جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
اختلف أهل التأويل في الذين عنُوا بقوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ فقال بعضهم : عني بذلك قوم رسول الله ﷺ من قُريش، وكانوا سألوا عن ذلك رسول الله ﷺ. ذكر من قال ذلك.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال : قالت قريش لمحمد ﷺ : إن بيننا وبينك قرابة، فأسرّ إلينا متى الساعة فقال الله : يَسْئَلُونَكَ كأنّك حَفِيّ عَنْها.
وقال آخرون : بل عني به قوم من اليهود. ذكر من قال ذلك.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يونس بن بكير، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، قال : ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال : ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال : قال حمل بن أبي قُشير وشمويل بن زيد لرسول الله ﷺ : يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيّا كما تقول، فإنا نعلم متى هي فأنزل الله تعالى : يَسْئَلَونَك عَنِ السّاعَةِ أيّان مُرْساها قَلْ إنّما عِلْمُها عِنْدَ ربّي. . . إلى قوله : ولَكِنّ أكْثَر النّاسِ لا يَعْلَمُون.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن طارق بن شهاب، قال : كان النبيّ ﷺ لا يزال يذكر من شأن الساعة حتى نزلت : يَسْئَلُونَك عَنِ السّاعَةِ أيّان مُرْساها.
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن قوما سألوا رسول الله ﷺ عن الساعة، فأنزل الله هذه الآية، وجائز أن يكون كانوا من قريش، وجائز أن يكونوا كانوا من اليهود ولا خبر بذلك عندنا يجوّز قطع القول على أيّ ذلك كان.
فتأويل الاَية إذن : يسئلك القوم الذين يسئلونك عن الساعة أيّان مرساها، يقول : متى قيامها. ومعنى «أيّان » :«متى » في كلام العرب، ومنه قول الراجز :
| أيّان تَقْضِي حاجَتِي أيّانَا | أمَا تَرى لِنُجْحِها إبّانَا |
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : يَسْئَلُونَك عَنِ السّاعَةِ أيّان مُرْساها : يقول متى قيامها.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّان مُرْساها : متى قيامها.
وقال آخرون : معنى ذلك : منتهاها. وذلك قريب المعنى من معنى من قال : معناه : قيامها، لأن انتهاءها : بلوغها وقتها. وقد بيّنا أن أصل ذلك الحبس والوقوف. ذكر من قال ذلك.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : يَسْئَلُونَك عَنِ السّاعَةِ أيّان مُرْساها يعني : منتهاها.
وأما قوله : قُلْ إنّما عِلْمُها عِنْد ربّي لا يُجَلّيها لِوقْتِها إلاّ هُو فإنه أمر من الله نبيه محمدا ﷺ بأن يجيب سائليه عن الساعة بأنه لا يعلم وقت قيامها إلاّ الله الذي يعلم الغيب، وأنه لا يظهرها لوقتها ولا يعلمها غيره جلّ ذكره. كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : قُلْ إنّمَا عِلْمُها عِنْد ربّي لا يُجَلّيها لِوقْتِها إلاّ هُوَ يقول : علمها عند الله، هو يجليها لوقتها، لا يعلم ذلك إلاّ الله.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لا يُجَلّيها : يأتي بها.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال مجاهد : لا يُجَلّيها لا يأتي بها إلاّ هُو.
حدثني محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : لا يُجَلّيها لِوَقْتِهَا إلاّ هُو يقول : لا يرسلها لوقتها إلاّ هو.
القول في تأويل قوله تعالى : ثَقُلَتْ في السّمَواتِ والأرْضِ لا تأْتِيكُمْ إلاّ بَغْتَةً.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معنى ذلك : ثقلت الساعة على أهل السموات والأرض أن يعرفوا وقتها ومجيئها لخفائها عنهم واستئثار الله بعلمها. ذكر من قال ذلك.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قوله : ثَقُلَتْ في السّمَواتِ والأرْضِ يقول : خفيت في السموات والأرض، فلم يعلم قيامها متى تقوم مَلك مقرّب ولا نبيّ مرسل.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزّاق جميعا، عن معمر، عن بعض أهل التأويل : ثَقُلَتْ في السّمَواتِ والأرْضِ قال : ثقل علمها على أهل السموات وأهل الأرض أنهم لا يعلمون.
وقال آخرون : معنى ذلك : أنها كبرت عند مجيئها على أهل السموات والأرض. ذكر من قال ذلك.
حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق جميعا، عن معمر، قال : قال الحسن، في قوله : ثَقُلَتْ في السّمَوَاتِ والأرْضِ يعني : إذا جاءت ثَقُلت على أهل السماء وأهل الأرض. يقول : كبُرت عليهم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج : ثَقُلَتْ فِي السّمَوَاتِ والأرْضِ قال : إذا جاءت انشقّت السماء، وانتثرت النجوم، وكُوّرَت الشمس، وسُيرت الجبال، وكان ما قال الله فذلك ثقلها.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : قال بعض الناس في «ثقلت » : عظمت.
وقال آخرون : معنى قوله : في السّمَوَاتِ والأرْضِ : على السموات والأرض. ذكر من قال ذلك.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : ثَقُلَتْ فِي السّمَوَاتِ والأرْضِ : أي على السموات والأرض.
قال أبو جعفر : وأولى ذلك عندي بالصواب، قول من قال : معنى ذلك : ثقلت الساعة في السموات والأرض على أهلها أن يعرفوا وقتها وقيامها لأن الله أخفى ذلك عن خلقه، فلم يطلع عليه منهم أحدا. وذلك أن الله أخبر بذلك بعد قوله : قُلْ إنّمَا عِلْمُها عِنْدَ رَبّي لا يُجَلِيها لِوَقْتِها إلاّ هُوَ وأخبر بعده أنها لا تأتي إلاّ بغتة، فالذي هو أولى أن يكون ما بين ذلك أيضا خبرا عن خفاء علمها عن الخلق، إذ كان ما قبله وما بعده كذلك.
وأما قوله : لا تَأْتِيكُمْ إلاّ بَغْتَةً فإنه يقول : لا تجيء الساعة إلاّ فجأة، لا تشعرون بمجيئها. كما :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : لا تَأتِيكُمْ إلاّ بَغْتَةً يقول : يبغتهم قيامها، تأتيهم على غفلة.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : لا تَأْتِيكُمْ إلاّ بَغْتَةً قضى الله أنها لا تأتيكم إلاّ بغتة. قال : وذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول :«إنّ السّاعَةَ تَهِيجُ بالنّاسِ والرّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضهُ والرّجُلُ يُسْقِي ماشِيَتَهُ والرّجُلُ يُقِيمُ سِلْعَتَهُ في السّوقِ وَالرّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ وَيَرْفَعُهُ ».
القول في تأويل قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ كأنّكَ حَفِيّ عَنْها قُلْ إنّمَا عِلْمُها عِنْدَ اللّهِ وَلكِنّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ.
يقول تعالى ذكره : يسألك هؤلاء القوم عن الساعة، كأنك حفيّ عنها. فقال بعضهم : يسألونك عنها كأنك حفيّ بهم. وقالوا : معنى قوله :«عنها » التقديم وإن كان مؤخرا. ذكر من قال ذلك.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : يَسْئَلُونَكَ كأنّكَ حَفِيّ عَنْها يقول : كأن بينك وبينهم مودّة، كأنك صديق لهم. قال ابن عباس : لما سأل الناس محمدا ﷺ عن الساعة سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمدا حفي بهم، فأوحى الله إليه : إنما علمها عنده، استأثر بعلمها، فلم يُطْلِع عليها ملَكا ولا رسولاً.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال : قال قتادة : قالت قريش لمحمد ﷺ : إن بيننا وبينك قرابة، فأسرّ إلينا متى الساعة فقال الله : يَسْئَلُونَكَ كأنّكَ حَفِيّ عَنْها.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : يَسْئَلُونَكَ كأنّكَ حَفِيّ عَنْها : أي حفيّ بهم. قال : قالت قريش : يا محمد أسرّ إلينا علم الساعة لما بيننا وبينك من القرابة لقرابتنا منك.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو خالد الأحمر وهانئ بن سعيد، عن حجاج، عن خَصِيف، عن مجاهد وعكرمة : يَسْئَلُونَكَ كأنّكَ حَفِيّ عَنْها قال : حفيّ بهم حين يسألونك.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس : يَسْئَلُونَكَ كأنّكَ حَفِيّ عَنْها قال : قربت منهم، وتحفّى عليهم. قال : وقال أبو مالك : كأنك حفيّ بهم، قال : قريب منهم، وتحفّى عليهم. قال : وقال أبو مالك : كأنك حفيّ بهم فتحدثهم.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : يَسْئَلُونَكَ كأنّكَ حَفِيّ عَنْها كأنك صديق لهم.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : كأنك قد استحفيت المسألة عنها فغلمتها. ذكر من قال ذلك.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : كأنّك حَفِيّ عَنْها استحفيت عنها السؤال حتى علمتها.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا أبو سعد، عن مجاهد في قوله : كأنّكَ حَفِيّ عَنْها قال : استحفيت عنها السؤال حتى علمت وقتها.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك : يَسْئَلُونَكَ كأنّكَ حَفِيّ عَنْها قال : كأنك عالم بها.
قال : حدثنا حامد بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك : يَسْئَلُونَكَ كأنّكَ حَفِيّ عَنْها قال : كأنك تعلمها.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : ثني عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله : يَسْئَلُونَكَ كأنّكَ حَفِيّ عَنْها يقول : يسألونك عن الساعة، كأنك عندك علما منها. قُلْ إنّمَا عِلْمُها عِنْدَ رَبي.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن بعضهم : كأنّكَ حَفِيّ عَنْها : كأنك عالم بها.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : كأنّكَ حَفِيّ عَنْها قال : كأنك عالم بها. وقال : أخفى علمها على خلقه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: ثقلت الساعة على أهل السموات والأرض أن يعرفوا وقتها ومجيئها، لخفائها عنهم، واستئثار الله بعلمها.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٤٧٢ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قوله: (ثقلت في السموات والأرض)، يقول: خفيت في السموات والأرض، فلم يعلم قيامها متى تقوم مَلَك مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل.
١٥٤٧٣ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور= وحدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق = جميعًا، عن معمر، عن بعض أهل التأويل: (ثقلت في السموات والأرض)، قال: ثقل علمها على أهل السموات وأهل الأرض، إنهم لا يعلمون.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: أنها كَبُرت عند مجيئها على أهل السموات والأرض.
١٥٤٧٤ - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور= وحدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق = جميعًا، عن معمر قال: قال الحسن، في قوله: (ثقلت في السموات والأرض)، يعني: إذا جاءت ثقلت على أهل السماء وأهل الأرض. يقول: كبرت عليهم.
١٥٤٧٥ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: (ثقلت في السموات والأرض) قال: إذا جاءت انشقت السماء، وانتثرت النجوم، وكوِّرت الشمس، وسُيِّرت الجبال، وكان ما قال الله; فذلك ثقلها.
١٥٤٧٦ - حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي قال: قال بعض الناس في "ثقلت": عظمت.
* * *
وقال آخرون: معنى قوله: (في السموات والأرض)، : على السموات والأرض.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٤٧٧ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: (ثقلت في السموات والأرض)، أي: على السموات والأرض.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى ذلك عندي بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: ثقلت الساعة في السموات والأرض على أهلها، أن يعرفوا وقتها وقيامها; لأن الله أخفى ذلك عن خلقه، فلم يطلع عليه منهم أحدًا. وذلك أن الله أخبرَ بذلك بعد قوله: (قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو)، وأخبر بعده أنها لا تأتي إلا بغتة، فالذي هو أولى: أن يكون ما بين ذلك أيضًا خبرًا عن خفاء علمها عن
* * *
وأما قوله: (لا تأتيكم إلا بغتة)، فإنه يقول: لا تجيء الساعة إلا فجأة، لا تشعرون بمجيئها، (١) كما: -
١٥٤٧٨ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: (لا تأتيكم إلا بغتة)، يقول: يبغتهم قيامها، تأتيهم على غفلة.
١٥٤٧٩ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: (لا تأتيكم إلا بغتة)، قضى الله أنها لا تأتيكم إلا بغتة. قال: وذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: إن الساعة تهيج بالناس والرجل يُصْلِح حوضه، والرجلُ يسقي ماشيته، والرجل يقيم سلعته في السوق، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يسألك هؤلاء القوم عن الساعة، كأنك حَفِيٌّ عنها.
* * *
[واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (حفي عنها) ]. (٢)
فقال بعضهم: يسألونك عنها كأنك حفي بهم. وقالوا: معنى قوله: "عنها" التقديم، وإن كان مؤخرًا.
(٢) الزيادة بين القوسين، يقتضيها نهج أبي جعفر في تفسيره.
١٥٤٨٠ - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (يسألونك كأنك حفيّ عنها)، يقول: كأن بينك وبينهم مودة، كأنك صديق لهم. قال ابن عباس: لما سأل الناسُ محمدًا ﷺ عن الساعة، سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمدًا حفي بهم، فأوحى الله إليه: إنما علمها عنده، استأثر بعلمها، فلم يطلع عليها ملكًا ولا رسولا.
١٥٤٨١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال قتادة: قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبينك قرابة، فأسِرَّ إلينا متى الساعة! فقال الله: (يسألونك كأنك حفي عنها). (١)
١٥٤٨٢ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: (يسألونك كأنك حفي عنها)، : أي حفي بهم. قال: قالت قريش: يا محمد، أسرّ إلينا علم الساعة، لما بيننا وبينك من القرابة = لقرابتنا منك.
١٥٤٨٣ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، وهانئ بن سعيد، عن حجاج، عن خصيف، عن مجاهد وعكرمة: (يسألونك كأنك حفي عنها) قال: حفي بهم حين يسألونك.
١٥٤٨٤ - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: (يسألونك كأنك حفي عنها) قال: قريب منهم، وتحفَّى عليهم = قال: وقال أبو مالك: كأنك حفي بهم. قال: قريب منهم، وتحفَّى عليهم = قال: وقال أبو مالك: كأنك حفي بهم، فتحدثهم. (٢)
١٥٤٨٥ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال:
(٢) الأثر: ١٥٤٨٤ - ((أبو مالك))، في هذا الخبر، لم أعرف من يكون؟
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: كأنك قد استحفيت المسألة عنها فعلمتها.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٤٨٦ - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (كأنك حفي عنها)، استحفيت عنها السؤال حتى علمتَها.
١٥٤٨٧ - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد، عن مجاهد في قوله: (كأنك حفي عنها) قال: استحفيت عنها السؤال حتى علمت وقتها.
١٥٤٨٨ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: (يسألونك كأنك حفي عنها) قال: كأنك عالم بها.
١٥٤٨٩ -... قال: حدثنا حامد بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك: (يسألونك كأنك حفيّ عنها) قال: كأنك تعلمها. (١)
١٥٤٩٠ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال: ثني عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله: (يسألونك كأنك حفي عنها)، يقول: يسألونك عن الساعة، كأنك عندك علمًا منها = (قل إنما علمها عند ربي).
١٥٤٩١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن بعضهم: (كأنك حفي عنها)، : كأنك عالم بها.
١٥٤٩٢ - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: (كأنك حفي عنها) قال: كأنك عالم بها. وقال: أخفى علمها على
١٥٤٩٣ - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: (يسألونك كأنك حفي عنها)، يقول: كأنك يعجبك سؤالهم إياك = (قل إنما علمها عند الله).
* * *
وقوله: (كأنك حفي عنها)، يقول: لطيف بها. (١)
* * *
فوجَّه هؤلاء تأويل قوله: (كأنك حفي عنها)، إلى حفيّ بها، وقالوا: تقول العرب: "تحفّيت له في المسألة"، و"تحفيت عنه". قالوا: ولذلك قيل: "أتينا فلانًا نسأل به"، بمعنى نسأل عنه.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: كأنك حفي بالمسألة عنها فتعلمها.
فإن قال قائل: وكيف قيل: (حفي عنها)، ولم يُقَل: "حفي بها"، إن كان ذلك تأويل الكلام؟
قيل: إن ذلك قيل كذلك، لأن الحفاوة إنما تكون في المسألة، وهي البشاشة للمسئول عند المسألة، والإكثار من السؤال عنه، والسؤال يوصل ب "عن" مرة، وب "الباء" مرة. فيقال: "سألت عنه"، و"سألت به". فلما وضع قوله: "حفي" موضع السؤال، وصل بأغلب الحرفين اللذين يوصل بهما "السؤال"، وهو "عن"، كما قال الشاعر:
* * *
وأما قوله: (قل إنما علمها عند الله)، فإن معناه: قل، يا محمد، لسائليك عن وقت الساعة وحين مجيئها: لا علم لي بذلك، ولا علم به إلا [عند] الله الذي يعلم غيب السموات والأرض (٣) = (ولكن أكثر الناس لا يعلمون)، يقول: ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن ذلك لا يعلمه إلا الله، بل يحسبون أن علم ذلك يوجد عند بعض خلقه.
* * *
(٢) ديوان الهذليين ٣: ٤٥ من قصيدة له طويلة. وبهذه الرواية التي رواها أبو جعفر ((سؤال حفي))، يختل سياق الشعر. وروايته في ديوانه:
| فإن ترني قصدًا قريبًا، فإنه | بعيد علي المرء الحجازي أين |
| بعيد على ذى حاجة، ولو أنني | إذا نفجت يوماً بها الدار آمن |
| سؤال الغني عن أخيه، كأنه | بذكرته وسنان أو متواسن |
(٣) في المطبوعة: ((ولا يعلم به إلا الله)) وليس بجيد، وأثبت ما في المخطوطة وزدت ما يقتضيه السياق بين قوسين.