسوء الأدب معك ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: جدد عليه الصلاة والسلام إيمانه، بما كمل الله له مما كان يجهله قبل ذلك، فلما منعه الله من رؤيته - بعدما ما كان متشوقا إليها - أعطاه خيرا كثيرا فقال:
(١) كذا في ب، وفي أ: وعدم ثبوت.
(٢) زيادة من هامش ب.

﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: اخترتك واجتبيتك وفضلتك -[٣٠٣]- وخصصتك بفضائل عظيمة، ومناقب جليلة، ﴿بِرِسَالاتِي﴾ التي لا أجعلها، ولا أخص بها إلا أفضل الخلق.
﴿وَبِكَلامِي﴾ إياك من غير واسطة، وهذه فضيلة اختص بها موسى الكليم، وعرف بها من بين إخوانه من المرسلين، ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ من النعم، وخذ ما آتيتك من الأمر والنهي بانشراح صدر، وتلقه بالقبول والانقياد، ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لله على ما خصك وفضلك.
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه العباد ﴿مَوْعِظَةً﴾ ترغب النفوس في أفعال الخير، وترهبهم من أفعال الشر، ﴿وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من الأحكام الشرعية، والعقائد والأخلاق والآداب ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي: بجد واجتهاد على إقامتها، ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ وهي الأوامر الواجبة والمستحبة، فإنها أحسنها، وفي هذا دليل على أن أوامر الله - في كل شريعة - كاملة عادلة حسنة.
﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ بعد ما أهلكهم الله، وأبقى ديارهم عبرة بعدهم، يعتبر بها المؤمنون الموفقون المتواضعون.
وأما غيرهم، فقال عنهم: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ أي: عن الاعتبار في الآيات الأفقية والنفسية، والفهم لآيات الكتاب ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: يتكبرون على عباد الله وعلى الحق، وعلى من جاء به، فمن كان بهذه الصفة، حرمه الله خيرا كثيرا وخذله، ولم يفقه من آيات الله ما ينتفع به، بل ربما انقلبت عليه الحقائق، واستحسن القبيح.
﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ لإعراضهم واعتراضهم، ومحادتهم لله ورسوله، ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ أي: الهدى والاستقامة، وهو الصراط الموصل إلى الله، وإلى دار كرامته ﴿لا يَتَّخِذُوهُ﴾ أي: لا يسلكوه ولا يرغبوا فيه ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ﴾ أي: الغواية الموصل لصاحبه إلى دار الشقاء ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ والسبب في انحرافهم هذا الانحراف ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ فردهم لآيات الله، وغفلتهم عما يراد بها واحتقارهم لها - هو الذي أوجب لهم من سلوك طريق الغي، وترك طريق الرشد ما أوجب.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ العظيمة الدالة على صحة ما أرسلنا به رسلنا.
﴿وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ لأنها على غير أساس، وقد فقد شرطها وهو الإيمان بآيات الله، والتصديق بجزائه ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ في بطلان أعمالهم وحصول ضد مقصودهم ﴿إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فإن أعمال من لا يؤمن باليوم الآخر، لا يرجو فيها ثوابا، وليس لها غاية تنتهي إليه، فلذلك اضمحلت وبطلت.
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا﴾ صاغه السامري وألقى عليه قبضة من أثر الرسول فصار ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ وصوت، فعبدوه واتخذوه إلها.
وقال ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فنسي﴾ موسى، وذهب يطلبه، وهذا من سفههم، وقلة بصيرتهم، كيف اشتبه عليهم رب الأرض والسماوات، بعجل من أنقص المخلوقات؟ "
ولهذا قال مبينا أنه ليس فيه من الصفات الذاتية ولا الفعلية، ما يوجب أن يكون إلها ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ أي: وعدم الكلام نقص عظيم، فهم أكمل حالة من هذا الحيوان أو الجماد، الذي لا يتكلم ﴿وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ أي: لا يدلهم طريقا دينيا، ولا يحصل لهم مصلحة دنيوية، لأن من المتقرر في العقول والفطر، أن اتخاذ إله لا يتكلم ولا ينفع ولا يضر من أبطل الباطل، وأسمج السفه، ولهذا قال: ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ حيث وضعوا العبادة في غير موضعها، وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وفيها دليل على أن من أنكر كلام الله، فقد أنكر خصائص إلهية الله تعالى، لأن الله ذكر أن عدم الكلام دليل على عدم صلاحية الذي لا يتكلم للإلهية.
﴿وَلَمَّا﴾ رجع موسى إلى قومه، فوجدهم على هذه الحال، وأخبرهم بضلالهم ندموا و ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: من الهم والندم على فعلهم، ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾ فتنصلوا، إلى الله وتضرعوا و ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ فيدلنا عليه، ويرزقنا عبادته، ويوفقنا لصالح الأعمال، ﴿وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ ما صدر منا من عبادة العجل ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الذين خسروا الدنيا والآخرة.
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ أي: ممتلئا غضبا وغيظا عليهم، لتمام غيرته عليه الصلاة السلام، وكمال نصحه وشفقته، ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ أي: بئس الحالة التي خلفتموني بها من بعد ذهابي عنكم، فإنها حالة تفضي إلى الهلاك الأبدي، والشقاء السرمدي.
﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ حيث وعدكم بإنزال الكتاب. فبادرتم - برأيكم الفاسد - إلى هذه الخصلة القبيحة ﴿وَأَلْقَى الألْوَاحَ﴾ أي: رماها من الغضب ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ هارون ولحيته ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ وقال له: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أن لا تَتَّبِعَن أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ لك بقولي: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ فـ ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ -[٣٠٤]- و ﴿قَالَ﴾ هنا ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ هذا ترقيق لأخيه، بذكر الأم وحدها، وإلا فهو شقيقه لأمه وأبيه: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ أي: احتقروني حين قلت لهم: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ ﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ أي: فلا تظن بي تقصيرا ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ﴾ بنهرك لي، ومسك إياي بسوء، فإن الأعداء حريصون على أن يجدوا عليَّ عثرة، أو يطلعوا لي على زلة ﴿وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فتعاملني معاملتهم.
فندم موسى عليه السلام على ما استعجل من صنعه بأخيه قبل أن يعلم براءته، مما ظنه فيه من التقصير.
و ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأخِي﴾ هارون ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ أي: في وسطها، واجعل رحمتك تحيط بنا من كل جانب، فإنها حصن حصين، من جميع الشرور، وثم كل الخير وسرور.
﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي: أرحم بنا من كل راحم، أرحم بنا من آبائنا، وأمهاتنا وأولادنا وأنفسنا.
قال الله تعالى مبينا حال أهل العجل الذين عبدوه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ أي: إلها ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كما أغضبوا ربهم واستهانوا بأمره.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فكل مفتر على الله، كاذب على شرعه، متقول عليه ما لم يقل، فإن له نصيبا من الغضب من الله، والذل في الحياة الدنيا، وقد نالهم غضب الله، حيث أمرهم أن يقتلوا أنفسهم، وأنه لا يرضى الله عنهم إلا بذلك، فقتل بعضهم بعضا، وانجلت المعركة عن كثير من القتلى (١) ثم تاب الله عليهم بعد ذلك.
ولهذا ذكر حكما عاما يدخلون فيه هم وغيرهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ من شرك وكبائر، وصغائر ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا﴾ بأن ندموا على ما مضى، وأقلعوا عنها، وعزموا على أن لا يعودوا ﴿وَآمنُوا﴾ بالله وبما أوجب الله من الإيمان به، ولا يتم الإيمان إلا بأعمال القلوب، وأعمال الجوارح المترتبة على الإيمان ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: بعد هذه الحالة، حالة التوبة من السيئات والرجوع إلى الطاعات، ﴿لَغَفُورٌ﴾ يغفر السيئات ويمحوها، ولو كانت قراب الأرض ﴿رَحِيمٌ﴾ بقبول التوبة، والتوفيق لأفعال الخير وقبولها.
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ أي: سكن غضبه، وتراجعت نفسه، وعرف ما هو فيه، اشتغل بأهم الأشياء عنده، فـ ﴿أَخَذَ الألْوَاحَ﴾ التي ألقاها، وهي ألواح عظيمة المقدار، جليلة ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ أي: مشتملة ومتضمنة ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ أي: فيها الهدى من الضلالة، وبيان الحق من الباطل، وأعمال الخير وأعمال الشر، والهدى لأحسن الأعمال، والأخلاق، والآداب، ورحمة وسعادة لمن عمل بها، وعلم أحكامها ومعانيها، ولكن ليس كل أحد يقبل هدى الله ورحمته، وإنما يقبل ذلك وينقاد له، ويتلقاه بالقبول الذين [هم] (٢) ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أي: يخافون منه ويخشونه، وأما من لم يخف الله ولا المقام بين يديه، فإنه لا يزداد بها إلا عتوا ونفورا وتقوم عليه حجة الله فيها.
﴿و﴾ لما تاب بنو إسرائيل وتراجعوا إلى رشدهم ﴿اخْتَارَ مُوسَى﴾ منهم ﴿سَبْعِينَ رَجُلا﴾ من خيارهم، ليعتذروا لقومهم عند ربهم، ووعدهم الله ميقاتا يحضرون فيه، فلما حضروه، قالوا: يا موسى، ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فتجرأوا على الله جراءة كبيرة، وأساءوا الأدب معه، فـ ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ فصعقوا وهلكوا.
فلم يزل موسى عليه الصلاة والسلام، يتضرع إلى الله ويتبتل ويقول ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أن يحضروا ويكونون في حالة يعتذرون فيها لقومهم، فصاروا هم الظالمين ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ أي: ضعفاء العقول، سفهاء الأحلام، فتضرع إلى الله واعتذر بأن المتجرئين على الله ليس لهم عقول كاملة، تردعهم عما قالوا وفعلوا، وبأنهم حصل لهم فتنة يخطر بها الإنسان، ويخاف من ذهاب دينه فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ أي: أنت خير من غفر، وأولى من رحم، وأكرم من أعطى وتفضل، فكأن موسى عليه الصلاة والسلام، قال: المقصود يا رب بالقصد الأول لنا كلنا، هو التزام طاعتك والإيمان بك، وأن من حضره عقله ورشده، وتم على ما وهبته من التوفيق، فإنه لم يزل مستقيما، وأما من ضعف عقله، وسفه رأيه، وصرفته الفتنة، فهو الذي فعل ما فعل، لذينك السببين، ومع هذا فأنت أرحم الراحمين، وخير الغافرين، فاغفر لنا وارحمنا.
فأجاب الله سؤاله، وأحياهم من بعد موتهم، وغفر لهم -[٣٠٥]- ذنوبهم.
(١) في النسختين: قتلى كثيرة.
(٢) زيادة من هامش ب.
وقال موسى في تمام دعائه ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ من علم نافع، ورزق واسع، وعمل صالح.
﴿وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ : وهي ما أعد الله لأوليائه الصالحين من الثواب.
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: رجعنا مقرين بتقصيرنا، منيبين في جميع أمورنا.
﴿قَالَ﴾ الله تعالى ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ ممن كان شقيا، متعرضا لأسبابه، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ من العالم العلوي والسفلي، البر والفاجر، المؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي، صغارها وكبارها.
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الواجبة مستحقيها ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ومن تمام الإيمان بآيات الله معرفة معناها، والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي ﷺ ظاهرا وباطنا، في أصول الدين وفروعه.
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ﴾ احتراز عن سائر الأنبياء، فإن المقصود بهذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم.
والسياق في أحوال بني إسرائيل وأن الإيمان بالنبي محمد ﷺ شرط في دخولهم في الإيمان، وأن المؤمنين به المتبعين، هم أهل الرحمة المطلقة، التي كتبها الله لهم، ووصفه بالأمي لأنه من العرب الأمة الأمية، التي لا تقرأ ولا تكتب، وليس عندها قبل القرآن كتاب.
﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ﴾ باسمه وصفته، التي من أعظمها وأجلها، ما يدعو إليه، وينهى عنه. وأنه ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه.
﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وهو: كل ما عرف قبحه في العقول والفطر.
فيأمرهم بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجار والمملوك، وبذل النفع لسائر الخلق، والصدق، والعفاف، والبر، والنصيحة، وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك بالله، وقتل النفوس بغير حق، والزنا، وشرب ما يسكر العقل، والظلم لسائر الخلق، والكذب، والفجور، ونحو ذلك.
فأعظم دليل يدل على أنه رسول الله، ما دعا إليه وأمر به، ونهى عنه، وأحله وحرمه، فإنه ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ من المطاعم والمشارب، والمناكح.
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ من المطاعم والمشارب والمناكح، والأقوال والأفعال.
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ومن وصفه أن دينه سهل سمح ميسر، لا إصر فيه، ولا أغلال، ولا مشقات ولا تكاليف ثقال.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ﴾ أي: عظموه وبجلوه ﴿وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ﴾ وهو القرآن، الذي يستضاء به في ظلمات الشك والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الظافرون بخير الدنيا والآخرة، والناجون من شرهما، لأنهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح.
وأما من لم يؤمن بهذا النبي الأمي، ويعزره، وينصره، ولم يتبع النور الذي أنزل معه، فأولئك هم الخاسرون.
ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل، إلى اتباعه، وكان ربما توهم متوهم، أن الحكم مقصور عليهم، أتى بما يدل على العموم فقال:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: عربيكم، وعجميكم، أهل الكتاب منكم، وغيرهم.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ يتصرف فيهما بأحكامه الكونية والتدابير السلطانية، وبأحكامه الشرعية الدينية التي من جملتها: أن أرسل إليكم رسولا عظيما يدعوكم إلى الله وإلى دار كرامته، ويحذركم من كل ما يباعدكم منه، ومن دار كرامته.
﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق، إلا الله وحده لا شريك له، ولا تعرف عبادته إلا من طريق رسله، ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: من جملة تدابيره: الإحياء والإماتة، التي لا يشاركه فيها أحد، الذي جعل الموت جسرا ومعبرا يعبر منه إلى دار البقاء، التي من آمن بها صدق الرسول محمدا ﷺ قطعا.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ﴾ إيمانا في القلب، متضمنا لأعمال القلوب والجوارح. ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ أي: آمنوا بهذا الرسول المستقيم في عقائده وأعماله، ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ في مصالحكم الدينية والدنيوية، فإنكم إذا لم تتبعوه ضللتم ضلالا بعيدا.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٣ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
أَسِفًا
حَزِينًا.
ابْنَ أُمَّ
يَا ابْنَ أُمِّي!
فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ
لَا تَسُرَّ الأَعْدَاءَ بِمَا تَفْعَلُ بِي.

إعراب الآية ١٥٠ من سورة الأعراف

من كتاب: إعراب القرآن

أعلّت. عِجْلًا مفعول. جَسَداً نعت. لَهُ خُوارٌ رفع بالابتداء أو بالصفة يقال خار يخور خوارا إذا صاح وكذا جأر يجأر جؤارا، ويقال: خار يخور خورا إذا جبن وضعف. اتَّخَذُوهُ فحذف المفعول الثاني أي اتخذوه إلها.

[سورة الأعراف (٧) : آية ١٤٩]

وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩)
قال الأخفش: يقال: سقط في يده وأسقط ومن قال سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ فالمعنى عنده سقط الندم قالوا لئن لم ترحمنا ربّنا «١» شرط وفيه معنى القسم، وربّنا على النداء. ومن قرأ يَرْحَمْنا بالياء وَيَغْفِرْ لَنا بالياء ورَبُّنا رفع بفعله، ومن قرأ ترحمنا بالتاء وتغفر لنا بالتاء فهو ينصب ربّنا على النداء المضاف كأنه قال: يا ربّنا.

[سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٠]

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)
غَضْبانَ نصب على الحال ولم ينصرف لأنّ مؤنثه غضبى. وحقيقة امتناع صرفه أنّ الألف والنون فيه بمنزلة ألفي التأنيث في قولك حمراء فالنون بدل كما يقال: في صنعاء صنعانيّ. أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ قال يعقوب: يقال: عجلت الشيء سبقته وأعجلت الرجل استعجلته. وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ أخذ برأسه، وأخذ رأسه واحد وكذا وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [المائدة: ٦] وقيل: إنما أخذ برأسه على جهة المسارّة لا غير فكره هارون صلّى الله عليه وسلّم أن يتوهّم من حضر لأن الأمر على خلاف ذلك فقال: ابن أمّ على الاستعطاف له لأنه أخوه لأمه وهذا موجود في كلام العرب كما قال: [الخفيف] ١٦٠-
يا ابن أمّي ويا شقيق نفسي «٢»
قرأ أهل المدينة وأبو عمرو ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ «٣» وقرأ أهل الكوفة ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ
(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣٩٣، وتيسير الداني ٩٣، والبحر المحيط ٤/ ٣٩٢.
(٢) الشاهد لأبي زبيد الطائي في ديوانه ص ٤٨، والدرر ٥/ ٥٧، وشرح التصريح ٢/ ١٧٩، والكتاب ٢/ ٢١٣، ولسان العرب (شقق)، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٢٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤٠، وشرح الأشموني ٢/ ٤٥٧، وشرح قطر الندى ٢٠٧، وشرح المفصل ٢/ ١٢، والمقتضب ٤/ ٢٥٠، وهمع الهوامع ٢/ ٥٤، وعجزه:
«أنت خلّفتني لدهر شديد»
(٣) انظر البحر المحيط ٤/ ٣٩٤، وتيسير الداني ٩٣، ومعاني الفراء ١/ ٣٩٤.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٥٠ من سورة الأعراف

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

أَمْرَ رَبِّكُمْ

إدغام الراء في الراء وإسكان الميم

السوسي عن أبي عمرو

إظهار الراء الأولى وإسكان الميم

إسحاق عن خلف رويس عن يعقوب شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر حفص عن عاصم هشام عن ابن عامر روح عن يعقوب خلف عن حمزة الدوري عن أبي عمرو خلاد عن حمزة إدريس عن خلف أبو الحارث عن الكسائي ورش عن نافع الدوري عن الكسائي قالون عن نافع

إظهار الراء الأولى وصلة الميم

قنبل عن ابن كثير ابن جمّاز عن أبي جعفر قالون عن نافع البزي عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر

ابْنَ اُمَّ

(أُمَّ) بفتح الميم

رويس عن يعقوب ابن وردان عن أبي جعفر حفص عن عاصم ابن جمّاز عن أبي جعفر قالون عن نافع السوسي عن أبي عمرو روح عن يعقوب الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير ورش عن نافع البزي عن ابن كثير

(أُمِّ) بكسر الميم

الدوري عن الكسائي ابن ذكوان عن ابن عامر إدريس عن خلف أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة إسحاق عن خلف خلف عن حمزة هشام عن ابن عامر شعبة عن عاصم

بَعْدِى أَعَجِلْتُمْ

(بَعْدِى) إسكان الياء ومدها 4 أو 5 حركات

حفص عن عاصم شعبة عن عاصم

(بَعدِى) إسكان الياء ومدها 4 حركات

أبو الحارث عن الكسائي إدريس عن خلف إسحاق عن خلف هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر الدوري عن الكسائي

(بَعْدِى) إسكان الياء ومدها 6 حركات

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

(بَعدى) إسكان الياء ومدها حركتين

رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(بَعْدِىَ) بفتح الياء

ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٥٠ من سورة الأعراف

٦ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٩ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية

٤ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: فرجع موسى إلى قومه غضبان أسِفًا، فقال لهم ما سمعتم في القرآن، ﴿وأخذ برأس أخيه يجره إليه﴾، وألقى الألواح من الغَضَب١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٤/٥٣) أنّ موسى عليه السلام بالجملة- كان في خُلُقِه ضيق «وذلك مُسْتَقِرٌّ في غير موضع». ثم قال: «وأَخْذُه برأس أخيه ولحيته من الخُلُق المذكور، هذا ظاهر اللفظ». ونقل رواية «أنّ ذلك إنما كان لِيُسارَّه، فخشي هارون أن يتوهم الناظرُ إليهما أنّه لغضبٍ؛ فلذلك نهاه، ورَغِب إليه». وانتَقَدَها لدلالة القرآن قائلًا: «وهذا ضعيف، والأول هو الصحيح لقوله: ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه:٩٤]».
٢
عن كعب الأحبار، قال: لَمّا أراد الله أن يكتب لموسى التوراة قال لجبريل: ادخل الجنَّةَ، فائْتِنِي بلوحين من شجرة الجنة. فدخل جبريل الجنةَ، فاستقبلته شجرةٌ من شجر الجنة من ياقوت الجنة، فقطع منها لوحين، فتابعته على ما أمره الرحمن -تبارك وتعالى-، فأتى بهما الرحمنَ، فأخذهما بيده، فعاد اللوحان نورًا لَمّا مسَّهما الرحمنُ -تبارك وتعالى-، وتحت العرش نهرٌ يجري من نور لا يدري حَمَلَةُ العرش أين يجيءُ، ولا أين يذهب منذُ خلق اللهُ الخلقَ، فلَمّا استمدَّ منه الرحمنُ جَفَّ فلم يَجْرِ، فلمّا كتب لموسى التوراةَ بيده ناول اللوحين موسى، فلمّا أخذهما موسى عادا حِجارةً، فلمّا رجع إلى بني إسرائيل وإلى هارون وهو مُغْضَبٌ أخذ بلحيته ورأسه يَجُرُّه إليه، فقال له هارون: يا ابن أمِّ، إنّ القوم استضعفوني، وكادوا يقتلونني، ومع ذلك إنِّي خفت أن آتيك، فتقول: فرَّقت بين بني إسرائيل ولم تنتظر قولي. فاستغفر موسى ربَّه -تبارك وتعالى-، واستغفر لأخيه، وقد تكسَّرت الألواحُ لَمّا ألقاها من يده١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى الطبراني في السُّنَّة، وأبي الشيخ.
٣
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة-: لَمّا انتهى موسى إلى قومه، فرأى ما هم عليه من عبادة العجل؛ ألقى الألواح من يده، ثم أخذ برأس أخيه ولحيته يقول: ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ألّا تَتَّبِعَنِ أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه:٩٣]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٥٢.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ﴾ هارون ﴿يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ يعني: إلى نفسه، ﴿قالَ﴾ هارون لموسى: ﴿ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٥.

تفسير

٢٤ قولًا
١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿ولا تجعلني مع القوم الظالمين﴾، قال: مَعَ أصحاب العجل١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٤٤، وأخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٦١، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٠. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
٢
عن محمد بن كعب القرظي، قال: الأسَف: الغضب الشديدُ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿أسفا﴾، قال: حزينًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٥٠.
٤
عن زيد بن أسلم، قال: كان موسى عليه السلام إذا غَضِب اشتعلتْ قَلَنسُوَتُه نارًا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ﴾ مِن الجَبَل ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ يعني: حزينًا في صنع قومه في عبادة العجل، وكان أخبره الله على الطور بأمر العجل، ثم ﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ يقول: استعجلتم ميقات ربكم أربعين يومًا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٤-٦٥.
٦
عن عبد الله بن عباس، قال: قال النبيُّ ﷺ: «يرحمُ اللهُ موسى، ليس المُعايِنُ كالمُخْبَرِ، أخبره ربُّه -تبارك وتعالى- أنّ قومه فُتنوا بعده، فلم يُلقِ الألواح، فلمّا رآهم وعايَنهم ألقى الألواح؛ فتكسَّر ما تكسَّر»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٤‏/‏٢٦٠-٢٦١ (٢٤٤٧)، وابن حبان ١٤‏/‏٩٦ (٦٢١٣)، ١٤‏/‏٩٧ (٦٢١٤)، والحاكم ٢‏/‏٣٥١ (٣٢٥٠)، ٢‏/‏٤١٢ (٣٤٣٥)، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٠ (٨٩٩٨). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «على شرط البخاري، ومسلم». وقال الهيثمي في المجمع ١‏/‏١٥٣ (٦٨٧): «رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الكبير، والأوسط، ورجاله رجال الصحيح، وصحَّحه ابنُ حِبّان».
٧
عن عبد الله بن عباس، قال: أُوتِي رسولُ الله ﷺ السبعَ المثاني؛ وهي الطُّوَلُ، وأُوتِي موسى سِتًّا، فلمّا ألقى الألواح رُفِعَت اثنتان، وبَقِيَت أربعٌ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٨
عن عبد الله بن عباس، قال: كتب الله لموسى في الألواح فيها: ﴿موعظةً وتفصيلا لكل شيء﴾، فلمّا ألقاها رفع الله منها سِتَّةَ أسباعِها، وبقي سُبُعٌ، يقول الله: ﴿وفي نسختها هدى ورحمة﴾ يقولُ: فيما بَقِيَ منها١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: لَمّا ألقى موسى الألواحَ تَكَسَّرَتْ، فرُفِعَتْ إلا سُدُسَها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٥٦، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٠. وعزاه السيوطي إلى أبي عبيد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: أُعْطِي موسى التوراة في سبعة ألواح من زُبُرْجُدٍ، فيها تبيانٌ لكل شيءٍ وموعظةٌ، فلمّا جاء بها فرأى بني إسرائيل عُكوفًا على عبادة العجل؛ رمى بالتوراة من يده، فتَحَطَّمَتْ، فرفع الله منها سِتَّة أسباع، وبقي سُبُعٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٢-١٥٦٣، ١٥٧٢.
١١
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير-: لَمّا رجع موسى إلى قومه عضبان أسفًا، فأخذ برأس أخيه يَجُرُّه إليه، وألقى الألواح من الغضب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٥١.
١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: لَمّا رجع موسى إلى قومه، وكان قريبًا منهم؛ سمع أصواتهم، فقال: إنِّي لأسمع أصواتَ قوم لاهين. فلمّا عاينهم وقد عكفوا على العجل ألقى الألواح، فكسرها، وأخذ برأس أخيه يجره إليه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٥١-٤٥٢.
١٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- قال: قال موسى:... قال: ربِّ، إنِّي أجد في الألواح أُمَّةً هم المستجيبون والمُسْتَجابُ لهم، فاجعلهم أُمَّتي. قال: تلك أُمَّة أحمد. قال قتادة: فذُكِر لنا: أنّ نبيَّ الله موسى نبذ الألواح، وقال: اللهمَّ، إذًا فاجعلني مِن أُمَّة أحمد...١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٣٧، و ابن جرير ١٠‏/‏٤٥٢-٤٥٤، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٤-١٥٦٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ. وقد تقدم مُطَوَّلًا بتمامه عند تفسير قوله تعالى: ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾.
١٤
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: أخذ موسى الألواحَ، ثم رجع موسى إلى قومه غضبان أسِفًا، فقال: ﴿يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا﴾ إلى قوله: ﴿فكذلك ألقى السامري﴾ [طه:٨٦-٨٧]. فألقى موسى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، ﴿قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي﴾ [طه:٩٤]١٢
التخريج
  1. ١أخرجه جرير ١٠‏/‏٤٥٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثار اختلافًا في السبب الذي لأجله ألقى موسى عليه السلام الألواحَ على قولين: الأول: غضبًا على قومه حين رآهم قد عبدوا العجل. الثاني: أنّه لَمّا رأى فضائل غير أمته من أُمَّة محمد ﷺ اشتَدَّ عليه، فألقاها. وهو قول قتادة. ورجَّح ابنُ جرير (١٠/٤٥٤) مستندًا إلى القرآن أنّ موسى عليه السلام ألقاها غضبًا على قومه لعبادتهم العجل، وعلَّل قائلًا: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- بذلك أخبر في كتابه، فقال: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ وأَلْقى الأَلْواحَ وأَخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾». ووافقه ابنُ كثير (٦/٣٩٦) مستندًا إلى دلالة الظاهر، والسياق، وقال: «وهذا قول جمهور العلماء سلفًا وخلفًا». وانتقد قولَ قتادة مستندًا إلى أنّه أخذه عن بني إسرائيل، فقال: «وروى ابن جرير عن قتادة في هذا قولًا غريبًا، لا يَصِحُّ إسناده إلى حكاية قتادة، وقد ردَّه ابنُ عطية وغيرُ واحد من العلماء، وهو جديرٌ بالرد، وكأنّه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذّابون ووضّاعون وأفّاكون وزنادقة». ووافقهما ابنُ عطية (٤/٥٢)، ولم يذكر مستندًا، وانتقد قول قتادة، فقال: «وهذا قولٌ رديءٌ لا ينبغي أن يوصف موسى عليه السلام به».
١٥
عن الربيع بن أنس، في قوله: ﴿وألقى الألواح﴾، قال: ذُكِر أنّه رُفِع من الألواح خمسة أشياء، وكان لا ينبغي أن يعلمه الناس، ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ إلى آخر الآية [لقمان:٣٤]١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَلْقى الأَلْواحَ﴾ من عاتِقه، فذهب منها خُمُس، وبقيت أربعة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٥.
١٧
عن عبد الملك ابن جُرَيْج، قال: أُخبِرتُ: أنّ ألواح موسى كانت تسعةً، فرُفِع منها لوحان، وبقي سبعةٌ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٨
عن أبي الدرداء -من طريق نصر بن علقمة- قال: الأسَف منزلةٌ وراء الغضب، أشدُّ من ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٥٠ بلفظ: الأسف: منزلة وراء الغضب أشد من ذلك، وتفسير ذلك في كتاب الله: ذهب إلى قومه غضبان، وذهب أسفًا. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿أسِفًا﴾، قال: حزينًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٥٠، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
٢٠
عن مالك بن دينار، مثل ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٩.
٢١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿غضبان أسفا﴾، قال: حزينًا. وفي الزخرف [٥٥]: ﴿فلما آسفونا﴾، يقول: أغضبونا. والأسَف على وجهين: الغضب، والحزن١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٩.
٢٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿غضبان أسفا﴾، قال: جَزِعًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢٣
عن الحسن البصري -من طريق مالك بن دينار- في قوله: ﴿ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا﴾، قال: غضبان حزينًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٥٠. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٩.
٢٤
عن قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا﴾، قال: حزينًا على ما صنع قومُه مِن بعده١٢
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
تعليقات المحققين
  1. ٢نقل ابنُ عطية (٤/٥٢) عن ابن إسحاق أنّ موسى عليه السلام «لما قرب من محلة بني إسرائيل سمع أصواتهم، فقال: هذه أصواتُ قومٍ لاهين. فلمّا تحقق عكوفَهم على عبادة العجل داخله الغضب والأسف، وألقى الألواح».

قراءات

قول واحد
١
عن مجاهد بن جبر -من طريق حميد بن قيس- أنّه قرأ: (فَلا تَشْمِتْ بِيَ الأَعْداءُ)١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٦٠. وهي قراءة شاذة، تروى أيضًا عن مالك بن دينار. انظر: مختصر ابن خالويه ص٥١، والمحتسب ١‏/‏٢٥٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ جرير (١٠/٤٦٠) القراءة المتواترة وقراءة مجاهد ثم رجَّح (١٠/ ٤٦١) مستندًا إلى إجماع الحجة من القراء ولغة العرب فقال: «والقراءةُ التي لا أستجيزُ القراءة إلا بها قراءةُ من قرأ: ﴿فلا تشمت﴾، بضم التاء الأولى وكسر الميم- من أشمتُّ به عدوَّه أشْمِته به- ونصب ﴿الأعداء﴾؛ لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليها، وشذوذ ما خالفها من القراءة، وكفى بذلك شاهدًا على ما خالفها، هذا مع إنكار معرفةِ عامةِ أهل العلم بكلام العرب: شمَّت فلانٌ فلانًا بفلانٍ، وشمَت فلانٌ بفلانٍ يشمِت. وإنما المعروف من كلامهم إذا أخبروا عن شماتة الرجل بعدوِّه: شمِت به -بكسر الميم- يشمَت به. بفتحها في الاستقبال».
التفسير بالمأثور لسورة الأعراف كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٥٠ من سورة الأعراف

٢٧ وقفةً في هذه الآية

  • (فلا تشمت بي اﻷعداء) الصديق ﻻ يشمت

    — عقيل الشمري

  • "وأخذ برأس أخيه يجره" جرّ رأس نبي كبيرة من الكبائر : في حال الغضب لله قد يعفو الله سبحانه عن فعل الكبائر ناهيك عن أخطاء غير مقصودة

    — علي الفيفي

  • عندما غضب موسى عليه السلام ، قال الله عنه : ( وألقى الألواح ) فلا تلم من تُحب في لحظة غضبه ،

    — بدون مصدر

  • فهو يلقي الأشياء الثمينة رغم محبته لها !!

    — عايض المطيري

  • (فلا تشمت بي الأعداء) الفقه الهاروني النبوي : حولنا : أعداء يتربصون ثم يشمتون . علاجهم : يكبتون ثم يتركون ثم يموتون

    — عقيل الشمري

  • (فلا تشمت بي الأعداء) احذر : تفخيم وتشهير زلات (الصالحين الأتقياء) هو : شماتة للأعداء

    — عقيل الشمري

  • فلا تشمت بي الأعداء" لا تلم أحبتك في حضرة خصومهم.

    — عبدالله بلقاسم

  • " فلا تُشمت بي الأعداء" أحتاج نصيحتك .. التي لا تُوجعني بالشماتة !

    — عبدالله بلقاسم

  • "وألقى الألواح" " وأخذ الألواح" الأشياء الثمينة ولو ألقيناها فسنعود لأخذها من جديد.

    — عبدالله بلقاسم

  • إذا أخذ أخوك برأسك يجره وقلت له بعد هذا" يا بن أم " فأنت أخوه حقا .

    — عبدالله بلقاسم

  • (قال ابنَ أم)(قال يبنؤمَّ) حين نحتاج للعطف والحنان ، لابد أن تُذكر الأم.

    — وليد العاصمي

  • ) وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه ( الأخ الذي يشد عضدك هو من يستوعبك في ثورة غضبك.

    — عبدالله بلقاسم

و١٥ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ١٥٠ من سورة الأعراف

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(150) And when Moses returned to his people, angry and grieved, he said, "How wretched is that by which you have replaced me after [my departure]. Were you impatient over the matter of your Lord?" And he threw down the tablets and seized his brother by [the hair of] his head, pulling him toward him. [Aaron] said, "O son of my mother, indeed the people overpowered me and were about to kill me, so let not the enemies rejoice over me[407] and do not place me among the wrongdoing people."
[407]- i.e., over your humiliation of me.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال