الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي﴾[ ١٨٧ ]. الآية.
﴿مرساها﴾ : مبتدأ، و﴿أيان﴾ : الخبر(١).
والمعنى على قول قتادة : أن قريشا قالت للنبي ( ﷺ )، إن بيننا وبينك قرابة، فأسرّ إلينا متى الساعة ! فنزلت الآية(٢).
وقال ابن عباس : أتى قوم من اليهود إلى النبي ( ﷺ )، فقالوا له : أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا(٣) ؟ أي : متى قيامها(٤).
و﴿مرساها﴾ من : أرسيت، إذ أثبت. يقال : رست : إذا ثبت(٥). وأرسيتها : أثبتها(٦).
قال الله، ( عز وجل )(٧) لنبيه ( عليه السلام )(٨) ﴿قل﴾ يا محمد :﴿إنما علمها عند ربي لا يجليها﴾[ ١٨٧ ]، أي :[ لا(٩) ] يظهرها لوقتها إلا الله، ( عز وجل(١٠) )/يقال : جلَّى فلان الأمر، إذا كشفه وأوضحه وأظهره(١١).
﴿ثقلت في السماوات والارض﴾[ ١٨٧ ].
أي : ثقل على أهل السماوات والأرض أن يعلموا وقت قيامها(١٢).
قال السدي المعنى : خفيت في السموات والأرض(١٣)، فلا يعلم قيامها مَلَكٌ مقرب ولا نبي مرسل(١٤).
وقيل المعنى : ثقل علمها عليهم(١٥).
وقيل المعنى : كبرت عند مجيئها على أهل السماوات والأرض.
قاله الحسن(١٦).
وقال ابن جريج :﴿ثقلت﴾، معناه : إذا جاءت انشقت السماء، وانتثرت الكواكب، وكوِّرت الشمس، وسيرت الجبال، وكان ما قال الله ( عز وجل )(١٧). فذلك ثقلها(١٨).
وحكى السدي عن بعض العلماء :﴿ثقلت﴾ : عظمت(١٩).
وقيل المعنى :﴿ثقلت﴾ المسألة عنها(٢٠).
وقال القُتيبي(٢١) : ثقل علمها على أهل السماوات والأرض، أي : خفي. وإذا خفي الشيء ثقل(٢٢).
﴿لا تاتيكم إلا بغتة﴾[ ١٨٧ ].
أي : فجأة(٢٣).
قال قتادة : ذكر لنا أن نبي الله [ عليه السلام ]، كان يقول : " إن الساعة تهيج الناس، والرجل الصالح يصلح حوضه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقيم سلعته في السوق ويخفض ميزانه ويرفعه " (٢٤).
وروى أبو هريرة : أن النبي ﷺ، قال : " تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما(٢٥) يبيعانه(٢٦) فما يطويانه حتى تقوم الساعة، وتقوم الساعة(٢٧) والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فما تصل إلى فيه حتى تقوم الساعة " (٢٨).
ثم قال :﴿يسئلونك كأنك حفي عنها﴾[ ١٨٧ ].
أي : يسألونك عنها ﴿كأنك حفي﴾ بهم(٢٩)، أي : فرح بسؤالهم(٣٠).
وقال ابن عباس :﴿كأنك﴾ بينك وبينهم مودة، أي :﴿كأنك﴾ صديق لهم(٣١).
قال قتادة : قالوا له : نحن أقرباؤك، فأسرَّ لنا متى ( تقوم )(٣٢) الساعة ؟ فأنزل الله تعالى(٣٣) ﴿يسئلونك كأنك حفي﴾ ( أي )(٣٤) : بهم.
وقيل : إن الكلام لا تقديم فيه ولا تأخير(٣٥). والمعنى : يسئلونك ﴿كأنك﴾ استحفيت(٣٦) المسألة عنها فعلمتها. قاله مجاهد(٣٧).
وقال الضحاك :﴿كأنك﴾ عالم بها(٣٨).
ف " عن " في موضع " الباء " (٣٩). كما جاز أن تقع " الباء " في موضع " عن " في(٤٠) قوله :﴿فسئل به خبيرا(٤١)، أي : عنه(٤٢).
وقيل المعنى :﴿كأنك﴾ فرح بسؤالهم. يقال : حفيت(٤٣) بفلان في المسألة، إذا سألته عنه(٤٤) سؤالا أظهرت فيه المحبة. وأحفى فلان بفلان(٤٥) في المسألة، تأويله الكثرة. ويقال : حفى الدابة يحفى حفى مقصور، إذا أكثرت عليه المشي حتى حفى أسفل رجله(٤٦). والحفاء، ممدود : مشي الرجل بغير نعل(٤٧).
وقدره المبرد :﴿كأنك حفي﴾ بالمسألة ﴿عنها﴾، أي : ملح(٤٨)، ومكثر السؤال عنها.
وقوله :﴿قل إنما علمها عند ربي﴾[ ١٨٧ ].
أي : علم وقوعها.
وقوله :﴿قل إنما علمها عند الله﴾[ ١٨٧ ].
أي : علم كنهها وحقيقتها.
ف " العلمان " : مختلفان، وليس ذلك بتكرير(٤٩).
وقرأ ابن عباس : " حفي بها " (٥٠).
﴿إلا هو﴾[ ١٨٧ ]، وقف(٥١).
﴿عناه﴾[ ١٨٧ ] وقف(٥٢)، على القولين جميعا(٥٣).
١ قال في مشكل إعراب القرآن ١/٣٠٦: "... ، مرسى: في موضع رفع على الابتداء، و﴿أيان﴾: خبر الابتداء، وهو ظرف مبني على الفتح، وإنما بني لأن فيه معنى الاستفهام".
انظر: إعراب القرآن للنحاس ٢/١٦٦، والبيان في غريب إعراب القرآن ١/٣٨٠، والتبيان في إعراب القرآن ١/٦٠٦، والبحر المحيط ٤/٤٣١، والدر المصون ٣/٣٧٩..

٢ أسباب النزول للواحدي ٢٣١، وتفسير البغوي ٣/٣٠٩، وزاد المسير ٣/٢٩٧، ولباب النقول في أسباب النزول ١٨٧..
٣ وهو القول الثاني في نزول الآية. انظر: جامع البيان ١٣/٢٩٢، ٢٩٣، وأسباب النزول للواحدي ٢٣١، وزاد المسير ٣/٢٩٧، وتفسير ابن كثير ٢/٢٧١، ولباب النقول في أسباب النزول ١٨٧..
٤ وهو قول السدي، وقتادة، كما في جامع البيان ١٣/٢٩٣، ٢٩٤. وتنظر: أقوال أخرى في تفسير الماوردي ٢/٢٨٤..
٥ في الأصل، و"ر": إذا أثبتت، وهو تحريف..
٦ انظر: غريب ابن قتيبة ١٧٥، وإعراب القرآن للنحاس ٢/١٦٦، وتفسير الرازي ٨/٨٤، وتفسير القرطبي ٧/٢١٢، والبحر المحيط ٤/٤٣١..
٧ ما بين الهلالين ساقط من "ج"..
٨ ما بين الهلالين ساقط من "ج". وفي "ر": صلى الله عليه وسلم..
٩ زيادة من ج، و"ر"، وتفسير المشكل من غريب القرآن ١٧٨..
١٠ ما بين الهلالين ساقط من "ج"..
١١ غريب ابن قتيبة ١٧٥، بتصرف. وينظر: مجاز القرآن ١/٢٣٥، وفتح القدير ٢/٣١٢..
١٢ جامع البيان ١٣/٢٩٥، بتصرف..
١٣ من قوله: أن يعلموا: إلى هنا ساقط من "ر"، بفعل انتقال النظر..
١٤ جامع البيان ١٣/٢٩٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٦٢٧، وتفسير ابن كثير ٢/٢٧١، والدر المنثور ٣/٦٢١..
١٥ أخرجه الطبري بسنده في جامع البيان ١٣/٢٩٥، عن بعض أهل التأويل. وهو منسوب إلى قتادة في تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٢/٢٤٤، وزاد نسبته إلى الكلبي، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٦٢٧، وتفسير ابن كثير ٢/٢٧١، والدر المنثور ٣/٦٢٠..
١٦ تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٢/٢٤٥، وجامع البيان ١٣/٢٩٥، ٢٩٦، وعنه نقل مكي، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٦٢٧، وتفسير الماوردي ٢/٢٨٥، وتفسير ابن كثير ٢/٢٧١، والدر المنثور ٣/٦٢١..
١٧ ما بين الهلالين ساقط من "ج"..
١٨ التفسير ١٧١، وجامع البيان ١٣/٢٩٦، وتفسير ابن كثير ٢/٢٧١، والدر المنثور ٣/٦٢١..
١٩ جامع البيان ١٣/٢٩٦..
٢٠ تفسير القرطبي ٧/٢١٣..
٢١ في "ج"، قال السدي، وفوقها صاد صغيرة، وفي الهامش: القتبي، وفوقها رمز: صح. وفي "ر"، مطموس بفعل الأرضة والرطوبة.
والقتبى، بضم القاف وفتح التاء، هو: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّينوري، أبو محمد من مصنفاته الجياد: تأويل مشكل القرآن، وتفسير غريب القرآن، توفي سنة ٢٦٧هـ.
انظر: اللباب في تهذيب الأنساب ٣/١٥، ووفيات الأعيان ٣/٤٢، وبغية الوعاة ٢/٦٣، ٦٤..

٢٢ تفسير غريب القرآن ١٧٥..
٢٣ جامع البيان ١٣/٢٩٧، بلفظ: "لا تجيء الساعة إلا فجأة، لا تشعرون بمجيئها"، ومعاني القرآن للزجاج ٢/٣٩٣، وزاد المسير ٣/٢٩٨، وتفسير القرطبي ٧/٢١٣.
وقال في مشكل إعراب القرآن ١/٣٠٦: قوله: ﴿إلا بغتة﴾، نصب على أنها مصدر في موضع الحال..

٢٤ جامع البيان ١٣/٢٩٧، وتفسير ابن كثير ٢/٢٧١..
٢٥ ثوبهما تحرف في الأصل إلى: توابهما..
٢٦ في "ج": يتبايعانه..
٢٧ ومن: وتقوم الساعة، إلى نهاية النص، لحق في الأصل، وساقط من "ر"..
٢٨ أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب طلوع الشمس من مغربها، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قرب الساعة..
٢٩ جامع البيان ١٣/٢٩٧، وتمام نصه: "وقالوا: معنى قوله: ﴿عنها﴾ التقديم، وإن كان مؤخرا".
انظر: معاني القرآن للفراء ١/٣٩٩، وزاد المسير ٣/٢٩٩، وتفسير القرطبي ٧/٢١٣..

٣٠ معاني القرآن للزجاج ٢/٣٩٣..
٣١ جامع البيان ١٣/٢٩٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٦٢٨، وتفسير ابن كثير ٢/٢٧١، والدر المنثور ٣/٦٢٢، من غير: أي..
٣٢ ما بين الهلالين ساقط من "ج" و"ر"..
٣٣ في "ج": عز وجل. وبشأن سبب نزول الآية، انظر ما سلف قريبا، وزد عليه ما في مصادر التوثيق أسفله..
٣٤ ما بين الهلالين ساقط من "ج" و"ر".
والأثر مضى قريبا، وهو في تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٢/٢٤٥، وجامع البيان ١٣/٢٩٢، و٢٩٨، من دون: "فأنزل الله"..

٣٥ وهو قول المبرد في إعراب القرآن للنحاس ٢/١٦٦، وتفسير القرطبي ٧/٢١٣. وسيأتي..
٣٦ في الأصل: استحييت، وهو تحريف ليس بشيء. واستحفى: استخبر. القاموس/حفا..
٣٧ التفسير ٣٤٨، وجامع البيان ١٣/٢٩٩، وعنه نقل مكي، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٦٢٨، وزاد المسير ٣/٢٩٩، وتفسير ابن كثير ٢/٢٧١، والدر المنثور ٣/٦٢١..
٣٨ جامع البيان ١٣/٢٨٩، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٦٢٨،.... ، عن الضحاك عن ابن عباس. وزاد: "أي: لست تعلمها"، وزاد المسير ٣/٢٩٨، وزاد نسبته إلى ابن زيد والفراء. وهذا التفسير معضد "بقراءة عبد الله بن مسعود: "كأنك حفي بها"، كما في الكشاف ٢/١٧٨..
٣٩ انظر: البحر المحيط ٤/٤٣٣، والدر المصون ٣/٣٨٠..
٤٠ في، تحرفت في الأصل إلى: و..
٤١ الفرقان: ٥٩. والآية بتمامها: ﴿استوى على العرش الرحمن الذي خلق السماوات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم﴾..
٤٢ انظر: تأويل مشكل القرآن ٥٦٨، باب دخول بعض حروف الصفات مكان بعض..
٤٣ في "ر": خفيت، بخاء معجمة، وهو تصحيف. وفي معاني القرآن للزجاج الذي نقل عنه مكي، رحمه الله،: تحفيت..
٤٤ كذا في المخطوطات الثلاث. وفي معاني القرآن للزجاج: إذا سألت سؤالا أظهرت....
٤٥ بفلان، لحق في "ج"، مطموس جله بفعل الرطوبة..
٤٦ كذا في المخطوطات الثلاث.
وفي معاني القرآن للزجاج: "... ، ويقال حفت الدابة تحفى حفى، مقصور، إذا كثر المشي حتى يؤلمها". قال محققه في هامشه: "في الأصول: حفى الدابة يحفى... إذا كثر عليه المشي حتى يؤلمه". فالاضطراب الحاصل في التركيب، عند مكي جاء بعضه من أصول معاني الزجاج.
وفي "ج": رجليه..

٤٧ هو قول الزجاج في معاني القرآن ٢/٣٩٣، ٣٩٤..
٤٨ إعراب القرآن للنحاس ٢/١٦٦.
وفي الدر المصون ٣/٣٨١: "والإحفاء: الاستقصاء. ومنه: إخفاء الشوارب، والحافي، لأنه حفيت قدمه في استقصاء السير. والحفاوة: البر واللطف،...". انظر: الكشاف ٢/١٧٧، ١٧٨..

٤٩ إعراب القرآن للنحاس ٢/١٦٦، بتصرف يسير، والمحرر الوجيز ٢/٤٨٥، وتفسير القرطبي ٧/٢١٣..
٥٠ المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات ١/٢٦٩. انظر: إعراب القراءات الشواذ ١/٥٧٨..
٥١ وهو تام عند نافع كما في القطع والإئتناف ٣٤٦. وكاف في المكتفى ٢٨٢، ومنار الهدى ١٥٤..
٥٢ وهو كاف في المكتفى ٢٨٢، ومنار الهدى ١٥٤..
٥٣ انظر: مزيدا من الإيضاح في القطع والإئتناف ٣٤٦، فهو معتمد مكي، رحمه الله..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى