اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ القرية التي كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر﴾ الآية.
المقصود تعرف هذه القصة من قبلهم ؛ لأنَّ الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - قد علمها من قبل الله تعالى، والمقصود من ذكر هذا السؤال أحد أشياء :
الأول : المقصود منه تقرير أنهم كانوا قد أقْدَمُوا على هذا الذنب القبيح تَنْبِيهاً لهم على إصرارهم على الكفر بمحمد - عليه الصلاة والسلام -.
والثاني : أنَّ الإنسان قد يقول لغيره هل الأمر كذا وكذا ؟ ليعرف ذلك بأنه محيط بمعرفةِ تلك الواقعة وغير غافل عنها. ولمَّا كان النبي ﷺ رجلاً أمياً لم يعلم علماً، ولم يطالع كتاباً، ثمَّ إنَّه يذكر هذه القصص على وجوهها من غير تفاوت ولا زيادة ولا نقصان، كان ذلك جارياً مجرى المعجزة.
قوله :" عَنِ القَرْيَةِ " لا بُدَّ من مضافٍ محذوفٍ، أي : عن خبر القرية، وهذا المحذوفُ هو النَّاصِبُ لهذا الظرف وهو قوله " إذْ يَعْدُون ".
وقيل : هو منصوب ب " حَاضرَة ".
قال أبُو البقاء(١) : وجوَّزَ ذلك أنها كانت موجودةً في ذلك الوقت ثم خربت.
وقدر الزمخشريُّ : المُضاف " أهل " أي : عن أهل القرية، وجعل الظرف بدلاً من " أهل " المحذوف فإنَّهُ قال :" إذْ يَعْدُون " بدل من القرية، والمرادُ بالقرية : أهلُها كأنه قيل : واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في البيت، وهو من بدل الاشتمال.
قال أبُو حيَّان(٢) وهذا لا يجوزُ ؛ لأن " إذْ " من الظُّرُوف التي لا تتصرَّفُ، ولا يدخل عليها حرفُ جر، وجعلها بدلاً يجَوِّزُ دخول " عن " عليها ؛ لأنَّ البدل هو على نِيَّةِ تكرار العامل ولو أَدْخَلْتَ " عن " عليها لم يجز، وإِنَّما يتصرَّف فيها بأن تُضيف إليها بعض الظُّروف الزَّمانية نحو : يوم إذ كان كذا، وأمَّا قول من ذهب إلى أنَّها تكونُ مفعولةً ب " اذكر " فقولُ مَنْ عَجَزَ عن تأويلها على ما ينبغي لها من إبقائها ظرفاً.
وقال الحوفيُّ :" إذ " متعلقةٌ ب " سَلْهم ".
قال أبُو حيان(٣) : وهذا لا يتصوَّر، لأن " إذْ " لما مضى، و " سَلْهم " مستقبلٌ، لو كان ظرفاً مستقبلاً لم يَصِحَّ المعنى ؛ لأنَّ العادين - وهم أهل القريةِ - مفقودون فلا يمكن سُؤالهم والمسئول غير أهل القرية العادين.
وقرأ شهر(٤) بن حوشب وأبو نهيك " يَعَدُّون " بفتح العين وتشديد الدَّالِ، وهذه تُشبه قراءة نافع في قوله ﴿لاَ تتَعْدُواْ فِي السبت﴾ [النساء: ١٥٤] والأصل : تَعْتَدوا، فأدغم التاء في الدال لمقاربتها لها.
وقُرئ " يُعِدُّونَ (٥) " بضمِّ الياء وكسر العين وتشديد الدال من : أعَدَّ يُعِدُّ إعداداً إذ هَيَّأ آلاته، لما ورد أنهم كانوا مأمورين في السبت بالعبادةِ، فيتركونها ويُهَيِّئُونَ آلاتِ الصَّيد.

فصل


معنى الآية : واسْأل مُحَمَّد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك سؤال توبيخ عن القرية التي كانت حاضرة البحر أي : بقرية، والحضور نقيض الغيبة كقوله تعالى :﴿ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦].
قال ابنُ عباس، وأكثر المفسرين : هي قرية يقال لها : أيْلَة بين مَدْيَن والطُّورِ على شاطئ البحر(٦).
وقيل : مدين(٧).
وقال الزُّهري : هي طبرية الشَّامِ، والعرب تسمِّي المدينة قرية وعن أبي عمرو بن العلاء مَا رَأيْتُ قرويين أفصَحَ من الحسين والحجَّاج يعني رجلين من أهل المدنِ، و " يَعْدُون في السَّبتِ " يتجاوزون حد اللَّه فيه، وهو اصطيادهم في يوم السَّبت وقد نُهُوا عنه، والسَّبْتُ : مصدر سَبَتَ اليهود إذَا عظَّمت سُنَّتَهَا، إذا تركوا العمل في سبتهم، وسُبِتَ الرجل سُباتاً إذا أخذه ذلك، وهو مثل الخرس، وأسبت سكن فلم يتحرك والقوم صاروا في السَّبت، واليهود دخلوا في السبت، وهو اليوم المعروفُ، وهو من الرَّاحةِ والقطع، ويجمع على أسْبُت وسُبُوت وأسبات، وفي الخبر عن رسُولِ الله ﷺ " من احْتَجَمَ يوْمَ السَّبْتِ فأصَابَهُ مرضٌ لا يلُومنَّ إلاَّ نَفْسَهُ "
قال القرطبي(٨) : قال علماؤنا : لأنَّ الدَّمَ يجمد يوم السبت، فإذا مددته لتستخرجه لم يَجْرِ وعَادَ بَرَصاً.
قوله :" إذْ تَأتيهم " العامل فيه " تَعْدون " أي : إذَا عَدَوا إذ أتَتْهُمْ ؛ لأنَّ الظَّرْفَ الماضي يَصْرِفُ المضارع إلى المضيِّ.
وقال الزمخشريُّ : و " إذ تأتيهم " بدلٌ من " إذ يَعْدُونَ " بدل بعد بدل، يعني : أنه بدلٌ ثانٍ من القريةِ على ما تقدَّم عنه، وقد تقدَّم ردُّ أبي حيان عليه فيعود هنا.
و " حِيتَان " جمع " حُوت "، وإنَّما أبدلَت الواوُ يَاءً، لسكونها وانكِسَارِ ما قبلها، ومثلُهُ نُون ونِينَان والنُّونُ : الحُوتُ.
قوله " شُرَّعاً " حالٌ من " حِيتَانُهُمْ " وشُرَّعٌ : جمعُ شارع.
وقرأ عمر بن عبد العزيز(٩) :" يَوْمَ إسباتهم " وهو مصدر " أسبت " إذا دخل في السَّبْت.
وقرأ عاصم بخلاف عنه وعيسى(١٠) بن عمر " لا يَسْبُتُونَ ".
وقرأ عليٌّ والحسنُ(١١) وعاصمٌ بخلاف عنه " لا يُسْبِتُونَ " بضم الياء وكسر الباء، من أسْبَت، أي : دخل في السبت.
وقُرئ(١٢) :" يُسْبَتُونَ " بضمِّ الياء وفتح الباء مبنياً للمفعول، نقلها الزمخشريُّ عن الحسن.
قال : أي لا يُدَار عليهم السبت ولا يؤمَرُونَ بأن يَسْبِتُوا، والعاملُ في :﴿وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ﴾ قوله :" لا تَأتيهمْ " أي : لا تأتيهم يوم لا يَسْبِتُونَ، وهذا يَدُلُّ على جواز تقديم معمول المنفي ب " لا " عليها وقد تقدم فيه ثلاث مذاهب : الجواز مطلقاً كهذه الآية، والمنع مطلقاً، والتفصيل بين أن يكون جواب قسم فيمتنع أوْ لا فيجوز.
ومعنى شُرَّعاً أي ظاهرة على الماء كثيرة. من شرع فهو شارع، ودار شارعة أي : قريبة من الطريق، ونجوم شارعة أي : دنت من المغيب، وعلى هذا فالحيتان كانت تَدْنُوا من القرية بحيث يمكنهم صيدها.
وقال الضَّحَّاكُ : متتابعة(١٣).

فصل


قال ابنُ عباس ومجاهد : إنَّ اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به يوم الجمعة فتركوه، واختاروا السبت، فابتلاهم الله به، وحرم عليهم الصَّيْدَ، وأمروا بتعظيمه، فإذا كان يوم السَّبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها، فإذا انقضى السَّبت ذهبت عنهم، ولم تعد إلاَّ في السبت المقبل، وذلك بلاء ابتلاهم اللَّه به(١٤).
فقوله ﴿وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ﴾ أي لا يَفْعَلُونَ السبت، يقال : سَبَتَ يَسْبِتُ إذا عظم السبت. والمعنى : يَدْخُلُونَ في السَّبْتِ، كما يقال : أجْمَعْنَا وأظهرنَا وأشْهَرْنَا، أي : دخلنا في الجمعة، والظهر، والشهر.
كما يقال : أصبحنا أي : دخلنا في الصباح.
قوله :" كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ ". ذكر الزجاجُ، وابن الأنباريِّ في هذه الكافر ومجرورها وجهين :
أحدهما : قال الزَّجَّاج(١٥) : أي : مثل هذا الاختبار الشَّديد نختبرهم، فموضع الكاف نصبٌ ب " نَبْلُوهُم ".
قال ابن الأنباري : ذلك إشارةٌ إلى ما بعده، يريد : نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ كذلك البلاء الذي وقع بهم في أمر الحيتان، وينقطع الكلام عند قوله " لا تَأتيهمْ ".
الوجه الثاني : قال الزجاج ويحتمل أن يكون - على بُعْدٍ - أن يكون : ويَوْمَ لا يَسبتُون لا تأتيهم كذلك أي لا تأتيهم شُرَّعاً، ويكون " نَبْلُوهُم " مستأنفاً.
قال أبو بكر : وعلى هذا الوجه كذلك راجعةٌُ إلى الشُّرُوع في قوله تعالى :﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً﴾ والتقدير : ويَوْمَ لا يسبتُونَ لا تأتيهم كذلك الإتيانِ بالشّروع، وموضعُ الكاف على هذا نَصْبٌ بالإتيان على الحالِ، أي : لا تأتي مثل ذلك الإتيان.
قوله :" بِمَا كَانُوا " الباءُ سببيةٌ و " ما " مصدريةٌ، أي : نَبْلُوهم بسبب فسقهم، ويضعُفُ أن تكون بمعنى " الذي " لتكَلُّفِ حذفِ العائد على التدريج.
وقد ذكر مكي هنا مسألة مختلفا فيها بين النحاة، لا تعلق لها بهذا الموضع.
فقال : وأفصحُ اللغات أن ينتصبَ الظرف مع السبت والجمعة فتقول : اليوم السَّبْتُ، واليوم الجُمعَةُ فتنصب اليوم على الظَّرْف، وترفع مع سائر الأيام فتقول : اليومُ الأحدُ واليومُ الأربعاءُ لأنَّهُ لا معنى للفعل فيهما فالمبتدأ هو الخبر فترفع.
قال شهابُ الدِّين(١٦) : هذه المسألة فيها خلافٌ بين النَّحويين، فالجمهورُ كما ذكر يوجبون الرفع ؛ لأنَّه بمنزلة قولك : اليومُ الأولُ، اليومُ الثاني. وأجاز الفراء وهشام النَّصبَ، قالا : لأنَّ اليوم بمنزلة : الآن وليست هذه المسألةُ مختصَّةً بالجمعة والسبت بل الضابطُ فيها : أنه إذا ذُكر " اليوم " مع ما يتضمن عملاً أو حدثاً جاز الرفع والنصب نحو قولك : اليوم العيد، اليوم الفطر، اليوم الأضحى.
كأنك قلت : اليوم يحدث اجتماع وفطر وأضحية.

فصل


قال المفسِّرُون : وسْوَسَ لهم الشَّيطان وقال : إنَّ الله لم ينهكم عن الاصطياد وإنَّما نهاكم عن الأكْلِ فاصطَادُوا.
وقيل : وسوس إليهم أنَّكُمْ إنَّمَا نُهِيتُم عن الأخذ فاتَّخِذُوا حِيَاضاً على شاطئ البَحْرِ، تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، ثم تأخذونها يوم الأحد، ففعلوا ذلك زماناً، ثمَّ تَجَرَّءُوا على السبت وقالوا ما نرى السبت إلاَّ قد أحِلَّ لنا، فأخذوا، وأكلوا وباعوا فنهاهم بعضهم، وبعضهم فعل، ولم ينته، وبعضهم سكت وقالوا :﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤] فلمَّا لم يَنْتَهُوا قال النَّاهُونَ لا نُسَاكِنُكُمْ، فقسموا القرية بجدارٍ، للمسلمين باب، وللمعتدين بابٌ، ولعنهم داودُ، فأصبح النَّاهُونَ ذات يوم، ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا : إن لهم شأناً، لعلّ الخمر غلبتهم، فعلوا الجدار، فإذا هم قِرَدَةٌ.

فصل


دلَّت هذه الآية على أنَّ الحيل في تحليل الأمور الَّتي حرمها الشارع محرمةٌ ؛ كالغيبة، ونكاح المحلِّل، وما أشبههما من الحيلِ، ودلَّت على أنَّه تعالى لا يجب عليه رعايةُ الصَّلاح والإصلاح لا في الدِّين ولا في الدنيا ؛ لأنَّهُ تعالى علم أن تكثير الحيتان يوم السَّبْتِ مما يحملهم على المعصية والكفر، فلو وجب عليه رعاية الصَّلاح لوجب أن لا يكثر الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن الكفر والمعصية، فلمَّا فعل علمنا أن رعاية الصَّلاح لا تجب على الله تعالى.
١ ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٢٧٨..
٢ ينظر: البحر المحيط ٤/٤٠٨..
٣ ينظر: البحر المحيط ٤/٤٠٨..
٤ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤٦٧، والبحر المحيط ٤/٤٠٨، والدر المصون ٣/٣٦٠..
٥ ينظر: الكشاف ٢/١٧٠، والبحر المحيط ٤/٤٠٨، والدر المصون ٣/٣٦٠..
٦ أخرجه الطبري في تفسيره (٦/٩١) من طريق عكرمة عن ابن عباس وذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/٢٥١) وعزاه لابن أبي حاتم وابن المنذر وأبي الشيخ..
٧ أخرجه الطبري في تفسيره (٦/٩٢) عن ابن عباس وذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/٢٥١) عن سعيد بن جبير وعزاه لعبد بن حميد..
٨ ينظر: تفسير القرطبي ٧/١٩٤..
٩ ينظر: الكشاف ٢/١٧٠، والمحرر الوجيز ٢/٤٦٨، والبحر المحيط ٤/٤٠٨، والدر المصون ٣/٣٦٠..
١٠ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤٦٨، والبحر المحيط ٤/٤٠٨، والدر المصون ٣/٣٦٠..
١١ ينظر: السابق..
١٢ ينظر: الكشاف ٢/١٧١..
١٣ ذكره البغوي في تفسيره (٢/٢٠٨)..
١٤ ذكره الرازي في تفسيره (١٥/٣١-٣٢)..
١٥ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٢/٤٢٥..
١٦ ينظر: الدر المصون ٣/٣٦١..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى