غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿طيف﴾ بسكون الياء : ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي. الباقون :﴿طائف﴾ على وزن «فاعل» ﴿يمدونهم﴾ من الإمداد : أبو جعفر ونافع. الآخرون : بفتح الياء وضم الميم من المد ﴿العفو وأمر﴾ مدغماً : أبو عمرو. وقرئ بغير همز حيث كان : يزيد والشموني وحمزة في الوقف.
الوقوف :﴿الجاهلين﴾ ه ﴿بالله﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿مبصرون﴾ ه ج لأن قوله ﴿وإخوانهم﴾ مبتدأ إلا أن المعنى يقتضي الوصل لبيان اختلاف حالي الفريقين ﴿لا يقصرون﴾ ه ﴿اجتبيتها﴾ ط ﴿من ربي﴾ ج لاختلاف الجملتين بلا عطف مع اتحاد المقول ﴿يؤمنون﴾ ه ﴿ترحمون﴾ من الغافلين } ه ﴿يسجدون﴾ ه.
أما قوله ﴿وإخوانهم﴾ فالضمير فيه يرجع إلى الشيطان، وجمع لأن المراد به الجنس كقوله ﴿أولياؤهم الطاغوت﴾ [البقرة: ٢٥٧] والضمير المرفوع في ﴿يمدون﴾ يرجع إلى الأخوان لأن شياطين الإنس يعضدون شياطين الجن على الإغواء والإضلال، أو إلى الشياطين فيكون الخبر جارياً على غير من هو له. والمعنى وإخوان الشياطين ليسوا بمتقين فإن الشياطين يمدونهم أي يكونون مدداً لهم في الغي. وجوّز أن يراد بالإخوان الشياطين والضمير المجرور يعود إلى الجاهلين فيكون الخبر جارياً على ما هو له. قال في الكشاف : والأوّل أوجه لأن ﴿إخوانهم﴾ في مقابلة ﴿الذين اتقوا﴾ قال الواحدي : عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على «أفعلت » كقوله ﴿إنما نمدهم به من مال﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿وأمددناهم بفاكهة﴾ [الطور: ٢٢] ﴿أتمدونن بمال﴾ [النمل: ٣٦] وما كان بخلافه فإنه يجيء على مددت قال ﴿ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾ [البقرة: ١٥] فالوجه هاهنا قراءة العامة ووجه الضم الاستهزاء والتهكم نحو ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١] أما قوله ﴿ثم لا يقصرون﴾ فالإقصار الكف عن الشيء. قال ابن عباس : أي لا يمسك الغاوي عن الضلال والمغوي عن الإضلال، ومعنى «ثم » تبعيد عدم الإقصار عن المدد فإنه يجب على العاقل إذا أقبل علي غي أن يمسك عنه سريعاً أن يتمادى فيه وينهمك ولهذا قيل : الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿وأمر بالعرف﴾ وهو طلب الحق لأنه معروف العارفين ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ الذين يطلبون غير الله ﴿من الشيطان نزغ﴾ في طلب غير الله ﴿فاستعذ بالله﴾ من طلب غير الله ﴿إن الذين اتقوا﴾ هم أرباب القلوب فإن التقوى من شأن القلب كما قال ﷺ :«التقوى هاهنا» وأشار إلى صدره. ﴿طائف من الشيطان﴾ نزغ من العمل الشيطاني يراه القلب بنور التقوى ويعرفه فيذكره أنه يفسده ويكدر صفاءه فيجتنبه ﴿وإخوانهم﴾ يعني إخوان القلوب وهم النفوس الأمارة ﴿وإذا لم تأتهم﴾ أي لم تأت القلوب ﴿بآية﴾ من الله لتعجز النفوس عن تكذيبها ﴿قالوا﴾ أي النفوس للقلب لولا اختلقتها من خاصية قلبيتك لتزكية النفوس ﴿قل إنما أتبع﴾ إلهام فلا أقدر على تزكية النفوس إلا بقوة الإلهام الرباني. ﴿فاستمعوا﴾ بآذانكم الظاهرة ﴿وأنصتوا﴾ بألسنتكم الباطنة ﴿لعلكم ترحمون﴾ بالاستماع بالسمع الحقيقي وذلك قوله :«كنت له سمعاً وبصراً فبي يسمع وبي يبصر» فمن سمع القرآن من بارئه فقد سمع من قارئه وهذا سر الرحمن علم القرآن فهو المستعد لخطاب ﴿واذكر ربك في نفسك﴾ بأن تبدل أخلاقها الله ﴿تضرعاً﴾ في البداية وهو من باب التكلف ﴿وخيفة﴾ في الوسط ﴿ودون الجهر من القول﴾ في النهاية وهو مقام الفناء فإن إفشاء سر الربوبية كفر في غدوّ الأزل وآصال الأبد، فإن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ولهذا قال في الأزل ﴿فاذكروني أذكركم﴾ [البقرة: ١٥٢] ومن هنا قال يوسف بن الحسين الرازي : ما قال أحد الله إلا الله ﴿ولا تكوننَّ من الغافلين﴾ والذين لا يعلمون أن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ﴿إن الذين عند ربك﴾ وهم الذين بقوا ببقاء الله ﴿يستكبرون عن عبادته﴾ لأنهم أفنوا أخلاقهم في أخلاقه ﴿يسبحونه﴾ ينزهونه عن الحلول والاتصال والاتحاد ﴿وله يسجدون﴾ في الوجود والعدم من الأزل إلى الأبد منه المبدأ وإليه المنتهى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى