الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ : لا بد من مضافٍ محذوفٍ، أي : عن خبر القرية، وهذا المضافُ هو الناصبُ لهذا الظرف وهو قوله :" إذ يعدون " وقيل : بل هو منصوبٌ ب " حاضرة ". قال أبو البقاء :" وجوَّز ذلك أنها كانت موجودةً ذلك الوقتَ ثم خَرِبَتْ ". وقدَّر الزمخشري المضاف " أهل "، أي : عن أهل القرية، وجعل الظرفَ بدلاً من " أهل " المحذوف فإنه قال :" إذ يَعْدون " بدل من القرية، والمرادُ بالقرية أهلُها، كأنه قيل : وسَلْهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت، وهو مِنْ بدل الاشتمال.
قال الشيخ :" وهذا لا يجوزُ، لأنَّ " إذ " من الظروف التي لا تتصرَّف، ولا يَدْخل عليها حرفُ جر، وجَعْلُها بدلاً يُجَوِّز دخول " عن " عليها لأنَّ البدلَ هو على نية تكرار العامل، ولو أَدْخَلْت " عن " عليها لم يَجُزْ، وإنما يُتَصَرَّفُ فيها بأنْ تُضِيْفَ إليها بعضَ الظروفِ الزمانية نحو " يوم إذ كان كذا "، وأمَّا قولُ مَنْ ذهب إلى أنها تكونُ مفعولةً ب " اذكر " : فقولُ مَنْ عَجَز عن تأويلها على ما ينبغي لها من إبقائها ظرفاً ".
وقال الحوفي :" إذ متعلقةٌ ب " سَلْهم ". قال الشيخ :" وهذا لا يُتَصور، لأن " إذ " لِما مضى، و " سَلْهم " مستقبلٌ، ولو كان ظرفاً مستقبلاً لم يَصِحَّ المعنى، لأنَّ العادِين وهم أهل القرية مفقودون، فلا يمكن سؤالُهم فالمسؤول غير أهل القرية العادين ".
وقرأ شهر بن حوشب وأبو نهيك :" يَعَدُّون " بفتح العين وتشديد الدال، وهذه تشبه قراءةَ نافع في قوله " لا تَعَدُّوا في السبت " والأصل " تَعْتَدُّوا " فأدغم التاءَ في الدال لمقاربتها لها. وقُرئ " تُعِدُّون " بضمِ التاء وكسرِ العين وتشديد الدال من أعدَّ يُعِدُّ إعداداً : إذا هَيَّأ آلاتِه. وفي التفسير : أنهم كانوا مأمورين في السبت فيتركونها ويُهَيِّئون آلاتِ الصيد.
قوله :﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ﴾ العاملُ فيه " يَعْدُون "، أي : إذ عَدَوا إذ أَتَتْهم، لأنَّ الظرفَ الماضي يَصْرِفُ المضارع إلى المضيّ. وقال الزمخشري :" وإذ تأتيهم بدلٌ من إذْ يَعْدُون بدلاً بعد بدل " يعني أنه بدلٌ ثانٍ من القرية على ما تقرَّر عنه. وقد تقدَّم ردُّ الشيخ عليه هناك وهو عائدٌ هنا.
و " حِيْتان " جمع حُوت، وإنما أُبدلت الواو ياء لسكونها وانكسارِ ما قبلَها. ومثلُه : نون ونينان. والنونُ : الحوت.
قوله :﴿شُرَّعاً﴾ حالٌ من " حِيتانهم " وشُرَّعٌ جمعُ شارع. وقرأ عمر ابن عبد العزيز " يوم إسْباتهم " وهو مصدرٌ " أسبت " إذا دخل في السَّبْت.
وقرأ عاصم بخلافٍ عنه وعيسى بن عمر : لا يَسْبُتون بضم الباء. وقرأ علي والحسن وعاصم بخلاف عنه " يُسْبِتون " بضم الياء وكسرِ الباء مِنْ أَسْبت، أي : دَخَل في السبت. وقرئ :" يُسْبَتُون " بضمِّ الياء وفتح الباء مبنياً للمفعول، نقلها الزمخشري عن الحسن قال :" أي : لا يُدار عليهم السَّبْت ولا يُؤْمرون بأن يَسْبِتُوا ".
والعاملُ في " يوم لا يَسْبتون " قوله " لا تَأْتيهم " أي : لا تأتيهم يوم لا يَسْبتون، وهذا يدلُّ على جواز تقديم معمول المنفي ب " لا " عليها. وقد قدَّمْتُ فيه ثلاثةَ مذاهب : الجوازَ مطلقاً كهذه الآية، المنعَ مطلقاً، التفصيلَ : بين أن يكون جوابَ قسم فيمتنعَ أو لا فيجوز.
قوله :﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم﴾ ذكر الزجاج وابن الأنباري في هذه الكاف ومجرورِها وجهين، أحدهما : قال الزجاج :" أي : مثلَ هذا الاختبار الشديد نختبرهم، فموضعُ الكاف نصب ب " نَبْلوهم ". قال ابن الأنباري :" ذلك " إشارةٌ إلى ما بعدَه، يريد : نَبْلوهم بما كانوا يفسُقون كذلك البلاءَ الذي وقع بهم في أَمْرِ الحِيتان، وينقطع الكلام عند قوله " لا تأتيهم ".
الوجه الثاني : قال الزجاج :" ويحتمل أن يكون على بُعْدٍ أن يكونَ : ويومَ لا يَسْبِتُون لا تأتيهم كذلك، أي : لا تأتيهم شُرَّعاً، ويكون نَبْلوهم مستأنفاً ". قال أبو بكر :" وعلى هذا الوجهِ :" كذلك " راجعةٌ إلى الشُّروع في قوله تعالى :﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً﴾ والتقدير : ويوم لا يَسْبِتون لا تأتيهم كذلك الإِتيانَ بالشروع، وموضعُ الكاف على هذا نصبٌ بالإِتيان على الحال، أي : لا تأتي مثلَ ذلك الإِتيان ". /
وقوله :﴿بِمَا كَانُوا﴾ الباء سببيةٌ، و " ما " مصدريةٌ أي : نَبْلُوهم بسببِ فِسْقِهم، ويَضْعُفُ أن تكونَ بمعنى الذي لتكلُّفِ حَذْفِ العائد على التدريج. وقد ذكر مكي هنا مسألةً مختلفاً فيها بين النحاة لا تعلُّق لها بهذا الموضع فقال :" وأفصحُ اللغات أن ينتصبَ الظرف مع السبت والجمعة فتقول : اليومَ السبتُ، واليومَ الجمعة، فَتُنْصَبَ " اليوم " على الظرف وتُرْفَعَ مع سائر الأيام فتقول : اليومَ الأحد، واليومَ الأربعاء، لأنه لا معنى للفعل فيهما، فالمبتدأ هو الخبر فترفع ". قلت : هذه المسألة فيها خلافٌ بين النحويين، فالجمهور كما ذكر يوجبون الرفعَ لأنه بمنزلة قولك : اليومُ الأولُ، اليوم الثاني. وأجاز الفراء وهشام النصب قالا :" لأن اليوم بمنزلة الآن، فالآن أعم من الأحد والثلاثاء، فكأنه قيل : الآن الأحد، الآن الاثنان "، أي : إنهما واقعان في الآن، وليست هذه المسألةُ مختصةً بالجمعة والسبت، بل الضابطُ فيها أنه إذا ذُكر " اليوم " مع ما يتضمن عملاً وحدثاً جاز النصب والرفع نحو قولهم : اليوم العيد، اليوم الفطر، اليوم الأضحى، كأنك قلت : اليوم يَحْدُث اجتماع وفطر وأُضْحية.
قال الشيخ :" وهذا لا يجوزُ، لأنَّ " إذ " من الظروف التي لا تتصرَّف، ولا يَدْخل عليها حرفُ جر، وجَعْلُها بدلاً يُجَوِّز دخول " عن " عليها لأنَّ البدلَ هو على نية تكرار العامل، ولو أَدْخَلْت " عن " عليها لم يَجُزْ، وإنما يُتَصَرَّفُ فيها بأنْ تُضِيْفَ إليها بعضَ الظروفِ الزمانية نحو " يوم إذ كان كذا "، وأمَّا قولُ مَنْ ذهب إلى أنها تكونُ مفعولةً ب " اذكر " : فقولُ مَنْ عَجَز عن تأويلها على ما ينبغي لها من إبقائها ظرفاً ".
وقال الحوفي :" إذ متعلقةٌ ب " سَلْهم ". قال الشيخ :" وهذا لا يُتَصور، لأن " إذ " لِما مضى، و " سَلْهم " مستقبلٌ، ولو كان ظرفاً مستقبلاً لم يَصِحَّ المعنى، لأنَّ العادِين وهم أهل القرية مفقودون، فلا يمكن سؤالُهم فالمسؤول غير أهل القرية العادين ".
وقرأ شهر بن حوشب وأبو نهيك :" يَعَدُّون " بفتح العين وتشديد الدال، وهذه تشبه قراءةَ نافع في قوله " لا تَعَدُّوا في السبت " والأصل " تَعْتَدُّوا " فأدغم التاءَ في الدال لمقاربتها لها. وقُرئ " تُعِدُّون " بضمِ التاء وكسرِ العين وتشديد الدال من أعدَّ يُعِدُّ إعداداً : إذا هَيَّأ آلاتِه. وفي التفسير : أنهم كانوا مأمورين في السبت فيتركونها ويُهَيِّئون آلاتِ الصيد.
قوله :﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ﴾ العاملُ فيه " يَعْدُون "، أي : إذ عَدَوا إذ أَتَتْهم، لأنَّ الظرفَ الماضي يَصْرِفُ المضارع إلى المضيّ. وقال الزمخشري :" وإذ تأتيهم بدلٌ من إذْ يَعْدُون بدلاً بعد بدل " يعني أنه بدلٌ ثانٍ من القرية على ما تقرَّر عنه. وقد تقدَّم ردُّ الشيخ عليه هناك وهو عائدٌ هنا.
و " حِيْتان " جمع حُوت، وإنما أُبدلت الواو ياء لسكونها وانكسارِ ما قبلَها. ومثلُه : نون ونينان. والنونُ : الحوت.
قوله :﴿شُرَّعاً﴾ حالٌ من " حِيتانهم " وشُرَّعٌ جمعُ شارع. وقرأ عمر ابن عبد العزيز " يوم إسْباتهم " وهو مصدرٌ " أسبت " إذا دخل في السَّبْت.
وقرأ عاصم بخلافٍ عنه وعيسى بن عمر : لا يَسْبُتون بضم الباء. وقرأ علي والحسن وعاصم بخلاف عنه " يُسْبِتون " بضم الياء وكسرِ الباء مِنْ أَسْبت، أي : دَخَل في السبت. وقرئ :" يُسْبَتُون " بضمِّ الياء وفتح الباء مبنياً للمفعول، نقلها الزمخشري عن الحسن قال :" أي : لا يُدار عليهم السَّبْت ولا يُؤْمرون بأن يَسْبِتُوا ".
والعاملُ في " يوم لا يَسْبتون " قوله " لا تَأْتيهم " أي : لا تأتيهم يوم لا يَسْبتون، وهذا يدلُّ على جواز تقديم معمول المنفي ب " لا " عليها. وقد قدَّمْتُ فيه ثلاثةَ مذاهب : الجوازَ مطلقاً كهذه الآية، المنعَ مطلقاً، التفصيلَ : بين أن يكون جوابَ قسم فيمتنعَ أو لا فيجوز.
قوله :﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم﴾ ذكر الزجاج وابن الأنباري في هذه الكاف ومجرورِها وجهين، أحدهما : قال الزجاج :" أي : مثلَ هذا الاختبار الشديد نختبرهم، فموضعُ الكاف نصب ب " نَبْلوهم ". قال ابن الأنباري :" ذلك " إشارةٌ إلى ما بعدَه، يريد : نَبْلوهم بما كانوا يفسُقون كذلك البلاءَ الذي وقع بهم في أَمْرِ الحِيتان، وينقطع الكلام عند قوله " لا تأتيهم ".
الوجه الثاني : قال الزجاج :" ويحتمل أن يكون على بُعْدٍ أن يكونَ : ويومَ لا يَسْبِتُون لا تأتيهم كذلك، أي : لا تأتيهم شُرَّعاً، ويكون نَبْلوهم مستأنفاً ". قال أبو بكر :" وعلى هذا الوجهِ :" كذلك " راجعةٌ إلى الشُّروع في قوله تعالى :﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً﴾ والتقدير : ويوم لا يَسْبِتون لا تأتيهم كذلك الإِتيانَ بالشروع، وموضعُ الكاف على هذا نصبٌ بالإِتيان على الحال، أي : لا تأتي مثلَ ذلك الإِتيان ". /
وقوله :﴿بِمَا كَانُوا﴾ الباء سببيةٌ، و " ما " مصدريةٌ أي : نَبْلُوهم بسببِ فِسْقِهم، ويَضْعُفُ أن تكونَ بمعنى الذي لتكلُّفِ حَذْفِ العائد على التدريج. وقد ذكر مكي هنا مسألةً مختلفاً فيها بين النحاة لا تعلُّق لها بهذا الموضع فقال :" وأفصحُ اللغات أن ينتصبَ الظرف مع السبت والجمعة فتقول : اليومَ السبتُ، واليومَ الجمعة، فَتُنْصَبَ " اليوم " على الظرف وتُرْفَعَ مع سائر الأيام فتقول : اليومَ الأحد، واليومَ الأربعاء، لأنه لا معنى للفعل فيهما، فالمبتدأ هو الخبر فترفع ". قلت : هذه المسألة فيها خلافٌ بين النحويين، فالجمهور كما ذكر يوجبون الرفعَ لأنه بمنزلة قولك : اليومُ الأولُ، اليوم الثاني. وأجاز الفراء وهشام النصب قالا :" لأن اليوم بمنزلة الآن، فالآن أعم من الأحد والثلاثاء، فكأنه قيل : الآن الأحد، الآن الاثنان "، أي : إنهما واقعان في الآن، وليست هذه المسألةُ مختصةً بالجمعة والسبت، بل الضابطُ فيها أنه إذا ذُكر " اليوم " مع ما يتضمن عملاً وحدثاً جاز النصب والرفع نحو قولهم : اليوم العيد، اليوم الفطر، اليوم الأضحى، كأنك قلت : اليوم يَحْدُث اجتماع وفطر وأُضْحية.