غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿طيف﴾ بسكون الياء : ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي. الباقون :﴿طائف﴾ على وزن «فاعل» ﴿يمدونهم﴾ من الإمداد : أبو جعفر ونافع. الآخرون : بفتح الياء وضم الميم من المد ﴿العفو وأمر﴾ مدغماً : أبو عمرو. وقرئ بغير همز حيث كان : يزيد والشموني وحمزة في الوقف.
الوقوف :﴿الجاهلين﴾ ه ﴿بالله﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿مبصرون﴾ ه ج لأن قوله ﴿وإخوانهم﴾ مبتدأ إلا أن المعنى يقتضي الوصل لبيان اختلاف حالي الفريقين ﴿لا يقصرون﴾ ه ﴿اجتبيتها﴾ ط ﴿من ربي﴾ ج لاختلاف الجملتين بلا عطف مع اتحاد المقول ﴿يؤمنون﴾ ه ﴿ترحمون﴾ من الغافلين } ه ﴿يسجدون﴾ ه.
قال أبو زيد : لما نزل قوله ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ قال رسول الله ﷺ : كيف يا رب والغضب ؟ فنزل ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ﴾ أي غرز ونخس جعل النزغ نازغاً كما قيل : جدّ جدّه. عن أبي زيد : نزغت ما بين القوم أي أفسدت ما بينهم وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر، وأكثر ما يكون ذلك عند الغضب. ونزغ الشيطان وسوسته في القلب بما يسوّل للإنسان من المعاصي وعلاجه ودفعه إنما يكون بالاستعاذة وهي الاستخلاص عن حول الإنسان وقوته إلى حول الرحمن وقوته والإعراض عن مقتضى الطبع والإقبال على أوامر الشرع عن معاذ بن جبل قال : استبَّ رجلان عند النبي حتى عرف الغضب في وجه أحدهما فقال النبي ﷺ :«إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب غضبه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ». قال بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء : لو لم يجز على النبي الإقبال على وسوسة الشيطان لم يأمر بالاستعاذة. والجواب أن كلمة «إن » لا تفيد وقوع الشرط، ولو سلم فمن أين علم أنه ﷺ قبل تلك الوسوسة منه ؟ ولو سلم فمحمول على ترك الأولى. ثم ختم الآية بقوله ﴿إنه سميع عليم﴾ ليعرف أن القول اللساني بدون المعارف الحقيقية عديم الفائدة وكأنه تعالى قال : اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع. وأحضر معنى الاستعاذة في ضميرك فإني عليم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿وأمر بالعرف﴾ وهو طلب الحق لأنه معروف العارفين ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ الذين يطلبون غير الله ﴿من الشيطان نزغ﴾ في طلب غير الله ﴿فاستعذ بالله﴾ من طلب غير الله ﴿إن الذين اتقوا﴾ هم أرباب القلوب فإن التقوى من شأن القلب كما قال ﷺ :«التقوى هاهنا» وأشار إلى صدره. ﴿طائف من الشيطان﴾ نزغ من العمل الشيطاني يراه القلب بنور التقوى ويعرفه فيذكره أنه يفسده ويكدر صفاءه فيجتنبه ﴿وإخوانهم﴾ يعني إخوان القلوب وهم النفوس الأمارة ﴿وإذا لم تأتهم﴾ أي لم تأت القلوب ﴿بآية﴾ من الله لتعجز النفوس عن تكذيبها ﴿قالوا﴾ أي النفوس للقلب لولا اختلقتها من خاصية قلبيتك لتزكية النفوس ﴿قل إنما أتبع﴾ إلهام فلا أقدر على تزكية النفوس إلا بقوة الإلهام الرباني. ﴿فاستمعوا﴾ بآذانكم الظاهرة ﴿وأنصتوا﴾ بألسنتكم الباطنة ﴿لعلكم ترحمون﴾ بالاستماع بالسمع الحقيقي وذلك قوله :«كنت له سمعاً وبصراً فبي يسمع وبي يبصر» فمن سمع القرآن من بارئه فقد سمع من قارئه وهذا سر الرحمن علم القرآن فهو المستعد لخطاب ﴿واذكر ربك في نفسك﴾ بأن تبدل أخلاقها الله ﴿تضرعاً﴾ في البداية وهو من باب التكلف ﴿وخيفة﴾ في الوسط ﴿ودون الجهر من القول﴾ في النهاية وهو مقام الفناء فإن إفشاء سر الربوبية كفر في غدوّ الأزل وآصال الأبد، فإن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ولهذا قال في الأزل ﴿فاذكروني أذكركم﴾ [البقرة: ١٥٢] ومن هنا قال يوسف بن الحسين الرازي : ما قال أحد الله إلا الله ﴿ولا تكوننَّ من الغافلين﴾ والذين لا يعلمون أن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ﴿إن الذين عند ربك﴾ وهم الذين بقوا ببقاء الله ﴿يستكبرون عن عبادته﴾ لأنهم أفنوا أخلاقهم في أخلاقه ﴿يسبحونه﴾ ينزهونه عن الحلول والاتصال والاتحاد ﴿وله يسجدون﴾ في الوجود والعدم من الأزل إلى الأبد منه المبدأ وإليه المنتهى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى