كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ﴾ ؛ أي خَلَفَ مِن بعد هؤلاءِ الذين قطَّعناهم في الأرضِ ذرِّيةُ سُوءٍ، وهم الذين أدرَكَهم النبيُّ ﷺ، قال ابنُ الأعرابي :(الْخَلَفُ بفَتْحِ اللاَّمِ الصَّالِحُ، وبإسكانِ اللام الطَّالِحُ)، قال لَبيدٌ : ذهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أكْنَافِهِمْ وَبَقِِيْتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبومنهُ قيلَ لرَدِّ الكلامِ خِلْفٌ، ومنه المثلُ السائر (سَكَتَ ألْفاً وَنَطَقَ خَلْفاً)، قال النَّضِرُ بنُ شُمَيلٍ :(الْخَلَفُ بِفَتْحِ اللاَّمِ وَإٍسْكَانِهَا فِي الْقَرْنِ السُّوءِ، وَأَمَّا الْقَرْنُ الصَّالِحُ فَتَحْرِيكُهَا لاَ غَيْرَ، قَالَ الشَّاعِرُ : إنَّا وَجْدَنَا خَلْفَنَا بئسَ الْخَلْفِ عَبْداً إذا مَا نَاءَ بالْحِمْلِ خَضَفْوقال محمَّد بن جرير :(أكْثَرُ مَا جَاءَ فِي الْمَدْحِ بفتحِ اللاَّمِ، وَفِي الذمِ بِتَسْكِينِهَا، وقد تُحرَّكُ في الذمِّ ويُسَكَّنُ في المدحِ. قال حسَّانٌ في المدحِ : لَنَا الْقَدَمُ الأُوْلَى إلَيْكَ وَخَلْفُنَا لأَوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللهِ تَابعُقال :(وَأحْسَبُهُ فِي الذمِّ مَأْخوذٌ مِنْ خَلْفِ اللَّبَنِ إذا حَمِضَ مِنْ طُولِ تَرْكِهِ فِي السِّقَاءِ حَتَّى يَفْسَدَ، وَِِِِمِنْهُ قَوْلُهُم : خَلْفُ فَمِ الصَّائِمِ ؛ إذا تَغَيَّرَتْ ريحُهُ وَفَسَدَتْ، فَكَأَنَّ الرَّجُلَ الْفَاسَدَ مُشَبَّهٌ بهِ). والحاصلُ أنَّ كُلاً منهما يُستعملان في الشرِّ الخيرِ، إلاَّ أنَّ أكثرَ الاستعمالِ في الخيرِ بالفتح.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرِثُواْ الْكِتَابَ﴾ أي التَّوراة، والميراثُ ما صارَ للباقي من جهةِ البَادِي كأنه قال فخَلَفَ من بعدِ الهالِكين منهم خَلْفٌ وَرُثوُا الكتابَ. وقولهُ تعَالى :﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـاذَا الأَدْنَى﴾ ؛ يعني به أخْذُ الرَّشوةِ في الْحُكمِ ؛ لتغيِّر الحقَّ إلى الباطلِ. وقال بعضُهم : كانوا يحكِمُون بالحقِّ لكن بالرَّشوة، وإنما سُمي متاعُ الدنيا عَرَضاً لقلَّة بقائهِ كأنه يعرضُ فيزول. قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿هَـاذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾[الأحقاف: ٢٤] أرادَ بذلك السَّحابَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ ؛ أي يقولون مع أخذِهم الرَّشوة أنه سيُغفَرُ لنا ذلك، وما عمِلناهُ باللَّيل كُفِّرَ عنا بالنهار، وما علمناهُ بالنهار كُفِّرَ عنا بالليلِ، ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ ؛ معناهُ : وإنْ عرضَ لهم ذنبٌ آخر عَمِلُوهُ، وفي هذا بيانُ أنَّهم كانوا يُصِرُّونَ على الذنب وأكلِ الحرام، وكانوا يستَغفِرُونَ مع الإصرار، فكيف يُغفَرُ لهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ ؛ معناهُ : ألَمْ يُؤخذ عليهم الميثاقُ في التَّوراةِ ألاَ يقولوا على اللهِ إلا الصِّدقَ، وكان في التوراةِ أنَّ مَن ارتكبَ ذنباً عظيماً لَمْ يُغفر له بالتوبةِ، ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾ ؛ فكانوا يدرسون ما في التَّوراةِ، ويذكرون ما أُخذ عليهم من المواثيقِ، يقولون مع إصرارِهم على الذُّنوب : سيُغفَرُ لنا.
وقال الحسنُ :(مَعْنَى الآيَةِ أنَّهُمْ كَانُواْ يَأْخُذُونَ الدُّنْيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حُرِّمَ عَلَيهِمْ وَيُمْنَعُونَ كُلَّ حَقٍّ، وَيُنْفِقُونَ فِي كُلِّ سَرَفٍ، وَيَتَمَنَّونَ مَعَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ عَلَى اللهِ الأَمَانِيَّ، وَيَقُولُونَ : سَيُغْفَرُ لَنَا، وإنْ يأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ كَمَا أخَذُوأْ، ألَمْ يَعْرِفُواْ فِي الْكِتَاب خِلاَفَ مَا هُمْ عَلَيْهِ). وقرأ السلميُّ :(وَادَّارَسُوا فِيْهِ مِثْلَ ادَّارَكُواْ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ؛ أي يتَّقونَ المعاصي والشِّرك وأكلِ الحرامِ، ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ؛ ما يَدرُسون في كتابهم، وَقِيْلَ : أفلاَ يعقِلُونَ أن الإصرارَ على الذنب ليس من علامةِ المغفور لَهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى