تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) روى :«أن جبريل - صلوات الله عليه - لما نزل بهذه الآية، قال : يا رسول الله، أتيتك بمكارم الأخلاق، فروى أن النبي ﷺ سأل جبريل عن معنى هذه الآية، فقال له : حتى أسأل ربي، ثم رجع وقال : صل من قطعك، وأعط من حرمك واعف عن من ظلمك »(١).
ثم اختلفوا في معنى هذا العفو، فقال عطاء : هو الفضل من أموال الناس. وكان في الابتداء يجب التصدق بما فضل من الحاجات، ثم صار منسوخا بآية الزكاة، وهذا معنى قوله تعالى :( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ) (٢) وقال ابن الزبير : العفو : ما تيسر من أخلاق الناس، أي : خذ الميسور من أخلاق الناس مثل : قبول الاعتذار، والعفو والمساهلة في الأمور، وترك البحث عن الأشياء ونحو ذلك. وقوله :( وأمر بالعرف ) هو الأمر بالمعروف، وهو ما يعرفه الشرع.
وقوله :( وأعرض عن الجاهلين ) يعني : إذا سفه عليك الجاهل فلا تكافئه ولا تقابله بالسفه، وذلك مثل قوله :( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) (٣) وذلكسلام المنازعة، قال :( وإذا مروا باللغو مروا كراما ) (٤) يعني : أكرموا أنفسهم عن الخوض فيه.
وروى أن عيينة بن حصن - وكان سيد غطفان - لما قدم المدينة قال للحر بن قيس : لك وجه عند أمير المؤمنين ؛ فاستأذن لي عليه، فاستأذن له فدخل على عمر - رضي الله عنه - فقال له : إنك لا تقضي فينا بالحق، ولا تقسم فينا بالعدل، فغضب عمر وهم أن يؤديه، فقال الحر بن قيس : إن الله تعالى يقول :( وأعرض عن الجاهلين ) وهذا من الجاهلين، فسكت عمر - رضي الله عنه -.
١ - رواه الطبري في التفسير (٩/١٠٥)، وبان أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (ص ٢٤ رقم ٢٥) من طريق سفيان عن أُمَيّ الصيرفي به، ووقع في الطبري: أبي بالباء، وهو تحريف، وانظر الإكمال لابن ماكولا (٧/١٨٩). ورواه ابن مردويه عن جابر، وعن قيس بن سعد بن عبادة كما في تخريج الكشاف للزيلعي (١/٤٧٦-٤٧٧)، والدر المنثور (٣/١٦٦)..
٢ - البقرة: ٢١٩..
٣ - الفرقان: ٦٣..
٤ - الفرقان: ٧٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى