اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ الآية.
اللام في [ قوله ] لجهنَّمَ يجوزُ فيها وجهان :
أحدهما : أنَّها لامُ الصيرورة والعاقبة، وإنَّما احتاج هذا القائلُ إلى كونها لام العاقبة كقوله تعالى :﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فهذه علةٌ معتبرةٌ محصورة، فكيف تكون هذه العلة أيضاً ؟ وأورد من ذلك أيضاً قول الشاعر :[ الوافر ]
وقول الآخر :[ الطويل ]
وقول الآخر :[ الطويل ]
الثاني : أنها للعلة، وذلك أنَّهُم لمَّا كان مآلهم إليها، جعل ذلك سبباً على طريق المجاز. وقد ردَّ ابنُ عطيَّة على من جعلها لامَ العاقبة، فقال : وليس هذا بصحيح ولام العاقبة إنَّما تُتَصَوَّرُ إذا كان فعل الفاعل لم يُقْصَدْ مصيرُ الأمر إليه، وأمَّا هنا فالفعلُ قُصِد به ما يصير الأمر إليه من سُكْناهم لجهنم واللاَّم على هذا متعلقة ب ذَرَأنَا، ويجوز أن تتعلَّق بمحذوف على أنَّهُ حال من كَثِيراً ؛ لأنه في الأصل صفة لها، لو تأخَّرَ، ولا حاجة إلى ادِّعاءِ قلب، وأنَّ الأصل :﴿ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ لكَثِير﴾ ؛ لأنَّهُ ضرورةٌ أو قليلٌ، و " مِنَ الجِنِّ " صفة ل " كَثِيراً ".
ومعنى ﴿ذَرَأْنَا﴾ خلقنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس، أخبر الله تعالى أنه خلق كثيراً من الجن والإنس للنار، وهم الذينَ حقت عليهم الْكلمة الأزليَّة بالشّقاوة، ومن خلقه الله لجهنَّمَ، فلا حيلة له في الخَلاصِ منها.
قالت عائشةُ :" أدرك النّبيُّ ﷺ جنازة صبيٍّ من صبيان الأنْصَارِ، فقالت عائشةُ له : طُوبى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الجَنَّةِ. فقال ﷺ : وما يدريكِ ؟ إنَّ الله خَلَقَ الجَنَّةَ وَخلَقَ لَهَا أَهْلاً وَهُمْ في أصْلابِ آبَائِهِمْ وخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلاً وهُمْ في أَصْلابِ آبائِهِمْ " (٤)
هذه الآية أيضاً تَدُلُّ على مسألة خلق الأعمالِ، لأنَّهُ تعالى صرَّحَ بأنَّهُ خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم ولا مزيد على بيان كلام اللَّهِ، وأيضاً انه لمَّا أخبر عنهم أنَّهُم من أهل النَّارِ، فلو لم يكونوا من أهل النَّارِ انقلب علم اللَّهِ جهلاً، وخبره الصِّدق كذباً، وكل ذلك محال ومن علم كون الشَّيءِ محالاً امتنع أن يريدهُ، فامتنع أن الله تعالى يريد أن لا يدخلهم النار بل يجب أن يريد أن يدخلهم النار، وذلك هو الذي دَلَّ عليه لفظ الآية، وأيضاً إنَّ القادرَ على الكُفْرِ إن لم يقدر على الإيمان، فالذي خلق فيه القدرة على الكُفْرِ فقد أرادَ أن يدخله النار، وإن كان قادراً على الكفر والإيمان معاً ؛ امتنع رجحان أحد الطَّرفين على الآخر لا لمرجح وذلك المرجح إن حصل من قبله لزم التسلسل، وإن حصل من قبل اللَّهِ تعالى، فهو المرادُ.
فلمَّا كان هو الخالقُ للدَّاعية الموجبة للكفر فقد خلقه للنَّارِ قطعاً، وأيضاً : لو خلقه اللَّهُ تعالى للجنَّةِ وأعانه على اكتساب ما يوجب دخول الجنَّةِ، ثم قدرنا أنَّ العبد سعى في تحصيل الكُفْرِ الموجب لدُخُولِ النَّارِ، فحينئذٍ حصل مُرَادُ العبدِ، ولم يحصل مرادُ اللَّهِ تعالى فلزمَ كون العبد أقدر وأقوى من اللَّهِ، وذلك لا يقوله عاقلٌ، وأيضاً : إنَّ العاقلَ لا يريدُ الكُفْرَ والجهل الموجب لاستحقاق النار، وإنما يريدُ الإيمان والمعرفة الموجبة لاستحقاق الجنَّةِ فلما حصل الكفر، والجهل على خلاف قصد العبد وضد جدّه واجتهاده ؛ وجب أن لا يكون حصوله من قبل العبد، بل يجبُ أن يكون حصوله من الله تعالى.
فإن قيل : العبْدُ إنَّما سعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الفَاسِد ؛ لأنَّهُ اشتبه عليه الأمر وظن أنه الحقُّ الصَّحيحُ.
فنقولُ : فعلى هذا التقدير إنَّما وقع في هذا الجَهْلِ لأجل ذلك الجَهْلِ المتقدِّم، فإن كان إقدامه على ذلك الجهل السَّابق لجهل آخر سابق، لزم التسلسل، وهو محال، وإن انتهى إلى جهل حصل ابتداء لا لسابقة جهل آخر، فقد توجه الإلزام.
قالت المعتزلة : لا يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم، لأن كثيراً من الآيات دلت على أنه تعالى أراد من الكل الطاعة والعبادة.
قال تعالى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ أِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله﴾ [النساء: ٦٤] وقال :﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ﴾ [الفرقان: ٥٠] وقال :﴿هُوَ الذي يُنَزِّلُ على عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ [الحديد: ٩].
وقال :﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط﴾ [الحديد: ٢٥].
وقال ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠].
وقال :﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وأمثال هذه الآيات كثيرة. ونحن نعلم بالضَّرورة أنه لا يجوز وقوع التناقض في القرآن، فعلمنا أنَّه لا يُمْكنُ حَمْلُ قوله :﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجن والإنس﴾ على ظاهره.
الثاني : أنه تعالى قال بعدها :﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ ذكر ذلك في معرض الذم لهم، ولو كانوا مخلوقين للنَّارِ ما كانُوا قادرين على الإيمان ألبتة وعلى هذا : فيقبح ذمُّهُم على تركِ الإيمان.
الثالث : أنَّه تعالى لو خلقهم للنَّارِ لما كان له على أحد من الكُفَّارِ نعمة أصلاً ؛ لأنَّ منافع الدُّنيا بالنسبة إلى العذاب الدائم، كالقطرة في البحر، وكان كمن دفع إلى إنسان حلوى مسمومة فإنَّه لا يكون منعماً عليه، فكذا ههنا، ولمَّا كان القرآن مملُوءاً من كثرة نعم الله على كل الخَلْق علمنا أنَّ الأمر ليس كما ذكرتم.
الرابع : أنَّ المَدْحَ والذَّمَّ، والثَّواب والعقاب، والترغيب والترهيب، يبطل هذا المذهب الذي ينصرونه.
الخامس : لو خلقهم للنَّارِ، لوجب أن يخلقهم ابتداء في النَّارِ ؛ لأنَّه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم.
السادس : أن قوله :﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ متروك الظَّاهر، لأنَّ جهنَّم اسم للموضع المعين، ولا يجوز أن يكون الموضع المعيَّن مراداً منه، فثبت أنه لا بد وأن يقال : إن ما أراد الله لخلقه منهم محذوف. وكأنَّهُ قال : وقد ذَرَأنَا لكي يكفروا، فيدخلوا جهنم، فصارت الآية متروكة الظَّاهر، فيجب بناؤها على قوله :﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس﴾ [الذاريات: ٥٦] لأن ظاهرها يصح بدون حذف.
السابع : أنه إذا كان المرادُ أنَّهُ ذرأهم لكي يكفروا، فيصيروا إلى جهنم، عاد الأمر في تأويلهم إلى أن هذه اللاَّم لام العاقبة، لكنهم يجعلونها للعاقبة مع أنَّهُ لا استحقاق للنَّار ونحن قد تأولناها على عاقبة حاصلة مع استحقاق النار. فكان قولنا أولى.
فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه الآية على ظاهرها، فوجب المصير إلى التأويل، وتقريره : أنه لما كانت عاقبة كثيرة من الجن والإنس هي دخول النَّارِ. جاز ذكر هذه اللاَّم بمعنى العاقبة.
ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والشِّعر.
أمَّا القرآنُ فقوله تعالى :﴿وكذلك نُصَرِّفُ الآيات وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥].
ومعلوم أنه تعالى ما صرفها ليقولوا ذلك ؛ لكنَّهم لمَّا قالُوا ذلك حسن ورود هذا اللفظ.
وقال تعالى :﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الحياة الدنيا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ﴾ [يونس: ٨٨].
وقال :﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨]. ولم يلتقط لهذا الغرض، إلاَّ أنه لمَّا كانت عاقبة أمرهم ذلك حسن هذا اللفظ.
وأما الشعر فقوله :[ الطويل ]
وقال :[ البسيط ]
وقال :[ الوافر ]
وقال :[ المتقارب ]
هذا منتهى كلام المعتزلة.
واعلم أنَّ المصير إلى التَّأويل إنَّما يَحْسُنُ إذا ثبت بالدَّليلِ العقليِّ امتناع حمل هذا اللَّفْظِ على ظاهره، وقد بيَّنَّا بالدليل العقليِّ أن الحقِّ ما دل عليه ظاهر اللفظ، فصار التَّأويل ههنا عبثاً، وأمَّ الآياتُ التي تمسكوا بها فمعارضة بالبحار الزاخرة من الآيات الدالة على مذهب أهل السُّنَّةِ، ومن جملتها ما قبل هذه الآية :﴿مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدي وَمَن يُضْلِلْ فأولئك هُمُ الخاسرون﴾ وما بعدها، وهو قوله :﴿والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ولمَّا كان ما قبل هذه الآية وما بعدها ليس إلاَّ ما يُقوى قولنا كان تأويل المعتزلة في هذه الآية ضعيفاً جداً.
قوله :" لَهُمْ قُلُوبٌ " جملة في محلِّ نصب إمَّا صفةً ل " كِثيراً " أيضاً، وإمَّا حالاً من :" كثيراً " وإن كان نكرة لتخَصُّصه بالوصفِ، أو من الضمير المستكن في مِنَ الجِنِّ ؛ لأنَّهُ تحمل ضميراً، لوقوعه صفة، ويجوز أن يكون لَهُمْ على حدته هو الوَصْفُ، أو الحالُ، وقُلُوبٌ فاعل به فيكون من باب الوصف بالمفرد، وهو أولى.
وقوله :" لا يَفْقَهُونَ بِهَا " وكذلك الجملةُ المنفيَّة في محلِّ النَّعْتِ لما قبلها، وهذا الوصفُ يكادُ يكونُ لازماً، لوروده في غير القرآن ؛ لأنَّهُ لا فائدة بدونه ؛ لو قلت : لزيد قَلْبٌ وله عَيْنٌ، وسَكَتَّ لم يظهر لذلك كبير فائدة.
المعنى : لَهُمْ قلوبٌ لا يعلمون بها الخير والهدى، ولهُم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بها طريق الحق، ولهُمْ آذانٌ لا يسمعُون بها مواعظ القرآن فيتفكرون فيها ويعتبرون. ثم ضرب لهم مثلاً في الجَهْلِ والاقتصار على الأكل والشرب، فقال :﴿أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ أي : أنَّ همتهم الأكل واشُّرب والتمتع بالشَّهواتِ ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ ؛ لأنَّ الأنعام تُميز بين المضار والمنافع فلا تقدمُ على المضار، وهؤلاء يقدمون بالشهوات على النَّار معاندةً مع العلم بالهلاك.
وقيل : لأنَّ الأنعام مطيعة للَّهِ تعالى والكافر غير مطيع.
وقال مقاتلٌ : هم أخطأ طريقاً من الأنعام ؛ لأنَّ الأنعام تعرفُ ربَّها، وهم لا يعرفون ربُّهم(٩) ولا يذكرونه.
وقيل : لأنَّها تفر إلى أربابها ومن يقوم بمصالحها، والكافِرُ يهرب عن ربِّه الذي أنعم عليه.
وقيل : لأنَّهَا تضل إذا لم يكن معها مرشد، فإن كان معها مرشد فقلما تضلُّ، وهؤلاء الكفار قد جاءهم الأنبياء وهم يزدادون في الضلال :{
اللام في [ قوله ] لجهنَّمَ يجوزُ فيها وجهان :
أحدهما : أنَّها لامُ الصيرورة والعاقبة، وإنَّما احتاج هذا القائلُ إلى كونها لام العاقبة كقوله تعالى :﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فهذه علةٌ معتبرةٌ محصورة، فكيف تكون هذه العلة أيضاً ؟ وأورد من ذلك أيضاً قول الشاعر :[ الوافر ]
| لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرابِ | . . . (١) |
| ألاَ كُلُّ مَوْلُودٍ فَلِلْموتِ يُولَدُ | ولَسْتُ أرَى حيّاً لِحَيٍّ يُخَلَّدُ(٢) |
| فَلِلْمَوتِ تَغْذُو الوَالِداتُ سخَالَهَا | كَمَا لِخرابِ الدُّور تُبْنَى المَسَاكِن(٣) |
فصل
ومعنى ﴿ذَرَأْنَا﴾ خلقنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس، أخبر الله تعالى أنه خلق كثيراً من الجن والإنس للنار، وهم الذينَ حقت عليهم الْكلمة الأزليَّة بالشّقاوة، ومن خلقه الله لجهنَّمَ، فلا حيلة له في الخَلاصِ منها.
قالت عائشةُ :" أدرك النّبيُّ ﷺ جنازة صبيٍّ من صبيان الأنْصَارِ، فقالت عائشةُ له : طُوبى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الجَنَّةِ. فقال ﷺ : وما يدريكِ ؟ إنَّ الله خَلَقَ الجَنَّةَ وَخلَقَ لَهَا أَهْلاً وَهُمْ في أصْلابِ آبَائِهِمْ وخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلاً وهُمْ في أَصْلابِ آبائِهِمْ " (٤)
فصل
هذه الآية أيضاً تَدُلُّ على مسألة خلق الأعمالِ، لأنَّهُ تعالى صرَّحَ بأنَّهُ خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم ولا مزيد على بيان كلام اللَّهِ، وأيضاً انه لمَّا أخبر عنهم أنَّهُم من أهل النَّارِ، فلو لم يكونوا من أهل النَّارِ انقلب علم اللَّهِ جهلاً، وخبره الصِّدق كذباً، وكل ذلك محال ومن علم كون الشَّيءِ محالاً امتنع أن يريدهُ، فامتنع أن الله تعالى يريد أن لا يدخلهم النار بل يجب أن يريد أن يدخلهم النار، وذلك هو الذي دَلَّ عليه لفظ الآية، وأيضاً إنَّ القادرَ على الكُفْرِ إن لم يقدر على الإيمان، فالذي خلق فيه القدرة على الكُفْرِ فقد أرادَ أن يدخله النار، وإن كان قادراً على الكفر والإيمان معاً ؛ امتنع رجحان أحد الطَّرفين على الآخر لا لمرجح وذلك المرجح إن حصل من قبله لزم التسلسل، وإن حصل من قبل اللَّهِ تعالى، فهو المرادُ.
فلمَّا كان هو الخالقُ للدَّاعية الموجبة للكفر فقد خلقه للنَّارِ قطعاً، وأيضاً : لو خلقه اللَّهُ تعالى للجنَّةِ وأعانه على اكتساب ما يوجب دخول الجنَّةِ، ثم قدرنا أنَّ العبد سعى في تحصيل الكُفْرِ الموجب لدُخُولِ النَّارِ، فحينئذٍ حصل مُرَادُ العبدِ، ولم يحصل مرادُ اللَّهِ تعالى فلزمَ كون العبد أقدر وأقوى من اللَّهِ، وذلك لا يقوله عاقلٌ، وأيضاً : إنَّ العاقلَ لا يريدُ الكُفْرَ والجهل الموجب لاستحقاق النار، وإنما يريدُ الإيمان والمعرفة الموجبة لاستحقاق الجنَّةِ فلما حصل الكفر، والجهل على خلاف قصد العبد وضد جدّه واجتهاده ؛ وجب أن لا يكون حصوله من قبل العبد، بل يجبُ أن يكون حصوله من الله تعالى.
فإن قيل : العبْدُ إنَّما سعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الفَاسِد ؛ لأنَّهُ اشتبه عليه الأمر وظن أنه الحقُّ الصَّحيحُ.
فنقولُ : فعلى هذا التقدير إنَّما وقع في هذا الجَهْلِ لأجل ذلك الجَهْلِ المتقدِّم، فإن كان إقدامه على ذلك الجهل السَّابق لجهل آخر سابق، لزم التسلسل، وهو محال، وإن انتهى إلى جهل حصل ابتداء لا لسابقة جهل آخر، فقد توجه الإلزام.
قالت المعتزلة : لا يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم، لأن كثيراً من الآيات دلت على أنه تعالى أراد من الكل الطاعة والعبادة.
قال تعالى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ أِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله﴾ [النساء: ٦٤] وقال :﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ﴾ [الفرقان: ٥٠] وقال :﴿هُوَ الذي يُنَزِّلُ على عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ [الحديد: ٩].
وقال :﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط﴾ [الحديد: ٢٥].
وقال ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠].
وقال :﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وأمثال هذه الآيات كثيرة. ونحن نعلم بالضَّرورة أنه لا يجوز وقوع التناقض في القرآن، فعلمنا أنَّه لا يُمْكنُ حَمْلُ قوله :﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجن والإنس﴾ على ظاهره.
الثاني : أنه تعالى قال بعدها :﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ ذكر ذلك في معرض الذم لهم، ولو كانوا مخلوقين للنَّارِ ما كانُوا قادرين على الإيمان ألبتة وعلى هذا : فيقبح ذمُّهُم على تركِ الإيمان.
الثالث : أنَّه تعالى لو خلقهم للنَّارِ لما كان له على أحد من الكُفَّارِ نعمة أصلاً ؛ لأنَّ منافع الدُّنيا بالنسبة إلى العذاب الدائم، كالقطرة في البحر، وكان كمن دفع إلى إنسان حلوى مسمومة فإنَّه لا يكون منعماً عليه، فكذا ههنا، ولمَّا كان القرآن مملُوءاً من كثرة نعم الله على كل الخَلْق علمنا أنَّ الأمر ليس كما ذكرتم.
الرابع : أنَّ المَدْحَ والذَّمَّ، والثَّواب والعقاب، والترغيب والترهيب، يبطل هذا المذهب الذي ينصرونه.
الخامس : لو خلقهم للنَّارِ، لوجب أن يخلقهم ابتداء في النَّارِ ؛ لأنَّه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم.
السادس : أن قوله :﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ متروك الظَّاهر، لأنَّ جهنَّم اسم للموضع المعين، ولا يجوز أن يكون الموضع المعيَّن مراداً منه، فثبت أنه لا بد وأن يقال : إن ما أراد الله لخلقه منهم محذوف. وكأنَّهُ قال : وقد ذَرَأنَا لكي يكفروا، فيدخلوا جهنم، فصارت الآية متروكة الظَّاهر، فيجب بناؤها على قوله :﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس﴾ [الذاريات: ٥٦] لأن ظاهرها يصح بدون حذف.
السابع : أنه إذا كان المرادُ أنَّهُ ذرأهم لكي يكفروا، فيصيروا إلى جهنم، عاد الأمر في تأويلهم إلى أن هذه اللاَّم لام العاقبة، لكنهم يجعلونها للعاقبة مع أنَّهُ لا استحقاق للنَّار ونحن قد تأولناها على عاقبة حاصلة مع استحقاق النار. فكان قولنا أولى.
فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه الآية على ظاهرها، فوجب المصير إلى التأويل، وتقريره : أنه لما كانت عاقبة كثيرة من الجن والإنس هي دخول النَّارِ. جاز ذكر هذه اللاَّم بمعنى العاقبة.
ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والشِّعر.
أمَّا القرآنُ فقوله تعالى :﴿وكذلك نُصَرِّفُ الآيات وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥].
ومعلوم أنه تعالى ما صرفها ليقولوا ذلك ؛ لكنَّهم لمَّا قالُوا ذلك حسن ورود هذا اللفظ.
وقال تعالى :﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الحياة الدنيا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ﴾ [يونس: ٨٨].
وقال :﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨]. ولم يلتقط لهذا الغرض، إلاَّ أنه لمَّا كانت عاقبة أمرهم ذلك حسن هذا اللفظ.
وأما الشعر فقوله :[ الطويل ]
| ولِلْمَوْتِ تَغْذُوا الوالِدَاتُ سِخَالَهَا | كَمَا لِخَرابِ الدُّور تُبْنَى المَسَاكِنُ(٥) |
| أمْوالُنَا لِذَوي الميراثِ نَجْمَعُهَا | ودُورنا لِخرابِ الدَّهْرِ نَبْنِيهَا(٦) |
| لَه مَلكٌ يُنَادِي كُلَّ يَوْمٍ | لِدُوا للْمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرَابِ(٧) |
| فأُمَّ سِمَاكٍ فلا تَجْزَعِي | فَلِلموتِ ما تَلِدُ الوالِدَة(٨) |
واعلم أنَّ المصير إلى التَّأويل إنَّما يَحْسُنُ إذا ثبت بالدَّليلِ العقليِّ امتناع حمل هذا اللَّفْظِ على ظاهره، وقد بيَّنَّا بالدليل العقليِّ أن الحقِّ ما دل عليه ظاهر اللفظ، فصار التَّأويل ههنا عبثاً، وأمَّ الآياتُ التي تمسكوا بها فمعارضة بالبحار الزاخرة من الآيات الدالة على مذهب أهل السُّنَّةِ، ومن جملتها ما قبل هذه الآية :﴿مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدي وَمَن يُضْلِلْ فأولئك هُمُ الخاسرون﴾ وما بعدها، وهو قوله :﴿والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ولمَّا كان ما قبل هذه الآية وما بعدها ليس إلاَّ ما يُقوى قولنا كان تأويل المعتزلة في هذه الآية ضعيفاً جداً.
قوله :" لَهُمْ قُلُوبٌ " جملة في محلِّ نصب إمَّا صفةً ل " كِثيراً " أيضاً، وإمَّا حالاً من :" كثيراً " وإن كان نكرة لتخَصُّصه بالوصفِ، أو من الضمير المستكن في مِنَ الجِنِّ ؛ لأنَّهُ تحمل ضميراً، لوقوعه صفة، ويجوز أن يكون لَهُمْ على حدته هو الوَصْفُ، أو الحالُ، وقُلُوبٌ فاعل به فيكون من باب الوصف بالمفرد، وهو أولى.
وقوله :" لا يَفْقَهُونَ بِهَا " وكذلك الجملةُ المنفيَّة في محلِّ النَّعْتِ لما قبلها، وهذا الوصفُ يكادُ يكونُ لازماً، لوروده في غير القرآن ؛ لأنَّهُ لا فائدة بدونه ؛ لو قلت : لزيد قَلْبٌ وله عَيْنٌ، وسَكَتَّ لم يظهر لذلك كبير فائدة.
فصل
المعنى : لَهُمْ قلوبٌ لا يعلمون بها الخير والهدى، ولهُم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بها طريق الحق، ولهُمْ آذانٌ لا يسمعُون بها مواعظ القرآن فيتفكرون فيها ويعتبرون. ثم ضرب لهم مثلاً في الجَهْلِ والاقتصار على الأكل والشرب، فقال :﴿أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ أي : أنَّ همتهم الأكل واشُّرب والتمتع بالشَّهواتِ ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ ؛ لأنَّ الأنعام تُميز بين المضار والمنافع فلا تقدمُ على المضار، وهؤلاء يقدمون بالشهوات على النَّار معاندةً مع العلم بالهلاك.
وقيل : لأنَّ الأنعام مطيعة للَّهِ تعالى والكافر غير مطيع.
وقال مقاتلٌ : هم أخطأ طريقاً من الأنعام ؛ لأنَّ الأنعام تعرفُ ربَّها، وهم لا يعرفون ربُّهم(٩) ولا يذكرونه.
وقيل : لأنَّها تفر إلى أربابها ومن يقوم بمصالحها، والكافِرُ يهرب عن ربِّه الذي أنعم عليه.
وقيل : لأنَّهَا تضل إذا لم يكن معها مرشد، فإن كان معها مرشد فقلما تضلُّ، وهؤلاء الكفار قد جاءهم الأنبياء وهم يزدادون في الضلال :{
١ تقدم..
٢ ينظر: البحر المحيط ٤/٤٢٥، الدر اللقيط ٤/٤٢٦، الدر المصون ٣/٣٧٥..
٣ البيت لسابق البربري ينظر: خزانة الأدب ٩/٥٢٩، ٥٣٢، والعقد الفريد ٢/٦٩، والدرر ٤/١٦٨، ومغني اللبيب ١/٢١٤ ولسان العرب (لوم)، والبحر المحيط ٤/٤٢٥، والرازي ١٥/٦٢، والسراج المنير ١/٥٣٨، والدر المصون ٣/٣٧٥..
٤ أخرجه أبو داود (كتاب السنة ب ١٧) والحميدي (٢٦٥) من حديث عائشة..
٥ تقدم..
٦ البيت لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه ينظر: الديوان ٢١٠، التفسير الكبير ١٥/٦٢، مجمع البيان ٤/٢٧٨، اللسان (لوم)، السراج المنير ١/٥٣٨..
٧ تقدم..
٨ البيت لسماك أخي مالك بن عمرو العاملي.
ينظر: اللسان (لوم)، الدرر ٢/٣١، المغني ١/٢١٤، إعراب النحاس ٢/٨٩، شرح شواهد المغني ٢/٥٧٢، مجمع البيان ٤/٢٧٨، المسائل البغداديات ١٧٧..
٩ ذكره الرازي في تفسيره (١٥/٥٤) عن مقاتل..
٢ ينظر: البحر المحيط ٤/٤٢٥، الدر اللقيط ٤/٤٢٦، الدر المصون ٣/٣٧٥..
٣ البيت لسابق البربري ينظر: خزانة الأدب ٩/٥٢٩، ٥٣٢، والعقد الفريد ٢/٦٩، والدرر ٤/١٦٨، ومغني اللبيب ١/٢١٤ ولسان العرب (لوم)، والبحر المحيط ٤/٤٢٥، والرازي ١٥/٦٢، والسراج المنير ١/٥٣٨، والدر المصون ٣/٣٧٥..
٤ أخرجه أبو داود (كتاب السنة ب ١٧) والحميدي (٢٦٥) من حديث عائشة..
٥ تقدم..
٦ البيت لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه ينظر: الديوان ٢١٠، التفسير الكبير ١٥/٦٢، مجمع البيان ٤/٢٧٨، اللسان (لوم)، السراج المنير ١/٥٣٨..
٧ تقدم..
٨ البيت لسماك أخي مالك بن عمرو العاملي.
ينظر: اللسان (لوم)، الدرر ٢/٣١، المغني ١/٢١٤، إعراب النحاس ٢/٨٩، شرح شواهد المغني ٢/٥٧٢، مجمع البيان ٤/٢٧٨، المسائل البغداديات ١٧٧..
٩ ذكره الرازي في تفسيره (١٥/٥٤) عن مقاتل..