الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿سَآءَ مَثَلاً﴾ :" ساء " بمعنى بئس، وفاعلها مضمر فيها و " مثلاً " تمييزٌ مفسِّر له، وقد تقدَّم غيرَ مرة أنَّ فاعل هذا الباب إذا كان ضميراً يُفَسَّر بما بعده ويُسْتَغْنى عن تثنيته وجمعه وتأنيثه بتثنية التمييز وجمعه وتأنيثه عند البصريين. وتقدَّم أن " ساءَ " أصلُها التعدِّي لمفعولٍ، والمخصوصُ بالذم لا يكون إلا من جنسِ التمييز/، والتمييز مفسِّر للفاعلِ فهو هو، فلزم أن يَصْدُقَ الفاعلُ والتمييز والمخصوصُ على شيءٍ واحد. إذا عُرِف هذا فقوله " القوم " غيرُ صادقٍ على التمييز والفاعل، فلا جَرَمَ أنه لا بد من تقدير محذوف : إمَّا من التمييز، وإمَّا من المخصوص، فالأولُ يقدَّر : ساء أصحاب مَثَل، أو أهل مثل القوم، والثاني يُقَدَّر : ساء مَثَلاً مثلُ القوم، ثم حُذِف المضاف في التقديرين وأقيم المضاف إليه مُقامه، وهذه الجملةُ تأكيدٌ للتي قبلها.
وقرأ الحسن والأعمش وعيسى بن عمر :" ساء مثلُ القوم " برفع " مثل " مضافاً للقوم. والجحدري رُوِي عنه كذلك، وروي عنه كسرُ الميم وسكونُ الثاء ورفعُ اللام وجَرُّ القوم. وهذه القراءةُ المنسوبةُ لهؤلاء الجماعة تحتمل وجهين، أحدهما : أن تكون " ساء " للتعجب مبنية تقديراً على فَعُل بضم العين كقولهم :" لقَضُو الرجل "، و " مثل القوم " فاعل بها، والتقدير : ما أسوأ مثلَ القوم، والموصولُ على هذا في محلِّ جرٍ نعتاً لقوم. والثاني : أنها بمعنى بئس، ومَثَلُ القوم فاعل، والموصولُ على هذا في محل رفعٍ لأنه المخصوصُ بالذمِّ، وعلى هذا فلا بد مِنْ حَذْف مضاف ليتصادقَ الفاعلُ والمخصوصُ على شيءٍ واحد. والتقدير : ساءَ مثلُ القومِ مثل الذين. وقَدَّر الشيخ تمييزاً في هذه القراءة وفيه نظرٌ، إذ لا يحتاج إلى تمييز إذا كان الفاعلُ ظاهراً حتى جَعَلوا الجمع بينهما ضرورةً كقوله :
تَزوَّدْ مثلَ زادِ أبيك فينافنعمَ الزَّادُ زادُ أبيك زادا
وفي المسألة ثلاثةُ مذاهب : الجوازُ مطلقاً، والمنع مطلقاً، والتفصيل : فإن كان مغايراً للفظِ ومفيداً فائدةً جديدة جاز نحو : نعم الرجل شجاعاً زيد، وعليه قوله :
تخيَّرَهُ فلم يَعْدِلْ سواهفنِعْمَ المرءُ مِنْ رجلٍ تَهامي
قوله :﴿وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ مفعول ل " يظلمون "، وفيه دليلٌ على تقديم خبر كان عليها ؛ لأنَّ تقديم المعمول يُؤْذِنُ بتقديم العامل غالباً. وقلت " غالباً " لأن ثَمَّ مواضع يمتنع فيها ذلك نحو ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ﴾
[الضحى: ٩] فاليتيم مفعول ب " تقهر " ولا يجوز تقديم " تقهر " على جازِمِه، وهو محتملٌ للبحث.
وهذه الجملة الكونيةُ تحتمل وجهين، أحدهما : أن تكونَ نسقاً على الصلة وهي " كَذَّبوا بآياتنا ". والثاني : أن تكون مستأنفة، وعلى كلا القولين فلا محلَّ لها، وقُدِّمَ المفعولُ ليفيدَ الاختصاص، وهذا على طريق الزمخشري وأنظاره.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى