تيسير التفسير — إبراهيم القطان

عن الكتاب
استمعوا له: اصغوا. انصتوا: اسكتوا. خيفة: حالة الخوف والخشية في الغدو والآصال: أوقات الصباح والمساء. يسبّحونه: ينزهونه عما لا يليق به.
لما ذكّر اللهُ مزايا القرآن الكريم، وانه بصائر تكشف وتنير وهدى يرشد ويهدي، ورحمة تغمر وتفيض- أمر في هذه الآية بالاستماع والانصات له، لتدبُّرِ ما فيه من ذلك. فأنصتوا إلى أنه:
إذا تُلي القرآن عليكم أيها المؤمنون فأصغوا إليه بأسماعكم، واستجمِعوا حواسكم لتتدبروا مواعظه، وتفوزوا برحمة ربكم.
وبعد أن جاء الأمر بهذا العلاج فيه يختص بالمعاملة، وفيما يختص بقراءة القرآن، يأتي الأمر والتوجيه إلى مَلاك الأمر كله وهو ذِكر الله في القلب بعظَمته وجلاله رجاءَ الثواب، على ان يكون ذلك بهدوء واطمئنان لا إزعاج فيه، كيما تهدأ الأعصاب ويسبح الفكر في معاني الجلال والجمال، كما يرشد الى ان يكون ذلك شأن المؤمن في كل وقت.
﴿واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الجهر مِنَ القول بالغدو والآصال وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الغافلين﴾.
استحضِرْ عظَمة ربك من مشاهداتك في كونه الذي خلق، وفي آثاره العظيمة فيه، وإنعاماته المادية والروحية عليك، فتعرَّف من كل هذا على ربوبيته بالتقرب اليه والخضوع له والخوف منه. واذكر ربّك هادئ النفس مطمئن البال في الصباح وفي المساء تَنغمر نفسك بقيض من الرضا الرّباني، يبعث منك واليك الخير كله، وتكون في مراقبة دائمة وشهود مستمر، بذلك لا تكون في عامة أوقاتك من الغافلين عن ذكر الله.
ثم تختم السورة بالإرشاد الى ان الملائكة مع عظيم شرفهم وسمو مرتبتهم معترفون بعوديتهم، خاضعون عزّ الربوبية، لا يخالجهم في عبادتهم كِبر، وهم دائما يسبّحون الله وله يسجدون. فما أحوج الإنسان وقد ركّبت فيه مبادئ الشهوة والغضب ان يتخذ الى ربه سبيلا، فيعبد بحق.
وهذه الآية إحدى الآيات التي طُلب الى المؤمنين ان يسجُدوا عند تلاوتها او سماعها، وهي اربع عشرة آية في القرآن الكريم.
وهذه هي السجدة المعروفة بسجدة التلاوة: وهي سجدة بين تكبيرتين: تكبيرة لوضع الجبهة على الأرض، وأخرى للرفع من السجود، دون تشهد ولا تسليم. ويشترط لها ما يشترط لصلاة م الطهارة والنية واستقبال القبلة.
والحكمة في هذه السجدة إنها نوع من التربية العملية الروحية في إعلان التمسك بالحق والإعراض عن الباطل، ومراغمة المبطلين، والسير في طريق المثل العليا للذين حمَّلهم الله أمانة الحق والدعوة اليه. وبذلك كانت سجدة التلاوة شعارا عاما للمؤمنين في اعلان تقديسهم عبادتهم، وشدتهم في مخلافة الباطل كلَّما قرأوا القرآن أو سموه جعلّنا الله من المسبحين بحمده، الساجدين له، المقتدين بانبيائه، المتشبهين بالملأ الأعلى، انه سميع مجيب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى