غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿أرني أنظر﴾ بسكون الراء وفتح الياء : ابن الفليح وزمعة والخزاعي عن البزي. الباقون : بكسر الراء وسكون الياء. ﴿دكاء﴾ بالمد : حمزة وعلي وخلف. ﴿إني اصطفيتك﴾ بفتح ياء المتكلم : ابن كثير وأبو عمرو ﴿برسالتي﴾ على التوحيد : أبو جعفر ونافع وابن كثير. الباقون :﴿برسالاتي﴾ ﴿آياتي الذين﴾ مرسلة الياء : ابن عامر وحمزة. ﴿الرشد﴾ بفتحتين : حمزة وعلي وخلف. الباقون : بضم الراء وسكون الشين. ﴿من حليهم﴾ بفتح الحاء وسكون اللام : يعقوب ﴿حليهم﴾ بالكسرات وتشديد الياء : حمزة وعلي. الباقون : مثله ولكن بضم الحاء. ﴿ترحمنا ربنا وتغفر لنا﴾ بالخطاب والنداء : حمزة وعلي وخلف والمفضل. الباقون : على الغيبة ورفع ﴿ربنا﴾ على الفاعلية ﴿بعدي أعجلتم﴾ بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. ﴿قال ابن أم﴾ بكسر الميم : ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل. الباقون : بفتحها ومثله
﴿يا ابن أم﴾ [ الآية : ٩٤ ] في طه.
الوقوف :﴿أربعين ليلة﴾ ج للعطف مع اختلاف القائل ﴿المفسدين﴾ ه ﴿ربه﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿إليك﴾ ط ﴿فسوف تراني﴾ ج ﴿صعقا﴾ ط ﴿المؤمنين﴾ ه ﴿الشاكرين﴾ ه ﴿لكل شيء﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿بأحسنها﴾ ج ﴿الفاسقين﴾ ه ﴿بغير الحق﴾ ج ﴿بها﴾ ج لابتداء شرط آخر ولبيان تعارض الأحوال مع العطف ﴿سبيلاً﴾ ج ﴿ذلك سبيلاً﴾ ه ﴿غافلين﴾ ه ﴿أعمالهم﴾ ط ﴿يعملون﴾ ه ﴿خوار﴾ ط ﴿سبيلاً﴾ ه لئلا تصير الجملة صفة السبيل فإن الهاء ضمير العجل ﴿ظالمين﴾ ه ﴿ضلوا﴾ ج لأن ما بعده جواب. ﴿الخاسرين﴾ ه ﴿أسفاً﴾ ج لما ﴿بعدي﴾ ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد القائل ﴿أمر ربكم﴾ ج لأن قوله ﴿وألقى﴾ معطوف على قوله ﴿قال بئسما﴾ وقد اعترض بينهما استفهام ﴿إليه﴾ ط ﴿يقتلونني﴾ ط ز صلى والوصل أولى لأن الفاء للجواب أي إذا هم هموا بقتلي فلا تشمتهم بضربي. ﴿الظالمين﴾ ه ﴿في رحمتك﴾ ز صلى الأولى أن يوصل لأن الواو للحال تحسيناً للدعاء بالثناء ﴿الراحمين﴾ ه ﴿الدنيا﴾ ط ﴿المفترين﴾ ه ﴿وآمنوا﴾ ج لظاهر إن والوجه الوصل لأن ما بعده خبر والعائد محذوف والتقدير : إن ربك من بعد توبتهم لغفور لهم. ﴿رحيم﴾ ه ﴿الألواح﴾ ج صلى لاحتمال ما بعده الحال ﴿يرهبون﴾ ه.
﴿ولما رجع موسى إلى قومه﴾ قال بعضهم إن موسى قد عرف خبر القوم بعد رجوعه إليهم. وقال الأكثرون وهو قول أبي مسلم : إنه كان عارفاً بذلك قبل رجوعه بدليل قوله ﴿غضبان أسفاً﴾ فإنه يدل على أن هاتين الحالتين حاصلتان له عند رجوعه إليهم ولما جاء في سورة طه ﴿قد فتنا قومك من بعدك﴾ [ الآية : ٨٥ ] وفي دليل ظاهر على أنه تعالى أخبره بوقوع الواقعة في الميقات. والأسف الشديد الغضب وهو قول أبي الدرداء والزجاج. وعن ابن عباس والحسن إنه الحزين. وقال الواحدي : هما متقاربان فإذا جاءك ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فكأن موسى غضبان على قومه أسفاً من فتنة ربه ﴿بئسما خلفتموني﴾ خاطب عبدة العجل أو وجوه القوم - هارون والمؤمنين - حيث لم يكفوا العبدة. وفاعل ﴿بئس﴾ مضمر يفسره ﴿ما خلفتموني﴾ والمخصوص محذوف التقدير : بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم. ومعنى ﴿من بعدي﴾ مع قوله ﴿خلفتموني﴾ من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله ونفي الأنداد أو من بعد ما كنت أحمل القوم عليه من التوحيد والكف من اتخاذ إله غير الله حيث قالوا جعل لنا إلهاً ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة مستخلفيهم من بعدهم ولا يخالفوهم ونظير الآية قوله ﴿فخلف من بعدهم خلف﴾ [مريم: ٥٨] أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة ﴿أعجلتم أمر ربكم﴾ قال الواحدي : العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ولذلك صارت مذمومة في الأغلب بخلاف السرعة فإنها عمل الشيء في أوّل وقته. قال ابن عباس : يعني أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له. وقال الحسن : أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين وذلك أنهم قدّروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة فقد مات. وروي أن السامري قال لهم : إن موسى لن يرجع وإنه قد مات. وروي أنهم عدوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا. وقال الكلبي، أعجلتم عبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم. وقال عطاء : أعجلتم سخط ربكم. وفي الكشاف : يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره ويضمن معنى سبق فيعدى تعديته فيقال : عجلت الأمر ومعنى : أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به ﴿وألقى الألواح﴾ التي فيها التوراة لما لحقه من الدهش والضجر غضباً لله. عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال :«يرحم الله أخي موسى ما الخبر كالمعاينة » لقد أخبره الله تعالى بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه مع ذلك متمسك بما في يده. وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي الهدى والرحمة. قال في التفسير الكبير : إلقاء الألواح ثابت بالقرآن، فأما إلقاؤها بحيث تكسرت فلا وإنه جراءة عظيمة ومثله لا يليق بالأنبياء. وأقول : الجراءة تحصل بنفس الإلقاء لا بالتكسر الذي لا يتعلق باختياره فكل ما يجعل عذراً عن نفس الإلقاء يصح أن يجعل عذراً عن التكسر ﴿وأخذ برأس أخيه﴾ أي بشعر رأسه يجره إليه بذؤابته. واعلم أن موسى عليه السلام كان في نفسه حديداً شديد الغضب وكان هارون ألين منه جانباً ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى. وقد استتبع غضبه أمرين : أحدهما إلقاء الألواح والآخر أخذ رأس أخيه جار إليه، فزعم مثبتو عصمة الأنبياء أنه جر برأس أخيه إلى نفسه ليسارّه ويستكشف منه كيفية الواقعة لا لأجل الإهانة والاستخفاف، ثم إن هارون خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى فعل ما فعل به إهانة ﴿فقال يا ابن أم﴾ من كسرها فعلى طرح ياء المتكلم، ومن فتحها فتشبيهاً بخمسة عشر لكثرة الاستعمال أو على الألف المبدلة من ياء الإضافة. وإنما أضافه إلى الأم إشارة إلى أن أمهما واحدة على ما روي أنه كان أخاه لأمه ليكون أدعى إلى العطف والرقة لأنها كانت مؤمنة فافتخر. بنسبها ولأنها هي التي تحملت فيه الشدائد فذكره حقها ﴿إن القوم استضعفوني﴾ استذلوني وقهروني ولم يبالوا بي لقلة أنصاري ﴿وكادوا يقتلونني﴾ حين منعتهم عبادة العجل ونهيتهم عنها ﴿فلا تشمت بي الأعداء﴾ العابدي العجل فإنهم يحملون هذا لذي تفعل بي على الإهانة لا على الإكرام ﴿ولا تجعلني مع القوم الظالمين﴾ في اشتراك العقوبة والإذلال، ولا تعتقد أني واحد منهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿ثلاثين ليلة﴾ لئلا تستكثر النفس الأربعين من ضعف البشرية ﴿وأتممناها بعشر﴾ الخصوصية الأربعين في ظهور ينابيع الحكمة من القلب على اللسان ﴿وقال موسى﴾ الروح ﴿لأخيه هارون﴾ القلب عند توجهه لمقام المكالمة والتجلي كن خليفتي في قومي من الأوصاف البشرية و﴿وأصلح﴾ ذات بينهم على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ من الهوى والطبيعة. وهذه الخلافة هي السر الأعظم في بعثة الروح من ذروة عالم الأرواح إلى حضيض عالم الأشباح ﴿ولما جاء موسى﴾ ولما حصل الروح على بساط القرب وتتابع عليه كاسات الشرب أثر فيه سماع الكلمات فطال لسان انبساطه عند التمكن على بساطه فـ ﴿قال رب أرني أنظر إليك﴾ فقيل : هيهات أنت بعد في بعد الأثنينية وحجب جبل الأنانية فلن تراني لأنه لا يراني إلا من كنت له بصراً فبي يبصر ﴿ولكن انظر﴾ إلى جبل الأنانية ﴿فإن استقر مكانه﴾ عند التجلي ﴿فسوف تراني﴾ ببصر أنانيتك ﴿وخر موسى صعقاً﴾ بالأنانية فكان ما كان بعد أن بان ما بان وأشرقت الأرض بنور ربها.
فلو لم يكن جبل أنانية النفس بين موسى الروح وتجلي الرب لطاش في الحال وما عاش، ولولا أن القلب يحيا عند الفناء بالتجلي لما أمكنه الإفاقة والروح إلى الوجود، ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلي ولا بالتحلي فافهم. ﴿فما أفاق﴾ من غشية الأنانية بسطوة تجلي الربوبية ﴿قال﴾ موسى بلا هويته ﴿سبحانك﴾ تنزيهاً لك من خلقك واتصال الخلق بك ﴿وأنا أوّل المؤمنين﴾ بأنك لا ترى بالأنانية وإنما ترى بنور هويتك. ﴿برسالاتي وبكلامي﴾ دون رؤيتي ﴿وكن من الشاكرين﴾ فإن الشكر يبلغك إلى ما سألت من الرؤية لأن الشكر يورث الزيادة والزيادة هي الرؤية ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦] ﴿فخذها بقوّة﴾ أي بقوة الصدق والإخلاص أو بقوة وإعانة منا ﴿سأريكم دار الفاسقين﴾ الخارجين عن طلب الله إلى طلب الآخرة أو الدنيا ﴿سأصرف عن آياتي﴾ فبحجاب التكبر يحجب المتكبر عن رؤية الآيات ﴿واتخذ قوم موسى﴾ أي سامري الهوى من بعد توجه موسى الروح لميقات مكالمة الحق. اتخذ حلى زينة الدنيا ورعونات البشرية التي استعارها بنو إسرائيل صفات القلب من قبط صفات النفس ﴿عجلاً﴾ هو الدنيا ﴿له خوار﴾ يدعو الخلق به إلى نفسه ﴿ولما سقط في أيديهم﴾ عند رجوع موسى الروح إلى قومه وهم الأوصاف الإنسانية ندمت من فعلها وعادت إلى ما كانت فيه من عبودية الحق والإخلاص له قائلة ﴿إن لم يرحمنا﴾ بجذبات العناية ﴿ربنا﴾ الآية ﴿غضبان﴾ مما عبدت صفات القلب عجل الدنيا ﴿أسفاً﴾ على ما فاتها من عبودية الحق ﴿أعجلتم أمر ربكم﴾ بالرجوع إلى الدنيا وزينتها والتعلق بها قبل أوانه من غير أن يأمركم به ربكم. وفيه إشارة إلى أن أصحاب السلوك لا ينبغي أن يلتفتوا إلى شيء من الدنيا في أثناء الطلب اللهم إلا إذا قطعوا مفاوز النفس والهوى ووصلوا إلى كعبة وصال المولى فيأمرهم المولى أن يرجعوا إلى الدنيا لدعوة الخلق ﴿وألقى الألواح﴾ يعني ما لاح للروح من اللوائح الربانية عند استيلاء الغضب الطبيعي. ﴿وأخذ برأس أخيه﴾ القلب فإنه أخو الروح ﴿يجره إليه﴾ قسراً عند استيلاء طبيعة الروحانية ﴿قال ابن أم﴾ هما من أب وأم واحد أبوهما الأمر وأمهما الخلق، وإنما نسبه إلى الخلق لأن في عالم الخلق تواضعاً وتذللاً بالنسبة إلى عالم الأمر. ﴿إن القوم استضعفوني﴾ يعني أن أوصاف البشرية استذلوني بالغلبات عند غيبتك ﴿وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء﴾ وهم الشيطان والنفس والهوى ﴿ولا تجعلني مع القوم الظالمين﴾ فيه أن صفات القلب تتغير وتتلون بلّون صفات النفس ورعونتها، ولكن القلب من حيث هو هو لا يتغير عما جبل عليه من محبة الله وطلبه وإنما يمرض بتغير صفاته كما أن النفس لا تتغير من حيث هي عما جبلت عليه من حب الدنيا وطلبها، وإنما تتغير صفاتها من الأمارية إلى اللوّامية والملهمية والمطمئنية والرجوع إلى الحق، ولو وكلت إلى نفسها طرفة عين لعادت إلى طبعها ﴿رب اغفر لي ولأخي﴾ إشارة إلى أن اللوح والقلب استعداد قبول الجذبة الإلهية التي يدخلها بالسير في عالم الصفات ﴿وكذلك نجزى المفترين﴾ الذين يدّعون أن الله أعطاهم قوّة لا يضرهم عبادة الهوى والدنيا وشهواتها.
﴿يا ابن أم﴾ [ الآية : ٩٤ ] في طه.
الوقوف :﴿أربعين ليلة﴾ ج للعطف مع اختلاف القائل ﴿المفسدين﴾ ه ﴿ربه﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿إليك﴾ ط ﴿فسوف تراني﴾ ج ﴿صعقا﴾ ط ﴿المؤمنين﴾ ه ﴿الشاكرين﴾ ه ﴿لكل شيء﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿بأحسنها﴾ ج ﴿الفاسقين﴾ ه ﴿بغير الحق﴾ ج ﴿بها﴾ ج لابتداء شرط آخر ولبيان تعارض الأحوال مع العطف ﴿سبيلاً﴾ ج ﴿ذلك سبيلاً﴾ ه ﴿غافلين﴾ ه ﴿أعمالهم﴾ ط ﴿يعملون﴾ ه ﴿خوار﴾ ط ﴿سبيلاً﴾ ه لئلا تصير الجملة صفة السبيل فإن الهاء ضمير العجل ﴿ظالمين﴾ ه ﴿ضلوا﴾ ج لأن ما بعده جواب. ﴿الخاسرين﴾ ه ﴿أسفاً﴾ ج لما ﴿بعدي﴾ ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد القائل ﴿أمر ربكم﴾ ج لأن قوله ﴿وألقى﴾ معطوف على قوله ﴿قال بئسما﴾ وقد اعترض بينهما استفهام ﴿إليه﴾ ط ﴿يقتلونني﴾ ط ز صلى والوصل أولى لأن الفاء للجواب أي إذا هم هموا بقتلي فلا تشمتهم بضربي. ﴿الظالمين﴾ ه ﴿في رحمتك﴾ ز صلى الأولى أن يوصل لأن الواو للحال تحسيناً للدعاء بالثناء ﴿الراحمين﴾ ه ﴿الدنيا﴾ ط ﴿المفترين﴾ ه ﴿وآمنوا﴾ ج لظاهر إن والوجه الوصل لأن ما بعده خبر والعائد محذوف والتقدير : إن ربك من بعد توبتهم لغفور لهم. ﴿رحيم﴾ ه ﴿الألواح﴾ ج صلى لاحتمال ما بعده الحال ﴿يرهبون﴾ ه.
﴿ولما رجع موسى إلى قومه﴾ قال بعضهم إن موسى قد عرف خبر القوم بعد رجوعه إليهم. وقال الأكثرون وهو قول أبي مسلم : إنه كان عارفاً بذلك قبل رجوعه بدليل قوله ﴿غضبان أسفاً﴾ فإنه يدل على أن هاتين الحالتين حاصلتان له عند رجوعه إليهم ولما جاء في سورة طه ﴿قد فتنا قومك من بعدك﴾ [ الآية : ٨٥ ] وفي دليل ظاهر على أنه تعالى أخبره بوقوع الواقعة في الميقات. والأسف الشديد الغضب وهو قول أبي الدرداء والزجاج. وعن ابن عباس والحسن إنه الحزين. وقال الواحدي : هما متقاربان فإذا جاءك ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فكأن موسى غضبان على قومه أسفاً من فتنة ربه ﴿بئسما خلفتموني﴾ خاطب عبدة العجل أو وجوه القوم - هارون والمؤمنين - حيث لم يكفوا العبدة. وفاعل ﴿بئس﴾ مضمر يفسره ﴿ما خلفتموني﴾ والمخصوص محذوف التقدير : بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم. ومعنى ﴿من بعدي﴾ مع قوله ﴿خلفتموني﴾ من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله ونفي الأنداد أو من بعد ما كنت أحمل القوم عليه من التوحيد والكف من اتخاذ إله غير الله حيث قالوا جعل لنا إلهاً ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة مستخلفيهم من بعدهم ولا يخالفوهم ونظير الآية قوله ﴿فخلف من بعدهم خلف﴾ [مريم: ٥٨] أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة ﴿أعجلتم أمر ربكم﴾ قال الواحدي : العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ولذلك صارت مذمومة في الأغلب بخلاف السرعة فإنها عمل الشيء في أوّل وقته. قال ابن عباس : يعني أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له. وقال الحسن : أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين وذلك أنهم قدّروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة فقد مات. وروي أن السامري قال لهم : إن موسى لن يرجع وإنه قد مات. وروي أنهم عدوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا. وقال الكلبي، أعجلتم عبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم. وقال عطاء : أعجلتم سخط ربكم. وفي الكشاف : يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره ويضمن معنى سبق فيعدى تعديته فيقال : عجلت الأمر ومعنى : أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به ﴿وألقى الألواح﴾ التي فيها التوراة لما لحقه من الدهش والضجر غضباً لله. عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال :«يرحم الله أخي موسى ما الخبر كالمعاينة » لقد أخبره الله تعالى بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه مع ذلك متمسك بما في يده. وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي الهدى والرحمة. قال في التفسير الكبير : إلقاء الألواح ثابت بالقرآن، فأما إلقاؤها بحيث تكسرت فلا وإنه جراءة عظيمة ومثله لا يليق بالأنبياء. وأقول : الجراءة تحصل بنفس الإلقاء لا بالتكسر الذي لا يتعلق باختياره فكل ما يجعل عذراً عن نفس الإلقاء يصح أن يجعل عذراً عن التكسر ﴿وأخذ برأس أخيه﴾ أي بشعر رأسه يجره إليه بذؤابته. واعلم أن موسى عليه السلام كان في نفسه حديداً شديد الغضب وكان هارون ألين منه جانباً ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى. وقد استتبع غضبه أمرين : أحدهما إلقاء الألواح والآخر أخذ رأس أخيه جار إليه، فزعم مثبتو عصمة الأنبياء أنه جر برأس أخيه إلى نفسه ليسارّه ويستكشف منه كيفية الواقعة لا لأجل الإهانة والاستخفاف، ثم إن هارون خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى فعل ما فعل به إهانة ﴿فقال يا ابن أم﴾ من كسرها فعلى طرح ياء المتكلم، ومن فتحها فتشبيهاً بخمسة عشر لكثرة الاستعمال أو على الألف المبدلة من ياء الإضافة. وإنما أضافه إلى الأم إشارة إلى أن أمهما واحدة على ما روي أنه كان أخاه لأمه ليكون أدعى إلى العطف والرقة لأنها كانت مؤمنة فافتخر. بنسبها ولأنها هي التي تحملت فيه الشدائد فذكره حقها ﴿إن القوم استضعفوني﴾ استذلوني وقهروني ولم يبالوا بي لقلة أنصاري ﴿وكادوا يقتلونني﴾ حين منعتهم عبادة العجل ونهيتهم عنها ﴿فلا تشمت بي الأعداء﴾ العابدي العجل فإنهم يحملون هذا لذي تفعل بي على الإهانة لا على الإكرام ﴿ولا تجعلني مع القوم الظالمين﴾ في اشتراك العقوبة والإذلال، ولا تعتقد أني واحد منهم.
| قد كان ما كان سراً أبوح به | فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر |