التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً﴾ إخبار عن عقوبة أخرى من عقوباتهم المتنوعة بسبب كفرهم وجحودهم، وتتمثل هذه العقوبة في تفريقهم في الأرض، وتمزيقهم شر ممزق حتى لا تكون لهم شوكة.
و ﴿أُمَماً﴾ حال من مفعول ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ﴾ أو مفعول ثان لقطعناهم على أنه بمعنى صيرناهم.
أى : أن هؤلاء اليهود قد مزقناهم في الأرض شر ممزق بسبب عصيانهم وفسوقهم، وصيرناهم فرقا متقطعة الأوصال، مشتتة الأهواء. وقوله ﴿مِّنْهُمُ الصالحون وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك﴾ بيان حالهم.
أى : من هؤلاء اليهود قلة آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فصلح حالها، وحسنت عاقبتها، ومنهم كثرة منحطة عن رتبة أولئك المؤمنين الصالحين، بسبب فسوقهم عن أمر الله، وانتهاكهم لحرماته.
والجملة من المبتدأ والخبر، في موضع نصب على أنها صفة ل ﴿أُمَماً﴾.
وقوله ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك﴾ الجار والمجرور خبر مقدم ﴿دُونَ ذلك﴾ نعت لمنعوت محذوف هو المبتدأ والتقدير : ومنهم ناس أو جماعة دون ذلك.
وهذه الجملة الكريمة تدل على أن القرآن الكريم يستعمل الإنصاف والعدالة وتقرير الحقائق مع أعدائه وأتباعه على السواء، فهو يمدح من يستحق المديح، ويذم من هو أهل الذم، وما أحوج الناس في كل زمان ومكان إلى التخلق بهذه الأخلاق.
وقوله - تعالى - ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بالحسنات والسيئات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أى عاملناهم معاملة المبتلى الممتحن تارة بالنعم الكثيرة كالصحة والخصب وسعة الأرزاق، وتارة بالنقم المتنوعة كالجدب والأمراض والشدائد، لعلهم يرجعون إلى طاعة ربهم، ويتركون ما نهوا عنه من المعاصى والسيئات.
يقال : بلاه يبلوه بلوا، وابتلاه ابتلاء، إذا جربه واختبره، ولقد كانت نتيجة هذا الابتلاء والاختبار أن تكشفت الحقائق عن أن الكثرة من بنى إسرائيل سلكت طريق الضلالة والغواية، والقلة هى التي آمنت وأصلحت ولذا عاقب الله تلك الكثرة بالعقوبة التي تناسبها جزاءً وفاقا.
هذا، وما أخبر به القرآن من أن الله - تعالى - قد توعد بنى إسرائيل وأخبرهم بأنه سيسلط عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب بسبب كفرهم وفسوقهم قد شهد بصدقه التاريخ، وأيدته الحوادث، وهذه نماذج قليلة من تلك العقوبات التي نزلت بهم في الأزمنة المختلفة.
أولا : بعد وفاة سليمان - عليه السلام - حوالى سنة ٩٧٥ ق. م انقسمت مملكته إلى قسمين : مملكة الشمال، واسمها ( إسرائيل ) ومقرها ( السامرة ) وتتكون من الأسباط العشرة.
ومملكة الجنوب واسمها ( يهوذا ) ومقرها ( أورشليم ) وتتكون من سبطى يهوذا وبنيامين.
وقد استمرت المنازعات بين المملكتين مدة طويلة، انتهت بانقضاض ( سرجون ) ملك آشور على مملكة الشمال ( إسرائيل ) سنة ٧٢١ق. م فقتل الآلاف من رجالها، وأسر البقية منهم فرحلهم إلى ما وراء نهر الفرات، وقضى على هذه المملكة قضاء لم تقم لها بعده قائمة.
وأما مملكة الجنوب ( أورشليم ) فقد حاولت أن تتشبث بالبقاء، ولكن معاول الهدم غزتها من الشرق ومن الجنوب وكانت نهايتها على يد بختنصر البابلى سنة ٥٨٦ق. م.
ويصور أحد الكتاب الغربيين قصة النكبات التي أدت إلى زوال مملكة ( يهوذا وإسرائيل ) فيقول :( هى قصة نكبات وقصة تحررات لا تعود عليهم إلا بإرجاء النكبة القاضية، هى قصة ملوك همج يحكمون شعبا من الهمج، حتى إذا وافت سنة ٧٢١ق. م " محت يد الأسر الأشورى مملكة إسرائيل من الوجود، وزال شعبها من التاريخ زوالا تاما، وظلت مملكة يهوذا تكافح حتى أسقطها البابليون سنة ٨٥٦ق. م.
ثانيا : استرد اليهود بعض أنفاسهم بعد وقوعهم تحت حكم الفرس من حوالى سنة ٥٣٦ إلى سنة ٣٣٢ق.
م. سار إليهم ( بطليموس ) خليفة الإسكندر، فهدم القدس، ودك أسوارها، وأرسل منهم مائة ألف أسير إلى مصر، لأنهم ثاروا عليه.
ثالثاً : في سنة ٢٠ق. م تقريبا، وقع اليهود تحت سيطرة السلوقيين السوريين بعد انتصارهم على البطالسة، ورأى بعض الحكام السلوقيين من اليهود تمرداً وعصيانا، فأنزلوا بهم أشد العقوبات في عدة مواقع، وكان من أبرز المنكلين باليهود ( انطو خيوس ) ما يبن سنة ١٧٠. وسنة ١٦٨ق. م فقد هاجم ( أورشليم ) وهدم أسوارها وهيكلها. ونهب ما فيها من أموال وقتل من أهلها أربعين ألفا في ثلاثة أيام وباع مثل ذلك العدد عبيدا منهم ولم يفلت من يده إلا اليهود الذين هربوا إلى الجبال، وقد أقام ( أنطو خيوس ) قمة على أحد الجبال ليشاهد منها كل من يقترب من اليهود إلى أورشليم ليقتله، وقد وصل به الحال أنه أكره عدداً كبيراً منهم على ترك الديانة اليهودية وجعل هيكلهم في أورشليم معبدا لإلهه.
رابعاً : وفى سنة ٦٣ق. م أغار الرومان بقيادة ( بامبيوس ) على أورشليم فاحتلوها، واستمر احتلالهم حتى سنة ٦١٤م. وخلال احتلال الرومان لفلسطين قام اليهود بعدة ثورات باءت كلها بالفشل، ولقوا بسبب تمردهم وعصيانهم من الرومان ألوانا من القتل والسبى والتشريد.
كان من أشهرها ما أنزله بهم " تيطس الرومانى " سنة ٧٠م فقد اقتحم في هذه السنة أورشليم فدمرها تدميراً، وقتل الآلاف من اليهود وأحرق هيكلهم.
خامساً : بعد هذه النماذج التي سقناها لما أنزله الرومان من عقوبات على اليهود، نتابع سيرنا في سرد بعض العقوبات التي أنزلها المسلمون باليهود بسبب بغيهم وخياناتهم فنقول : بعد هجرة النبى ﷺ إلى المدينة، عامل اليهود القاطنين والمجاورين لها معاملة طيبة، وعقد معهم معاهدة ضمنت لهم حقوقهم ولكنهم نقضوا عهودهم، ولم يتركوا وسيلة من وسائل الكيد للإسلام والمسلمين إلا فعلوها، وحاول الرسول ﷺ أن يثنيهم عن جحودهم وبغيهم ولكنهم لم يستجيبوا له. فعاقب ﷺ كل طائفة منهم بالعقوبة التي تناسب جرمهم وخيانتهم وتكفل للمسلمين أن يعيشوا في مأمن من شرورهم، ومن بين العقوبات التي أنزلها النبى ﷺ بهم إجلاؤه لبنى قينقاع ولبنى النضير عن المدينة، وقتله لبنى قريظة وإهداره لدم بعض كبرائهم ككعب بن الأشرف وسلام بن ابى الحقيق، ومحاربته ليهود خيبر ومصالحته لهم بعد مقتل عدد كبير منهم، ورفعهم راية الأمان، والاستسلام، وقبولهم الشروط التي اشترطها عليهم النبى ﷺ.
ولقد كان من آخر الكلمات التي نطق بها الرسول ﷺ قبل وفاته قوله موصيا أصحابه ( أخرجوا اليهود من جزيرة العرب لا يبقى في جزيرة العرب دينان ).
وفى عهد عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - تم إخراج جميع اليهود من جزيرة العرب، استجابة لوصية الرسول ﷺ.
سادساً : وفى ختام عرضنا لبعض العقوبات التي نزلت باليهود في الأزمنة المختلفة جزاء إجرامهم وإثارتهم للفتن نسوق بعض الأمثلة لما حل بهم على أيدى بعض الدول الأوربية.
( أ ) ففى بريطانيا : لقى اليهود في بعض العهود ألواناً من التعذيب، وصنوفاً من القتل والتشريد.
١ - من ذلك أن الملك الإنجيزى ( يوحنا ) أصدر أمرا بحبسهم في جميع أنحاء مملكته.
وفى سنة ١٣٢٨م جأر الشعب البريطانى بالشكوى من اليهود، فأصدر الملك ادوارد الاول أمرا بطرد اليهود من جميع البلاد البريطانية في غضون ثلاثة أشهر، إلا أن الشعب البريطانى لم يصبر على اليهود حتى تنقضى تلك المدة، بل أخذ يقتل منهم العشرات والمئات وفى قلعة ( بورك ) التي احتمى بها عدد كبير من اليهود أحرق الإنجليز أكثر من خمسمائة يهودى وقد اضطر الملك إلى ترحيلهم قبل انقضاء المدة لئلا يفتك الشعب بهم جميعا في كل مكان، وظلت بريطانيا خالية من اليهود طوال ثلاثة قرون تقريبا. ولكن عادوا إليها سنة ١٦٥٦م في عهد الطاغية ( كرومويل ) الذي اغتصب الملك ( شارل الأول ) بعد أن قدم له اليهود الأموال الطائلة في سبيل بلوغ أغراضه.
( ب ) وفى فرنسا : تعرض اليهود في أزمنة مختلفة لنقمة الشعب الفرنسى وغضبه، لأنهم دمروا اقتصاده الوطنى، وخنقوه بالربا الفاحش، والمعاملات السيئة.
١ - ففى عهد ( لويس التاسع ) تدهورت الحالة الاقتصادية في فرنسا فأصدر أمرا بإلغاء ثلث ما لليهود على الفرنسيين من ديون، ثم أصدر أمرا بإحراق جميع كتبهم المقدسة، وخاصة التلمود. وقد قال أحد المؤرخين إنهم أحرقوا في باريس وحدها محمول أربع وعشرين مركبة من نسخ التلمود وغيرها ).
٢ - وخلال تولى ( فيليب الجميل ) حكم فرنسا. أنزل الفرنسيون باليهود صنوفا من القتل والنهب والتشريد، ثم طردوا من فرنسا نهائيا، ولكنهم عادوا إليها بعد أن دفعوا ( لفيليب ) ثلثى الديون التي لهم في فرنسا.
٣ - وفى سنة ١٣٢١م هاجمهم الشعب الفرنسى وذبح عددا كبيرا منهم، ونكل بهم تنكيلا شديدا، ثم طردوا من فرنسا بعد أن نهبت أموالهم ولم يستطيعوا العودة إليها إلا في أواسط القرن السادس عشر.
٤ - وفى أوائل القرن التاسع عشر حاول ( نابليون ) أن يستغلهم لبلوغ مطامعه، ولكنهم خانوه، فاحتقرهم، وبطش بعدد منهم، وقال عنهم إنهم حثالات البشر وجراثيمه.
ولم ينج اليهود من بطش الشعب الفرنسى إلا في القرنين التاسع عشر والعشرين.
( ج ) وفى إيطاليا، حاربهم البابوات حربا شعواء وأطلقوا عليهم اسم ( الشعب المكروه ) وأغروا الشعب الإيطالى بهم فأعمل فيهم القتل والتشريد وقد أصدر البابوات مراسيم عديدة لتكفير اليهود وتسفيه ديانتهم القائمة على التلمود.
وفى سنة ١٢٤٢م أعلن البابا ( جريجورى ) التاسع اتهامات صريحة ضد التلمود الذي يطعن في المسيح والمسيحية، وأصدر أوامره بإحراقه فأحرقت جميع نسخه.
وفى سنة ١٥٤٠ ثار الشعب الإيطالى على اليهود ثورة عارمة قتل فيها الآلاف منهم وطردوا من بقى حيا خارج إيطاليا.
( د ) وفى أسبانيا : ذاق اليهود من الشعب الأسبانى وملوكه صنوف الذل وألوان الهوان، ولم يظفروا بالراحة إلا في أيام الحكم الإسلامى لأسبانيا. ولنكتف بذكر عقوبة واحدة من العقوبات المتعددة التي نزلت بهم في تلك البلاد.
فى عهد الملك ( فرديناند ) وزوجته ( إيزابلا ) وصلت موجة السخط على اليهود أقصاها ؛ لتغلغلهم في الحياة الأسبانية، واستيلائهم على اقتصادها وإشعالهم نار الخلافات الدينية بين الطوائف... فرأى الملك وزوجته أن خير وسيلة لوقاية البلاد من شرورهم هى طردهم من أسبانيا طردا نهائيا.
وفى ٣١ من مارس سنة ١٩٥٢ صدر المرسوم التالى عن الملك ( فرديناند ) :( يعيش في مملكتنا عدد غير قليل من اليهود، ولقد أنشأنا محاكم التفتيش منذ اثنتى عشرة سنة. وهى تعمل دائما على توقيع العقوبة على المذنيين، وبناء على التقارير التي رفعتها لنا محاكم التفتيش، ثبت أن الصدام الذي يقع بين المسيحيين واليهود يؤدى إلى ضرر عظيم، ويؤدى بالتالى إلى القضاء على المذهب الكاثوليكى، ولذا قررنا نفى اليهود ذكورا وإناثا خارج حدود مملكتنا وإلى الأبد وعلى اليهود جميعا الذين يعيشون في بلادنا وممتلكاتنا ومن غير تميز في الجنس أو الأعمال أن يغادروا البلاد في غضون فترة أقصاها نهاية يوليو من نفس العام، وعليهم ألا يحاولوا العودة تحت أى ظرف أو سبب.
وبمقتضى هذا القرار طرد اليهود شر طردة من أسبانيا بعد أن أرغموا على ترك ذهبهم ونقودهم، وبعد أن نفثوا سمومهم في أسبانيا زهاء سبعة قرون وكان عددهم عندما خرجوا منها مطرودين يبلغ ن
و ﴿أُمَماً﴾ حال من مفعول ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ﴾ أو مفعول ثان لقطعناهم على أنه بمعنى صيرناهم.
أى : أن هؤلاء اليهود قد مزقناهم في الأرض شر ممزق بسبب عصيانهم وفسوقهم، وصيرناهم فرقا متقطعة الأوصال، مشتتة الأهواء. وقوله ﴿مِّنْهُمُ الصالحون وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك﴾ بيان حالهم.
أى : من هؤلاء اليهود قلة آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فصلح حالها، وحسنت عاقبتها، ومنهم كثرة منحطة عن رتبة أولئك المؤمنين الصالحين، بسبب فسوقهم عن أمر الله، وانتهاكهم لحرماته.
والجملة من المبتدأ والخبر، في موضع نصب على أنها صفة ل ﴿أُمَماً﴾.
وقوله ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك﴾ الجار والمجرور خبر مقدم ﴿دُونَ ذلك﴾ نعت لمنعوت محذوف هو المبتدأ والتقدير : ومنهم ناس أو جماعة دون ذلك.
وهذه الجملة الكريمة تدل على أن القرآن الكريم يستعمل الإنصاف والعدالة وتقرير الحقائق مع أعدائه وأتباعه على السواء، فهو يمدح من يستحق المديح، ويذم من هو أهل الذم، وما أحوج الناس في كل زمان ومكان إلى التخلق بهذه الأخلاق.
وقوله - تعالى - ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بالحسنات والسيئات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أى عاملناهم معاملة المبتلى الممتحن تارة بالنعم الكثيرة كالصحة والخصب وسعة الأرزاق، وتارة بالنقم المتنوعة كالجدب والأمراض والشدائد، لعلهم يرجعون إلى طاعة ربهم، ويتركون ما نهوا عنه من المعاصى والسيئات.
يقال : بلاه يبلوه بلوا، وابتلاه ابتلاء، إذا جربه واختبره، ولقد كانت نتيجة هذا الابتلاء والاختبار أن تكشفت الحقائق عن أن الكثرة من بنى إسرائيل سلكت طريق الضلالة والغواية، والقلة هى التي آمنت وأصلحت ولذا عاقب الله تلك الكثرة بالعقوبة التي تناسبها جزاءً وفاقا.
هذا، وما أخبر به القرآن من أن الله - تعالى - قد توعد بنى إسرائيل وأخبرهم بأنه سيسلط عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب بسبب كفرهم وفسوقهم قد شهد بصدقه التاريخ، وأيدته الحوادث، وهذه نماذج قليلة من تلك العقوبات التي نزلت بهم في الأزمنة المختلفة.
أولا : بعد وفاة سليمان - عليه السلام - حوالى سنة ٩٧٥ ق. م انقسمت مملكته إلى قسمين : مملكة الشمال، واسمها ( إسرائيل ) ومقرها ( السامرة ) وتتكون من الأسباط العشرة.
ومملكة الجنوب واسمها ( يهوذا ) ومقرها ( أورشليم ) وتتكون من سبطى يهوذا وبنيامين.
وقد استمرت المنازعات بين المملكتين مدة طويلة، انتهت بانقضاض ( سرجون ) ملك آشور على مملكة الشمال ( إسرائيل ) سنة ٧٢١ق. م فقتل الآلاف من رجالها، وأسر البقية منهم فرحلهم إلى ما وراء نهر الفرات، وقضى على هذه المملكة قضاء لم تقم لها بعده قائمة.
وأما مملكة الجنوب ( أورشليم ) فقد حاولت أن تتشبث بالبقاء، ولكن معاول الهدم غزتها من الشرق ومن الجنوب وكانت نهايتها على يد بختنصر البابلى سنة ٥٨٦ق. م.
ويصور أحد الكتاب الغربيين قصة النكبات التي أدت إلى زوال مملكة ( يهوذا وإسرائيل ) فيقول :( هى قصة نكبات وقصة تحررات لا تعود عليهم إلا بإرجاء النكبة القاضية، هى قصة ملوك همج يحكمون شعبا من الهمج، حتى إذا وافت سنة ٧٢١ق. م " محت يد الأسر الأشورى مملكة إسرائيل من الوجود، وزال شعبها من التاريخ زوالا تاما، وظلت مملكة يهوذا تكافح حتى أسقطها البابليون سنة ٨٥٦ق. م.
ثانيا : استرد اليهود بعض أنفاسهم بعد وقوعهم تحت حكم الفرس من حوالى سنة ٥٣٦ إلى سنة ٣٣٢ق.
م. سار إليهم ( بطليموس ) خليفة الإسكندر، فهدم القدس، ودك أسوارها، وأرسل منهم مائة ألف أسير إلى مصر، لأنهم ثاروا عليه.
ثالثاً : في سنة ٢٠ق. م تقريبا، وقع اليهود تحت سيطرة السلوقيين السوريين بعد انتصارهم على البطالسة، ورأى بعض الحكام السلوقيين من اليهود تمرداً وعصيانا، فأنزلوا بهم أشد العقوبات في عدة مواقع، وكان من أبرز المنكلين باليهود ( انطو خيوس ) ما يبن سنة ١٧٠. وسنة ١٦٨ق. م فقد هاجم ( أورشليم ) وهدم أسوارها وهيكلها. ونهب ما فيها من أموال وقتل من أهلها أربعين ألفا في ثلاثة أيام وباع مثل ذلك العدد عبيدا منهم ولم يفلت من يده إلا اليهود الذين هربوا إلى الجبال، وقد أقام ( أنطو خيوس ) قمة على أحد الجبال ليشاهد منها كل من يقترب من اليهود إلى أورشليم ليقتله، وقد وصل به الحال أنه أكره عدداً كبيراً منهم على ترك الديانة اليهودية وجعل هيكلهم في أورشليم معبدا لإلهه.
رابعاً : وفى سنة ٦٣ق. م أغار الرومان بقيادة ( بامبيوس ) على أورشليم فاحتلوها، واستمر احتلالهم حتى سنة ٦١٤م. وخلال احتلال الرومان لفلسطين قام اليهود بعدة ثورات باءت كلها بالفشل، ولقوا بسبب تمردهم وعصيانهم من الرومان ألوانا من القتل والسبى والتشريد.
كان من أشهرها ما أنزله بهم " تيطس الرومانى " سنة ٧٠م فقد اقتحم في هذه السنة أورشليم فدمرها تدميراً، وقتل الآلاف من اليهود وأحرق هيكلهم.
خامساً : بعد هذه النماذج التي سقناها لما أنزله الرومان من عقوبات على اليهود، نتابع سيرنا في سرد بعض العقوبات التي أنزلها المسلمون باليهود بسبب بغيهم وخياناتهم فنقول : بعد هجرة النبى ﷺ إلى المدينة، عامل اليهود القاطنين والمجاورين لها معاملة طيبة، وعقد معهم معاهدة ضمنت لهم حقوقهم ولكنهم نقضوا عهودهم، ولم يتركوا وسيلة من وسائل الكيد للإسلام والمسلمين إلا فعلوها، وحاول الرسول ﷺ أن يثنيهم عن جحودهم وبغيهم ولكنهم لم يستجيبوا له. فعاقب ﷺ كل طائفة منهم بالعقوبة التي تناسب جرمهم وخيانتهم وتكفل للمسلمين أن يعيشوا في مأمن من شرورهم، ومن بين العقوبات التي أنزلها النبى ﷺ بهم إجلاؤه لبنى قينقاع ولبنى النضير عن المدينة، وقتله لبنى قريظة وإهداره لدم بعض كبرائهم ككعب بن الأشرف وسلام بن ابى الحقيق، ومحاربته ليهود خيبر ومصالحته لهم بعد مقتل عدد كبير منهم، ورفعهم راية الأمان، والاستسلام، وقبولهم الشروط التي اشترطها عليهم النبى ﷺ.
ولقد كان من آخر الكلمات التي نطق بها الرسول ﷺ قبل وفاته قوله موصيا أصحابه ( أخرجوا اليهود من جزيرة العرب لا يبقى في جزيرة العرب دينان ).
وفى عهد عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - تم إخراج جميع اليهود من جزيرة العرب، استجابة لوصية الرسول ﷺ.
سادساً : وفى ختام عرضنا لبعض العقوبات التي نزلت باليهود في الأزمنة المختلفة جزاء إجرامهم وإثارتهم للفتن نسوق بعض الأمثلة لما حل بهم على أيدى بعض الدول الأوربية.
( أ ) ففى بريطانيا : لقى اليهود في بعض العهود ألواناً من التعذيب، وصنوفاً من القتل والتشريد.
١ - من ذلك أن الملك الإنجيزى ( يوحنا ) أصدر أمرا بحبسهم في جميع أنحاء مملكته.
وفى سنة ١٣٢٨م جأر الشعب البريطانى بالشكوى من اليهود، فأصدر الملك ادوارد الاول أمرا بطرد اليهود من جميع البلاد البريطانية في غضون ثلاثة أشهر، إلا أن الشعب البريطانى لم يصبر على اليهود حتى تنقضى تلك المدة، بل أخذ يقتل منهم العشرات والمئات وفى قلعة ( بورك ) التي احتمى بها عدد كبير من اليهود أحرق الإنجليز أكثر من خمسمائة يهودى وقد اضطر الملك إلى ترحيلهم قبل انقضاء المدة لئلا يفتك الشعب بهم جميعا في كل مكان، وظلت بريطانيا خالية من اليهود طوال ثلاثة قرون تقريبا. ولكن عادوا إليها سنة ١٦٥٦م في عهد الطاغية ( كرومويل ) الذي اغتصب الملك ( شارل الأول ) بعد أن قدم له اليهود الأموال الطائلة في سبيل بلوغ أغراضه.
( ب ) وفى فرنسا : تعرض اليهود في أزمنة مختلفة لنقمة الشعب الفرنسى وغضبه، لأنهم دمروا اقتصاده الوطنى، وخنقوه بالربا الفاحش، والمعاملات السيئة.
١ - ففى عهد ( لويس التاسع ) تدهورت الحالة الاقتصادية في فرنسا فأصدر أمرا بإلغاء ثلث ما لليهود على الفرنسيين من ديون، ثم أصدر أمرا بإحراق جميع كتبهم المقدسة، وخاصة التلمود. وقد قال أحد المؤرخين إنهم أحرقوا في باريس وحدها محمول أربع وعشرين مركبة من نسخ التلمود وغيرها ).
٢ - وخلال تولى ( فيليب الجميل ) حكم فرنسا. أنزل الفرنسيون باليهود صنوفا من القتل والنهب والتشريد، ثم طردوا من فرنسا نهائيا، ولكنهم عادوا إليها بعد أن دفعوا ( لفيليب ) ثلثى الديون التي لهم في فرنسا.
٣ - وفى سنة ١٣٢١م هاجمهم الشعب الفرنسى وذبح عددا كبيرا منهم، ونكل بهم تنكيلا شديدا، ثم طردوا من فرنسا بعد أن نهبت أموالهم ولم يستطيعوا العودة إليها إلا في أواسط القرن السادس عشر.
٤ - وفى أوائل القرن التاسع عشر حاول ( نابليون ) أن يستغلهم لبلوغ مطامعه، ولكنهم خانوه، فاحتقرهم، وبطش بعدد منهم، وقال عنهم إنهم حثالات البشر وجراثيمه.
ولم ينج اليهود من بطش الشعب الفرنسى إلا في القرنين التاسع عشر والعشرين.
( ج ) وفى إيطاليا، حاربهم البابوات حربا شعواء وأطلقوا عليهم اسم ( الشعب المكروه ) وأغروا الشعب الإيطالى بهم فأعمل فيهم القتل والتشريد وقد أصدر البابوات مراسيم عديدة لتكفير اليهود وتسفيه ديانتهم القائمة على التلمود.
وفى سنة ١٢٤٢م أعلن البابا ( جريجورى ) التاسع اتهامات صريحة ضد التلمود الذي يطعن في المسيح والمسيحية، وأصدر أوامره بإحراقه فأحرقت جميع نسخه.
وفى سنة ١٥٤٠ ثار الشعب الإيطالى على اليهود ثورة عارمة قتل فيها الآلاف منهم وطردوا من بقى حيا خارج إيطاليا.
( د ) وفى أسبانيا : ذاق اليهود من الشعب الأسبانى وملوكه صنوف الذل وألوان الهوان، ولم يظفروا بالراحة إلا في أيام الحكم الإسلامى لأسبانيا. ولنكتف بذكر عقوبة واحدة من العقوبات المتعددة التي نزلت بهم في تلك البلاد.
فى عهد الملك ( فرديناند ) وزوجته ( إيزابلا ) وصلت موجة السخط على اليهود أقصاها ؛ لتغلغلهم في الحياة الأسبانية، واستيلائهم على اقتصادها وإشعالهم نار الخلافات الدينية بين الطوائف... فرأى الملك وزوجته أن خير وسيلة لوقاية البلاد من شرورهم هى طردهم من أسبانيا طردا نهائيا.
وفى ٣١ من مارس سنة ١٩٥٢ صدر المرسوم التالى عن الملك ( فرديناند ) :( يعيش في مملكتنا عدد غير قليل من اليهود، ولقد أنشأنا محاكم التفتيش منذ اثنتى عشرة سنة. وهى تعمل دائما على توقيع العقوبة على المذنيين، وبناء على التقارير التي رفعتها لنا محاكم التفتيش، ثبت أن الصدام الذي يقع بين المسيحيين واليهود يؤدى إلى ضرر عظيم، ويؤدى بالتالى إلى القضاء على المذهب الكاثوليكى، ولذا قررنا نفى اليهود ذكورا وإناثا خارج حدود مملكتنا وإلى الأبد وعلى اليهود جميعا الذين يعيشون في بلادنا وممتلكاتنا ومن غير تميز في الجنس أو الأعمال أن يغادروا البلاد في غضون فترة أقصاها نهاية يوليو من نفس العام، وعليهم ألا يحاولوا العودة تحت أى ظرف أو سبب.
وبمقتضى هذا القرار طرد اليهود شر طردة من أسبانيا بعد أن أرغموا على ترك ذهبهم ونقودهم، وبعد أن نفثوا سمومهم في أسبانيا زهاء سبعة قرون وكان عددهم عندما خرجوا منها مطرودين يبلغ ن