المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وصفت هذه الصنفة الكافرة المعرضة عن النظر في آيات الله بأن قلوبهم لا تفقه، والفقه الفهم، وأعينهم لا تبصر، وآذانهم لا تسمع، وليس الغرض من ذلك نفي هذه الإدراكات عن حواسهم جملة وإنما الغرض نفيها في جهة ما كما تقول : فلان أصم عن الخنا.
ومنه قول مسكين الدارمي :[ الكامل أحذ مضمر ]
ومنه قول الآخر :[ الوافر ]
ومنه قول الآخر في وصاة من يدخل إلى دار ملك :[ مخلع البسيط ]
فكأن هؤلاء القوم لما لم ينفعهم النظر بالقلب ولا بالعين ولا ما سمعوه من الآيات والمواعظ استوجبوا الوصف بأنهم ﴿لا يفقهون﴾ و ﴿لا يبصرون﴾ و ﴿لا يسمعون﴾ وفسر مجاهد هذا بأن قال : لهم قلوب لا يفقهون بها شيئاً من أمر الآخرة وأعين لا يبصرون بها الهدى وآذان لا يسمعون بها الحق، و ﴿أولئك﴾ إشارة إلى من تقدم ذكره من الكفرة وشبههم بالأنعام في أن الأنعام لا تفقه قلوبهم الأشياء ولا تعقل المقاييس، وكذلك ما تبصره لا يتحصل لها كما يجب، فكذلك هؤلاء ما يبصرونه ويسمعونه لا يتحصل لهم منه علم على ما هو به حين أبصر وسمع، ثم حكم عليهم بأنهم ﴿أضل﴾، لأن الأنعام تلك هي بنيتها وخلقتها لا تقصر في شيء ولا لها سبيل إلى غير ذلك، وهؤلاء معدون للفهم وقد خلقت لهم قوى يصرفونها وأعطوا طرقاً في النظر فهم بغفلتهم وإعراضهم يلحقون أنفسهم بالأنعام فهم أضل على هذا، ثم بين بقوله :﴿أولئك هم الغافلون﴾ الطريق الذي به صاروا أضل من الأنعام وهو الغفلة والتقصير.
ومنه قول مسكين الدارمي :[ الكامل أحذ مضمر ]
| أعمى إذا ما جارتي خرجت | حتى يواري جارتي السترُ |
| وأصم عمّا كان بينهما | عمداً وما بالسمعِ من وَقْرِ |
| وعوراء الكلام صممت عنها | ولو أني أشاء بها سميع |
| وبادرة وزعت النفس عنها | وقد بقيت من الغضب الضلوع |
| وادخل إذا ما دخلت أعمى | واخرج إذا ما خرجت أخرسْ |