جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : ولقد خلقنا لجهنم كثيرا من الجنّ والإنس، يقال منه : ذرأ الله خلقه يذرؤهم ذَرْءا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك.
حدثني عليّ بن الحسين الأزديّ، قال : حدثنا يحيى بن يمان، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، في قوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لجَهَنّمَ كَثِيرا مِنَ الجِنّ والإنْسِ قال : مما خلقنا.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، عن مبارك، عن الحسن، في قوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لجَهَنّمَ قال : خلقنا.
قال : ثنا زكريا، عن عَتّاب بن بشير، عن عليّ بن بِذَيمة، عن سعيد بن جبير، قال : أولاد الزنا مما ذرأ الله لجهنم.
قال : ثنا زكريا بن عديّ وعثمان الأحول، عن مروان بن معاوية، عن الحسن بن عمرو، عن معاوية ابن إسحاق، عن جليس له بالطائف، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ ﷺ، قال :«إنّ اللّهَ لَمّا ذَرَأَ لجَهَنّمَ ما ذَرَأ، كانَ وَلَدُ الزّنا مِمّنْ ذَرَأ لجَهَنّمَ ».
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لجَهَنّمَ يقول : خلقنا.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا أبو سعد، قال : سمعت مجاهدا يقول في قوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لجَهَنّمَ قال : لقد خلقنا لجهنم كثيرا من الجنّ والإنس.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لجَهَنّمَ خلقنا.
وقال جلّ ثناؤه : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لجَهَنّمَ كَثِيرا مِنَ الجِنّ والإنْس لنفاذ علمه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربهم.
وأما قوله : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بها فإن معناه : لهؤلاء الذين ذرأهم الله لجهنم من خلقه قلوب لا يتفكرون بها في آيات الله، ولا يتدبرون بها أدلته على وحدانيته، ولا يعتبرون بها حججه لرسله، فيعلموا توحيد ربهم، ويعرفوا حقيقة نبوّة أنبيائهم. فوصفهم ربنا جلّ ثناؤه بأنهم لا يفقهون بها لإعراضهم عن الحقّ وتركهم تدبر صحة الرشد وبطول الكفر. وكذلك قوله : ولَهُمْ أعيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بها معناه : ولهم أعين لا ينظرون بها إلى آيات الله وأدلته، فيتأملوها ويتفكروا فيها، فيعلموا بها صحة ما تدعوهم إليه رسلهم، وفساد ما هم عليه مقيمون من الشرك بالله وتكذيب رسله فوصفهم الله بتركهم إعمالها في الحق بأنهم لا يبصرون بها. وكذلك قوله : ولَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بها آيات كتاب الله فيعتبروها ويتفكروا فيها، ولكنهم يعرضون عنها، ويقولون : لا تَسْمَعُوا لهذا القُرْآنِ والْغوا فِيهِ لَعَلّكُمْ تَغْلِبُونَ. وذلك نظير وصف الله إياهم في موضع آخر بقوله : صُمّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقلُونَ والعرب تقول ذلك للتارك استعمال بعض جوارحه فيما يصلح له، ومنه قول مسكين الدارمي :
| أعْمَى إذَا ما جارَتي خَرَجَت | حتى يُوَاريَ جارَتي السّتْرُ |
| وأصَمّ عَمّا كانَ بَيْنَهُما | سَمْعي وَما بالسّمْع مِنْ وَقْرِ |
| وَعَوْرَاءِ اللّئامِ صَمَمْتُ عَنْها | وإنّي لَوْ أشاءُ بِها سَمِيعُ |
| وبَادِرَةٍ وَزَعْتُ النّفْسَ عَنْها | وَلَوْ بِينَتْ مِنَ العَصَبِ الضّلوعُ |
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا أبو سعد، قال : سمعت مجاهدا يقول في قوله : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها قال : لا يفقهون بها شيئا من أمر الآخرة. ولَهُمْ أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها الهدى. ولَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها الحَقّ ثم جعلهم كالأنعام، ثم جعلهم شرّا من الأنعام، فقال : بَلْ هُمْ أضَلّ ثم أخبر أنهم هم الغافلون.
القول في تأويل قوله تعالى : أولَئِكَ كالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلّ أولئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ.
يعني جلّ ثناؤه بقوله : أُولَئِكَ كالأنْعامِ هؤلاء الذين ذرأهم لجهنم هم كالأنعام، وهي البهائم التي لا تفقه ما يقال لها ولا تفهم ما أبصرته مما يصلح وما لا يصلح ولا تعقل بقلوبها الخير من الشرّ فتميز بينهما، فشبههم الله بها، إذ كانوا لا يتذكرون ما يرون بأبصارهم من حججه، ولا يتفكرون فيما يسمعون من آي كتابه. ثم قال : بَلْ هُمْ أضَلّ يقول : هؤلاء الكفرة الذين ذرأهم لجهنم أشدّ ذهابا عن الحقّ وألزم لطريق الباطل من البهائم، لأن البهائم لا اختيار لها ولا تمييز فتختار وتميّز، وإنما هي مسخرة ومع ذلك تهرب من المضارّ وتطلب لأنفسها من الغذاء الأصلح. والذين وصف الله صفتهم في هذه الآية، مع ما أُعطوا من الأفهام والعقول المميزة بين المصالح والمضارّ، تترك ما فيه صلاح دنياها وآخرتها وتطلب ما فيه مضارّها، فالبهائم منها أسد وهي منها أضلّ، كما وصفها به ربنا جلّ ثناؤه.
وقوله : أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين وصفت صفتهم، القوم الذين غفلوا، يعني سهوا عن آياتي وحججي، وتركوا تدبرها والاعتبار بها والاستدلال على ما دلت عليه من توحيد ربها، لا البهائم التي قد عرّفها ربها ما سخرها له.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا لجهنّم كثيرًا من الجن والإنس.
* * *
يقال منه: ذرأ الله خلقه يذرؤهم ذَرْءًا. (١)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٤٤٤ -.... حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن مبارك، عن الحسن، في قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم) قال: خلقنا.
١٥٤٤٥ -.... قال: حدثنا زكريا، عن عتاب بن بشير، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير قال: أولاد الزنا ممّا ذرأ الله لجهنم.
١٥٤٤٦ - قال: حدثنا زكريا بن عدي، وعثمان الأحول، عن مروان بن معاوية، عن الحسن بن عمرو، عن معاوية بن إسحاق، عن جليس له بالطائف، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "إن الله لما ذرأ لجهنم ما ذرأ، كان ولدُ الزنا ممن ذرأ لجهنم". (٢)
١٥٤٤٧ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال:
(٢) الأثر: ١٥٤٤٦ - ((زكريا بن عدى بن زريق التيمي))، شيخ أبي كريب، وهو راوي الخبر، ثقة جليل، مضى برقم: ١٥٦٦.
((عثمان الأحول))، شيخ أبي كريب، هو ((عثمان بن سعيد القرشي))، الزيات الأحول الطيب الصائغ. مضى برقم: ١٣٧، ١١٥٤٧.
و ((مروان بن معاوية الفزاري))، الحافظ الثقة، مضى برقم: ١٢٢٢، ٣٣٢٢، ٣٨٤٢، ٧٦٨٥. و ((الحسن بن عمرو الفقيمي التميمي))، ثقة أخرج له البخاري في صحيحه، مضى برقم: ٣٧٦٥. و ((معاوية بن إسحق بن طلحة التيمى))، تابعي ثقة، مضى برقم: ٣٢٢٦. وهذا إسناد ضعيف، لجهالة من روى عنه ((معاوية بن إسحق))، وهو ((جليس له بالطائف)). وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ١٤٧، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ وابن مردويه.
١٥٤٤٨ - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم) قال: لقد خلقنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس.
١٥٤٤٩ - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: (ولقد ذرأنا لجهنم)، خلقنا.
* * *
قال أبو جعفر: وقال جل ثناؤه: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس)، لنفاذ علمه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربِّهم.
* * *
وأما قوله: (لهم قلوبٌ لا يفقهون بها)، فإن معناه: لهؤلاء الذين ذرأهم الله لجهنم من خلقه قلوب لا يتفكرون بها في آيات الله، ولا يتدبرون بها أدلته على وحدانيته، ولا يعتبرون بها حُجَجه لرسله، (١) فيعلموا توحيد ربِّهم، ويعرفوا حقيقة نبوّة أنبيائهم. فوصفهم ربُّنا جل ثناؤه بأنهم: "لا يفقهون بها"، لإعراضهم عن الحق وتركهم تدبُّر صحة [نبوّة] الرسل، (٢) وبُطُول الكفر. وكذلك قوله: (ولهم أعين لا يبصرون بها)، معناه: ولهم أعين لا ينظرون بها إلى آيات الله وأدلته، فيتأملوها ويتفكروا فيها، فيعلموا بها صحة ما تدعوهم إليه رسلهم، وفسادِ ما هم عليه مقيمون، من الشرك بالله، وتكذيب رسله; فوصفهم الله بتركهم إعمالها في الحقّ، بأنهم لا يبصرون بها. (٣)
وكذلك قوله: (ولهم آذان لا يسمعون بها)، آيات كتاب الله، فيعتبروها ويتفكروا فيها، ولكنهم يعرضون عنها، ويقولون: (لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: ((صحة الرشد))، ولا معنى لها، واستظهرت الصواب من سياق تفسيره، وزدت] نبوة [بين القوسين، لتطلب الكلام لها.
(٣) في المطبوعة: ((بأنهم لا يبصرون))، وأثبت ما في المخطوطة.
أَعْمَى إِذَا مَا جَارَتِي خَرَجَتْ... حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي السِّتْرُ (١) وَأَصَمُّ عَمَّا كَانَ بَيْنَهُمَا... سَمْعِي وَمَا بِالسَّمْعِ مِنْ وَقْرِ
فوصف نفسه لتركه النظر والاستماع بالعمى والصمم. ومنه قول الآخر: (٢) وَعَوْرَاءُ اللِّئَامِ صَمَمْتُ عَنْهَا... وَإِنِّي لَوْ أَشَاءُ بِهَا سَمِيعُ (٣) وَبَادِرَةٍ وَزَعْتُ النَّفْسَ عَنْهَا... وَقَدْ تَثِقَتْ مِنَ الْغَضَبِ الضُّلُوعُ (٤)
| ما ضر جارى إذ أجاوره | أن لا يكون لبيته ستر |
(٢) هو عبد الله بن مرة العجلي.
(٣) حماسة البحتري: ١٧٢، وأنسيت أين قراتها في غير الحماسة. والذي في حماسة البحترى: ((وعوراء الكلام))، وكانت في المخطوطة: و ((عوراء اللام))، وكأن الصواب ما في الحماسة.
و ((العوراء))، الكلمة القبيحة، أو التي تهوى جهلا في غير عقل ولا رشد. ومن أجود ما قيل في ذلك، قول حاتم الطائي، أو الأعور الشني:
| وعَوْرَاءُ جَاءَتْ مِنْ أخٍ فَرَدَدْتُها | بسَالِمَةِ العَيْنين طَالِبة عُذْرَا |
| ولو أنني إذ قَالها قلتُ مثلَها | ولم أعْفُ عنها، أوْرَثتْ بيْنَنَا غَمْرَا |
| فأعْرَضْتُ عَنْهُ وانتظرتُ به غَدا | لعلَّ غدًا يُبْدِي لمنتظرٍ أمْرَا |
| عد بالأخوة بينَنا! | ولم أتَّخِذ ما كان من جَهْلِه قمرَا |
| لأنزع ضبًّا كامنًا في فؤادِه | وأُقَلِّمُ أظفارًا أطَالَ بها الحفرَا |
و ((البادرة))، الخطأ والسقطات التي تسبق من المرء إذا ما غضب واحتد، من فعل أو قول.
و (وزع النفس عن الشيء))، كفها وحبسها. و ((تئق الرجل))، امتلأ غضباً وغيظاً. و ((التأق))، شدة الامتلاء حتى لا موضع لمزيد.
* * *
* ذكر من قال ذلك:
١٥٤٥٠ - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (لهم قلوب لا يفقهون بها) قال: لا يفقهون بها شيئًا من أمر الآخرة = (ولهم أعين لا يبصرون بها)، الهدى= (ولهم آذان لا يسمعون بها) الحقَّ، ثم جعلهم كالأنعام سواءً، ثم جعلهم شرًّا من الأنعام، (١) فقال: (بل هم أضل)، ثم أخبر أنهم هم الغافلون.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾
قال أ [وجعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (أولئك كالأنعام)، هؤلاء الذين ذرأهم لجهنم، هم كالأنعام، وهي البهائم التي لا تفقه ما يقال لها، (٢) ولا تفهم ما أبصرته لما يصلح وما لا يَصْلُح، (٣) ولا تعقل بقلوبها الخيرَ من الشر، فتميز
(٢) انظر تفسير ((الأنعام)) فيما سلف ١٢: ١٣٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) في المطبوعة: ((مما يصلح، ومما لا يصلح))، أثبت ما في المخطوطة وهو جيد.