فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ يحتمل أنه من عند الله مستأنف ويحتمل أنه من جملة المقول المأمور به، أمرهم الله سبحانه بالاستماع للقرآن والإنصات له عند قراءته لينتفعوا به ويتدبروا ما فيه من الحكم والمصالح وقال أبو البقاء : الضمير لله بمعنى لأجله وفيه بعد.
قيل هذا الأمر خاص بوقت الصلاة عند قراءة الإمام ولا يخفاك أن اللفظ أوسع من هذا والعام لا يقتصر على سببه فيكون الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في كل حالة وعلى أي صفة مما يجب على السامع، وقيل هذا خاص بقراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن دون غيره ولا وجه لذلك، وظاهر الأمر الوجوب، وهو قول الحسن وأهل الظاهر وقيل الندب والاستحباب.
قال أبو هريرة : نزلت في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة وفي لفظ عنه أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم فأمروا بالسكوت، وإليه ذهب جمهور المفسرين كما في المعالم والكشاف وأنوار التنزيل وحاشية الكمالين وغيرها، وقال ابن عباس : يعني في الصلاة المفروضة وعن محمد بن كعب القرظي ومجاهد وعبد الله بن مغفل وابن مسعود نحوه.
وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف، وصرحوا بأن هذه الآية نزلت في قراءة الصلاة من الإمام، وعن الحسن قال : عند الصلاة المكتوبة وعند الذكر، وعن ابن عابس في الصلاة وحين ينزل الوحي، وقيل نزلت في السكوت عند الخطبة يوم الجمعة، وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء واختاره جماعة وفيه بعد، لأن الآية مكية، والجمعة إنما وجبت بالمدينة والأول أولى، وقال ابن عباس في الجمعة والعيدين.
قال الرازي : إنه خطاب مع الكفار عند قراءة الرسول عليهم القرآن في معرض الاحتجاج بكونه معجزا على صدق نبوته، وعند هذا يسقط احتجاج الخصوم بهذه الآية من كل الوجوه، ثم ذكر ما يقوى أن حمل الآية على ما ذكر أولى بوجوه.
وقال لو حملنا الآية على منع المأموم من القراءة خلف الإمام فسد النظم واختل الترتيب فثبت أن حمله على ما ذكرناه أولى، وهذه الآية لا دلالة فيها على هذه الحالة انتهى.
وأشار القاضي على أن احتجاجهم بهذه الآية ضعيف، وقال بعض محشيه : أي مردود بخبر الصحيحين لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب انتهى.
أقول : رواه الجماعة عن عبادة بن الصامت وفي لفظ :" لا تجزى صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " (١) رواه الدارقطني وقال إسناده صحيح وصححه ابن القطان ولها شاهد من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ مرفوعا، أخرجه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما، ولأحمد بلفظ :" لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن " وفي الباب عن أنس عند مسلم والترمذي وعن أبي قتادة عند أبي داود والنسائي وعن ابن عمر وجابر عند ابن ماجة، وعن علي عند البيهقي وعن عائشة وأبي هريرة.
والحديث يدل على تعيين فاتحة الكتاب في الصلاة وأنه لا يجزي غيرها، وإليه ذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب العترة لأن النفي المذكور في الحديث يتوجه إلى الذات إن أمكن انتفاؤها وإلا توجه إلى ما هو أقرب إلى الذات وهو الصحة لا الكمال لأن الصحة أقرب المجازين، والكمال أبعدهما والحمل على أقرب المجازين واجب وتوجه النفي إلى الذات ههنا ممكن كما قال الحافظ في الفتح لأن المراد بالصلاة معناها الشرعي لا اللغوي لما تقرر من ألفاظ الشارع محمولة على عرفه لكونه بعث لتعريف الشرعيات لا لتعريف الموضوعات اللغوية، وإذا كان المنفي الصلاة الشرعية استقام نفي الذات.
ولو سلم أن المراد هنا الصلاة اللغوية لكان المتعين توجه النفي إلى الصحة أو الإجزاء لا إلى الكمال لأنها أقرب المجازين، لأن الرواية المتقدمة مصرحة بالإجزاء فيتعين تقديره.
وإذا تقرر هذا فالحديث صالح للاحتجاج به على أن الفاتحة من شروط صحة الصلاة لا من واجباتها فقط لأن عدمها يستلزم عدم الصلاة وهذا شأن الشرط، وذهبت الحنفية وطائفة قليلة إلى أنها لا تجب بل الواجب آية من القرآن، قاله النووي : والصواب ما قاله الحافظ أن الحنفية يقولون بوجوب قراءتها لكن بنوا على قاعدتهم أنها مع الوجوب ليست شرطا في صحة الصلاة لأن وجوبها إنما ثبت بالسنة والذي لا يتم الصلاة إلا به فرض، والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن وقد قال تعالى :﴿فاقرأوا ما تيسر من القرآن﴾ فالفرض قراءة ما تيسر، وتعين الفاتحة إنما ثبت بالحديث فيكون واجبا يأثم من يتركه وتجزى الصلاة بدونه.
وهذا تأويل على رأي فاسد حاصله رد كثير من السنة المطهرة بلا برهان ولا حجة نيرة فكم موطن من المواطن يقول فيه الشارع لا يجزى كذا ولا يقبل كذا ولا يصح كذا ويقول المتمسكون بهذا الرأي يجزى ويقبل ويصح، ولمثل هذا حذر السلف من أهل الرأي والكلام في ذلك تعقبا وردا يطول جدا وقد قضى الوطر منه الشوكاني في نيل الأوطار فراجعه.
ومن أدلنهم حديث أبي سعيد بلفظ : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها(٢)، قال ابن سيد الناس لا ندري بهذا اللفظ من أين جاء، وقد صح عن أبي سعيد عند أبي داود أنه قال : أمرنا أن نقرأ فاتحة الكتاب وما تيسر، وروايته ثقات، وقال ابن سيد الناس إسناده صحيح ورجاله ثقات وصححه الحافظ أيضا.
ومن أدلتهم حديث أبي هريرة عند أبي داود بلفظ : لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب ويجاب بأنه من رواية جعفر بن ميمون وليس بثقة كما قاله النسائي، وقال ليس بقوي الحديث، وقال ابن عدي يكتب حديثه في الضعفاء.
وأيضا قد روى أبو داود هذا الحديث من طريقه عن أبي هريرة بلفظ أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة الفاتحة فما زاد، ورواه أحمد وليست الرواية بأولى من هذه.
وأيضا أين تقع هذه الرواية على فرض صحتها بجنب الأحاديث المصرحة بفرضية فاتحة الكتاب وعدم إجزاء الصلاة بدونها.
وقد نسب القول بوجوب الفاتحة في كل ركعة النووي في شرح مسلم والحافظ في الفتح إلى الجمهور، ورواه ابن سيد الناس في شرح الترمذي عن علي وجابر وعن ابن عون والأوزاعي وأبي ثور، قال وإليه ذهب أحمد وداود، وبه قال مالك إلا في الناسي.
واستدلوا أيضا على ذلك بما وقع عند الجماعة واللفظ للبخاري من قوله صلى الله عليه وآله وسلم للمسيء : ثم افعل ذلك في صلاتك كلها، بعد أن أمره بالقراءة وفي رواية لأحمد وابن حبان والبيهقي في قصة المسيء صلاته أنه قال في آخره : ثم افعل ذلك في كل ركعة. وهذا الدليل إذا ضممته إلى قوله في حديث المسيء ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم حملته على الفاتحة لما تقدم انتهض ذلك للاستدلال به على وجوب الفاتحة في كل ركعة وكان قرينة لحمل قوله في حديث المسيء ( ثم كذلك في كل صلاتك فافعل ) على المجاز وهو الركعة وكذلك حمل لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب عليه(٣).
ويؤيد وجوب الفاتحة في كل ركعة حديث أبي سعيد عند ابن ماجه بلفظ لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها، قال الحافظ وإسناده ضعيف(٤)، وحديث أي سعيد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة، رواه إسماعيل بن سعيد الشاكنجي صاحب الإمام أحمد.
وظاهر هذه الأدلة وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة من غير فرق بين الإمام والمأموم وبين سر الإمام وجهره.
ومن جملة المؤيدات لذلك ما أخرجه مالك في الموطأ والترمذي وصححه عن جابر موقوفا قال : من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام، وما أخرجه أحمد وابن ماجة عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : من صلى صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج(٥)، ومثله عن أبي هريرة عند ابن ماجة من طريق محمد بن اسحق وفيه مقال مشهور، ولكنه يشهد لصحته حديث أبي هريرة عند الجماعة إلا البخاري بلفظ :( من صلى صلاة لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج ) (٦)، ولا يقال إن الخداج معناه النقص. وهو لا يستلزم البطلان لأن الأصل أن الصلاة الناقصة لا تسمى صلاة حقيقة.
وأما حديث أبي هريرة مرفوعا : وإذا قرأ فأنصتوا، رواه الخمسة إلا الترمذي وقال مسلم هو صحيح فهو عام لا يحتج به على خاص.
وأما حديث عبد الله بن شداد مرفوع : من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة رواه الدارقطني(٧)، فقال في المنتقى وقد روي مسندا من طرق كلها ضعاف والصحيح أنه مرسل انتهى، قال الدارقطني وهو الصواب، وقال الحافظ هو مشهور من حديث جابر وله طرق عن جماعة من الصحابة كلها معلولة، وقال في الفتح إنه ضعيف عند جميع الحفاظ وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني، وهو عام أيضا لأن القراءة مصدر مضاف وهو من صيغ العموم وحديث عبادة في هذا الباب خاص فلا معارضة، وقال في شر المنتقى هو حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج به انتهى.
وأما قوله تعالى :﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾ فقد مر الجواب عنه وهو أيضا عام وحديث عبادة خاص، ويؤيد ذلك الأحاديث المتقدمة والآتية القاضية بوجوب قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة من غير فرق بين الإمام والمؤتم لأن البراءة عن عهدتها إنما تصل بناقل صحيح لا بمثل هذه العمومات التي اقترنت بما يجب تقديمه عليها.
وعن عبادة قال : صلى بنا رسول الله عليه وآله وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال : إني أراكم تقرأون وراء إمامكم قال قلنا يا رسول الله أي والله قال : لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لا يقرأ بها رواه أبو داود والترمذي، وفي لفظ فلا تقرأوا بشيء من القرآن إذا جهرت به إلا بأم القرآن(٨)، رواه أبو داود والنسائي والدارقطني، وقال رجاله كلهم ثقات.
وعنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( لا يقرأن أحد منكم شيئا من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن ) (٩)، رواه الدارقطني، وقال رجاله كلهم ثقات، وأخرجه أيضا أحمد والبخاري في جزء القراءة وصححه وابن حبان والحاكم والبيهقي من طريق ابن اسحق قال حدثني مكحول عن محمود بن ربيعة عن عبادة، وتابعه زيد بن واقد وغيره عن مكحول.
ومن شواهد ما رواه أحمد من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن محمد ابن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( لعلكم تقرأن والإمام يقرأ قالوا إنا لنفعل، قال : لا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب )، قال الحافظ : إسناده حسن ورواه ابن حبان من طريق أيوب بن أبي قلابة عن أنس، وليست بمحفوظة ومحمد ابن اسحق قد صرح بالتحديث فذهبت مظنة تدليسه، وتابعه من تقدم.
قال الشوكاني : الحديث استدل به من قال بوجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام وهو الحق وظاهر الحديث الإذن بقراءة الفاتحة جهرا لأنه استثنى من النهي عن الجهر خلفه، ولكنه أخرج ابن حبان من حديث أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( أتقرأون في صلاتكم خلف الإمام والإمام يقرأ فلا تفعلوا وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه ) وأخرجه الطبراني أيضا في الأوسط والبيهقي وأخرجه عبد الرزاق عن أبي قلابة مرسلا.
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال :( هل قرأ معي أحد منكم آنفا فقال رجل نعم يا رسول الله، فقال إني أقول ما لي أنازع القرآن ) (١٠) قال : فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله
١ - الدارقطني كتاب الصلاة ١/٣٢٢..
٢ - صحيح الجامع الصغير ٧٣٨٩..
٣ - مسلم ٣٩٧ – البخاري ٤٦١..
٤ - ضعيف الجامع الصغير ٦٣١٣..
٥ - صحيح الجامع الصغير ٦٢٢٤..
٦ - مسلم ٣٩٥..
٧ - الدارقطني كتاب الصلاة ١/ ٤٠٣..
٨ - الدارقطني كتاب الصلاة ١/٣١٩..
٩ - الدارقطني كتاب الصلاة ١/ ٣٢٠..
١٠ - صحيح الجامع الصغير ٦٩١٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى