بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى :
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا﴾ يعني : خلقنا لجهنم كثيراً ﴿مّنَ الجن والإنس﴾ فإن قيل : قد قال في آية أخرى :﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فأخبر أنه خلق الجن والإنس لعبادته. وهاهنا يقول : خلقهم لجهنم. قيل له : قد خلقهم للأمرين جميعاً منهم من يصلح لجهنم فخلقه لها، ومنهم من يصلح للعبادة فخلقه لها، ولأن من لا يصلح لشيء لا يخلقه لذلك الشيء. ويقال معنى قوله :﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ يعني : إلا للأمر والنهي. ويقال :﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ يعني : إلا لكي يمكنهم أن يعبدوا، وقد بينت لهم الطريق. ويقال : في هذه الآية تقديم وتأخير. ومعناه : ولقد ذرأنا جهنم لكثير من الجن والإنس.
ثم وصفهم فقال تعالى :﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ يعني : لا يعقلون بها. الحق كما قال في آية أخرى :﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أبصارهم غشاوة وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] ثم قال :﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ يعني : الهدى ﴿وَلَهُمْ آذان لا يسمعون بِهَا﴾ يعني : الهدى.
ثم ضرب لهم مثلاً آخر فقال :﴿أُوْلَئِكَ كالأنعام﴾ فشبههم بالأنعام لقلة رغبتهم وتغافلهم عن الحق. يعني : إنهم كالأنعام في ذهنهم لا في صورهم. لأنه ليس للأنعام إلا الأكل والشرب، فهي تسمع ولا تعقل، كذلك الكافر هو غافل عن الأمر والنهي والوعد والوعيد.
ثم قال :﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ سبيلاً يعني : الكفار أخطأ طريقاً من الأنعام، لأن الأنعام إذا عرفت أنها تركت الطريق رجعت إلى الطريق، والكفار لا يرجعون إلى الطريق. ولأن الأنعام تعرف ربها، والكفار لا يعرفون ربهم. ويقال : لمَّا نزلت هذه الآية ﴿أُوْلَئِكَ كالأنعام﴾ تضرعت الأنعام إلى ربها. فقالت : يا ربنا شبهت الكفار بنا ونحن لا ننكر وحدانيتك. فأعذر الله تعالى الأنعام. فقال :﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ من الأنعام لأن الأنعام مطيعة لله تعالى. والكفار غير مطيعين لله تعالى.
ثم قال :﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الغافلون﴾ يعني : عن أمر الله تعالى وعما ينفعهم. قال الفقيه أبو الليث : حدثنا أبو جعفر. قال : حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن عبد الله القاري. قال : حدثنا حازم بن يحيى الحلواني. قال : حدثنا الحسين بن الأسود. قال : حدثنا أبو أسامة عن يزيد بن سنان عن أبي منيب الحمصي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي الدرداء قال قال رسول الله ﷺ :« خَلَقَ الله الجِنَّ ثَلاَثَةَ أصْنَافٍ صِنْفاً حَيَّاتٍ وَعَقَارِبَ وَخَشَاشَ الأَرْضِ، وَصِنْفاً كَالرِّيحِ فِي الهَوَاءِ، وَصِنْفَاً عَلَيْهِمُ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ، وَخَلَقَ الله الإنْسَ ثَلاثَةَ أصْنَافٍ صِنْفاً كَالبَهَائِمِ وَهُمُ الكُفَّارُ، قال : قال الله تعالى :﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ إلى قوله :﴿أُوْلَئِكَ كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ وَصِنْفاً آخَرَ أَجْسَادُهُم كَأَجْسَادِ بَنِي آَدَم وَأَرْوَاحُهُم كَأَرْوَاحِ الشَّيَاطِينِ، وَصِنْفاً فِي ظِلِّ الله يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلَّهُ »

تفسير هذه الآية من كتب أخرى