كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً﴾ ؛ أي فُرِّقُوا بني إسرائيلَ اثنتَي عشرة فرقةً، والسِّبْطُ في ولدِ اسحق كالقبيلةِ في ولدِ إسماعيلَ، وإنَّما ذكرَ (اثْنَتَي عَشْرَةَ) على لفظِ التَّأنيثِ وإنْ كان السبطُ مذكَّراً ؛ لأن الأسباطَ هي الفِرَقُ والجماعاتُ.
فانْ قِيْلَ : كيف قالَ (أسْبَاطاً) بالجمعِ ولا يجمعُ ما بعدَ العشرةِ على لفظِ الجمع، وإنَّما يقالُ : اثنَى عشرَ دِرهماً ولا يقالُ اثنى عشرَ درَاهم ؟ قِيْلَ : ذكرَ الزجَّاجُ :(أنَّ قَوْلَهُ (أسْبَاطاً) بدَلٌ لاَ يُمَيَّزُ، كَأَنَّهُ قَالَ : قَطَّعْنَاهُمْ أسْبَاطاً اثْنَتَي عَشْرَةَ). وقرأ أبان بن تَغْلُبْ ابنِ زيد عن عاصم (وَقَطَعْنَاهُمْ) بالتخفيف.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ ؛ أي أوحَينا إليه في التِّيهِ حين طلبَ قومهُ منه الماءَ، ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ حَجَراً يَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ عَلَى حِمَارٍ) وَلِهَذا عُرِّفَ بالألفِ واللامِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ ؛ الانْبجَاسُ : خروجُ الماءِ قَليلاً، والانفجارُ خروجهُ واسعاً، وإنما قالَ (فَانْبَجَسَتْ) ؛ لأن الماءَ كان يخرجُ من الحجرِ في الابتداء قليلاً ثم يتَّسِعُ فاجتمعَ فيه صفةُ الانبجاسِ والانفجار، وإنما تفجَّرَ منه اثنتَا عشرةَ عَيناً ؛ لأنَّهم كانوا اثنتَي عشرةَ سِبْطاً، وكان لا يخالطُ كلُّ سبطٍ السبطَ الآخر، ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾، كلُّ سبطٍ موضعَ شربهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ أي ظَلَّلنَا عليهم بالنَّهار في التِّيه ليَقِيَهم حرَّ الشَّمسِ، ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ؛ فالْمَنُّ الترنجبين، والسَّلْوَى طائرٌ يشبهُ السَّمانِي، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي من خِلاَلِ ما رزقنَاكم من الْمَنِّ والسَّلوَى ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ ؛ أي وما ضَرُّونا بمخالفتِهم أمْرَنا وإعراضِهم عن شُكر النعمة، ﴿وَلَـاكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ؛ ولكن ضَرُّوا أنفسَهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى