زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ﴾ فاتبعنا منهاجهم على جهل منا بآلهيتك ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ في دعواهم أن معك إلها، فقطع الله احتجاجهم بمثل هذا، إذ أذكرهم أخذ الميثاق على كل واحد منهم. وجماعة أهل العلم على ما شرحنا من أنه استنطق الذر، وركب فيهم عقولا وأفهاما عرفوا بها ما عرض عليهم. وقد ذكر بعضهم أن معنى أخذ الذرية : إخراجهم إلى الدنيا بعد كونهم نطفا، ومعنى إشهادهم على أنفسهم : اضطرارهم إلى العلم بأنه خالقهم بما ظهر لهم من الآيات والبراهين. ولما عرفوا ذلك ودعاهم كل ما يرون ويشاهدون إلى التصديق، كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهدين على أنفسهم بصحته، كما قال :﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] يريدهم بمنزلة الشاهدين، وإن لم يقولوا : نحن كفرة، كما يقول الرجل : قد شهدت جوارحي بصدقك، أي : قد عرفته. ومن هذا الباب قوله :﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٩] أي : بين وأعلم وقد حكى نحو هذا القول ابن الأنباري، والأول أصح، لموافقة الآثار.