الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾. اختلفوا في ما قال : فبعضهم قال : هو استفهام يعني فبأي شيء أغويتني ثمّ ابتدأ فقال ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ فقيل : هو ما الجزاء يعني فإنّك أغويتني لأجل أنك أغويتني لأقعدن، وقيل : هو ما المصدر في موضع القسم تقديره : بإغوائك إياي لأقعدن كقوله
﴿بِمَا غَفَرَ لِي﴾ [يس: ٢٧] يعني بغفران ربّي.
وقوله أغويتني أضللتني عن الهدى. وقيل : أهلكتني، من قول العرب غوى الفصيل [ يعني ] غوي وذلك إذا فقد اللبن فمات. قال الشاعر :
معطفة الأثناء ليس فصيلهابرازئها دراً ولا ميّت غوى
وحكى عن بعض قبائل طي أنها تقول : أصبح فلان غاوياً أي مريضاً غاراً، وقال محمد بن جرير : أصل الإغواء في كلام العرب تزيين الرجل للرجل الشيء حتّى يحسنه عنده غاراً له.
قال الثعلبي : وأخبرنا أبو بكر محمد بن محمد الحسين بن هاني قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن محمد [ الراوساني ] قال : حدثنا عليّ بن سلمة قال : حدثنا أبو معاوية الضرير عن رجل لم يسمّ قال : كنت [ عند ] طاووس في المسجد الحرام فجاء رجل ممّن يرمي القدر من كبار الفقهاء فجلس إليه فقال طاووس :[ يقوم أو يقام ] فقام الرجل فقال لطاووس : تقول هذا الرجل فقيه، فقال إبليس : أفقه منه بقول إبليس ربِ بما أغويتني ويقول : هذا أنا أغوي نفسي.
﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ يعني لأجلسنّ [ لبني آدم ] على طريقك القويم وهو الإسلام كما قال أوعجلتم أمر ربّكم يعني عن أمر ربّكم.
وروي عن النبيّ ﷺ أنّه كان يقول :" إن الشيطان قعد لبني آدم بطرق فقعد له بطريق الإسلام فقال له : أتسلم وتذر دينك ودين آبائك، فعصاه فأسلم ثمّ قعد له بطريق الهجرة فقال : أتهاجر وتذر أرضك وسماءك فإنّما مثل المهاجر كالفرس في الطول. فعصاه وهاجر ثمّ قعد له بطريق الجهاد وهو جهد النفس والمال فقال : أتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال فعصا له وجاهد ".
وعن عون بن عبد الله ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال : طريق مكّة

تفسير هذه الآية من كتب أخرى