اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
لمَّا وصف الرسول، وذكر أنه يجل على الخلق متابعته، ذكر أنَّ في قوم موسى من اتَّبَعَ الحق وهُدي إليه ويبن أنهم جماعة، لأن لفظ " الأمَّة " ينبئ عن الكثرة.
واختلفوا فيهم.
فقيل : هم اليهودُ الذين آمنوا بالرسول - عليه الصلاة والسلام - مثل عبد الله بن سلام، وابن صوريا.
فإن قيل : إنهم كانوا قليلين في العدد، ولفظ " الأمة " ينبئ عن الكثرة.
فالجواب : إنهم لمَّا أخلصُوا في الدِّين جاز إطلاق لفظ " الأمَّةِ " عليهم كقوله تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠].
وقيل : إنَّهم قومٌ بَقوا على الدِّين الحق الذي جاء به موسى ودعوا النَّاسَ إليه وصانوه عن التَّحريف والتَّبديل في زمن تفرٌّ بني إسرائيل فيه وإحداثهم البدع.
وقال الكلبيُّ والضحاكُ والربيعُ والسُّديُّ : لمَّا كفر بنو إسرائيل وقتلوا الأنبياء، تبرأ وسبط من الاثني عشر مِمَّا صنعُوا وسألوا اللَّهَ أن يُنقذهم منهم، ففتح اللَّهُ لهم نفقاً في الأرضِ فَسَارُوا فيه حتَّى خرجوا من وراء الصين بأقصى الشرق على نهري مجرى الرَّمل يسمى نهر الأردن، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه، يمطرون باللَّيل ويُصْبِحون بالنَّهار يزرعون، لا يصل إليهم منا أحدٌ وهم على الحق(١).
وذكر أنَّ جبريل ذهب بالنَّبيِّ ﷺ ليلة أسري به إليهم وكلَّمهم.
فقالوا : يا رسول الله إنَّ موسى أوصانا أنَّ مَنْ أدرك منكم أحْمَدَ ؛ فليقرأ عليه منِّي السلام، فردَّ النبيُّ ﷺ على مُوسَى السلام، ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة، وأمرهم بالصَّلاة والزَّكاةِ وأمرهم أنه يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا، ويتركوا السَّبْتَ.
وقوله :﴿يَهْدُونَ بالحق﴾ يدعُون النَّاس إلى الهداية بالحقِّ وقوله وَبِهِ يَعدِلُونَ ؛ قال الزَّجَّاجُ : العدلُ : الحُكْمُ بالحق.
يقال هو يقضي بالحق، ويعدل وهو حاكم عادلٌ، ومنه قوله تعالى :﴿وَلَن تستطيعوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النساء﴾ [النساء: ١٢٩] وقوله ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا﴾ [أنعام: ١٥٢]
١ أخرجه الطبري في تفسيره (٦/٨٩) عن ابن جريج وذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/٢٥٠) عنه وزاد نسبته لابن المنذر وأبي الشيخ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى