تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٢٠٤ وقوله تعالى :﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ الآية أمر الله تعالى بالاستماع إلى هذا القرآن والإنصات له إذا قرئ. وإن كان في العقل أن من خاطب آخر بمخاطبات يلزمه الاستماع إلى من يخاطبه، ويشافهه. فالله سبحانه إذا خاطب بخطاب(١) أولى أن يستمع له مع ما ذكر في غير موضع من القرآن آيات ما يوجب في العقل الاستماع إليه كقوله تعالى :﴿هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة﴾ [الأعراف: ٢٠٣] وكقوله تعالى :﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم﴾ [الأعراف: ٣] وغير ذلك من الآيات، ولا سبيل أن يعرف أنه بصائر وأنه هدى وما ذكر [ إلا ](٢) بالاستماع إليه. والتفكر فيه.
فدل أن الاستماع لازم في العقل لمن(٣) له أدنى عقل على ما ذكر من الآيات. ولكنه [ ذكر ههنا الاستماع إليه ](٤) والله أعلم لوجهين :
أحدهما : مقابل ما كانوا يقولون :﴿لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه﴾ [فصلت: ٢٦] أمر عز وجل المؤمنين بالاستماع إليه مكان قولهم :﴿لا تسمعوا لهذا القرآن﴾ وأمر بالإنصات إلى(٥) ما يقولون ﴿والغوا فيه﴾.
والثاني : يجوز أن يكون أمر بالاستماع إليه في الصلاة على ما قال بعض أهل التأويل : إنه في الصلاة. وقال بعضهم : في حال الخطبة لما يسبق إلى أوهامهم أنه لما اشتغلوا بغيرها من العبادات، ولزمهم أنواع القرب أن يسقط عنهم حق الاستماع، أمر بالاستماع إليه والإنصات له ليعلموا أن حق الاستماع لازم في كل حال.
ثم الاستماع إليه يكون لتفهّم ما أودع فيه من الأمر والنهي والوعد والوعيد وغيره، والإنصات للتعظيم له والتبجيل.
ثم الاستماع له [ لم ](٦) يلزم لنفس التلاوة، ولكن إنما يلزم لما أودع فيه من الأمر والنهي والوعد والوعيد وغيره ليفهموا ما فيه، ويقبلوا، ويقوموا بوفاء ذلك.
وأما سائر الأذكار فإنما صارت عبادة لنفسها. لذلك لم يلزم الاستماع إلى سائر الأذكار، ولزم لتلاوة القرآن كلام الله وكتابه. ومن الجفاء والاستخفاف أن يكتب إنسان إلى أخيه كتابا، لا ينظر فيه، ولا يستمع له.
فترك الاستماع إلى كتاب الله أعظم في الجفاء والاستخفاف ولأن القرآن يجهر، وسائر الأذكار لا تجهر. فإن كانت تجهر، يستمع(٧) إليها كما يستمع إلى القرآن، والله أعلم.
وذكر في بعض القصة أن الآية نزلت في الصلاة لأن رسول الله إذا قرأ في صلاته كانوا يقولون مثل ذلك، فنزلت الآية بالنهي عن ذلك والأمر بالاستماع إليه كما يستمع إلى القرآن، والله أعلم. /١٩٤-أ/ وذكر أنهم كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار. فنزلت الآية. لذلك لا ندري كيف كانت القصة ؟ وفيم كانت ؟ وقد يحتمل ما ذكرنا آنفا.
ثم إن كانت الآية في الصلاة ففيه دلالة النهي عن القراءة خلف الإمام لأنه أمر بالاستماع إليه والإنصات له.
وعلى ذلك جاءت الأخبار. روي عن أبي العالية [ أنه ](٨) قال ( كان النبي ﷺ إذا صلى قرأ أصحابه أجمعون خلفه.
حتى [ نزلت الآية ](٩) ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ فسكتوا ) [ السيوطي في الدر المنثور : ٣/٦٣٥ ].
وعن علي بن أحمر ( أن النبي ﷺ، قرأ في صلاة الفجر الواقعة، وقرأها رجل خلفه، فلما فرغ من الصلاة قال : من الذي ينازعني في هذه السورة ؟ فقال رجل : أنا يا رسول الله. فأنزل الله ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [ بمعناه عن أبي هريرة : ابن ماجه : ٨٤٨ ]. وغير ذلك من الأخبار.
وقال(١٠) قوم : إن الإنصات الذي أمر به المؤتمّ معناه : ألا يجهر بقراءته، وليس فيه نهي أن يقرأ في نفسه.
وزعم بعضهم أن القارئ مخفيا يسمى ناصتا منصتا. واستدل بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه [ أنه ](١١) قال ( [ كان ](١٢) رسول الله ﷺ، إذا كبّر سكت بين التكبير والقراءة. قلت :[ بأبي أنت وأمي [ أرأيت ](١٣) سكاتك بين التكبير والقراءة. أخبرني ما تقول : قال : أقول : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المغرب والمشرق، وغير ذلك من الدعوات ) [ البخاري : ٧٤٤ ]. فقال هذا القائل : قد سمى النبي ﷺ القارئ مخفيا ساكتا. الصامت مثل الساكت. فيجوز أن يسمى صامتا، وهو أن يقرأ مخفيا كما يسمى ساكتا.
قال العمّيّ. غلط هذا القائل في تشبيه الصامت بالساكت لأن الأسماء لا تقاس، وإنما يطلق في كل واحد منها ما أطلقته اللغة فيه.
ومما يبيّن غلطه أن الله يقول :﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾ فلو كان القارئ مخفيا يسمى صامتا ناصتا مستمعا. وإنما يكون مستمعا صامتا إذ صمت فلم يقرأ. فمن أطلق له أن يقرأ، والإمام يقرأ، فلم يستمع، ولا أنصت.
ومما يدل على غلطه أيضا أن العلماء جميعا ينهون المؤتمّ عن القراءة. وإنما يأمر بالقراءة خلف الإمام أن يقرأ إذا سكت إمامه، ويأمر هؤلاء الإمام أن يقف ساعة إذا فرغ من قراءته حتى يقرأ المؤتمّون. فلو كانوا يجعلون القارئ في نفسه، والإمام يقرأ جهرا، صامتا ما أمره بتأخير القراءة حتى يفرغ إمامه من القراءة. فهذا يبين غلط المستدل بحديث أبي هريرة في استدلاله.
ومما يدل على أن المؤتمّ منهيّ عن أن يقرأ، والإمام يجهر، ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه ( أن النبي ﷺ صلى بهم صلاة، فظُن أنها الصبح، فلما سلّم أقبل على الناس، قال : هل يقرأ أحد منكم ؟ فقال رجل : أنا، فقال النبي : إني أقول : مالي أنازع القرآن ؟ ) [ الترمذي ٣١٢ ] قال أبو هريرة : فانتهى الناس عن القراءة في ما يجهر فيه النبي، فقال قوم : إن أبا هريرة قد نهى(١٤) الناس عن القراءة خلف النبي في ما جهر فيه. فيقال : إن أبا هريرة لم يرو ذلك عن النبي ﷺ.
ثم مما يدل على أن المؤتمّ لا يقرأ، جهر الإمام، أو خافت، قول النبي ( مالي أنازع القرآن ) وقد علمنا أن المؤتمّ لم يجهر بقراءته، فيتأوّل متأوّل منازعته النبي ﷺ على أنه شغل، فلا وجه لقوله ( مالي أنازع القرآن ) ؟ إلا بنهيه المؤتمّ عن أن يقرأ، جهر إمامه، أو خافت.
وقد روي عن النبي ﷺ، ما يبين النهي عن القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه، أو يخافت، ما روي عن عمران [ بن حصين ](١٥) أن النبي ﷺ صلى بأصحابه الظهر، فلما قضى صلاته قال : أيّكم قرأ ﴿سبّح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] ؟ فقال بعض الناس : أنا يا رسول الله، فقال : قد عرفت أن بعضكم خالجنيها ) [ الطبراني في الكبير ١٨/٢١١ ورقمه ٥٢٢ ] فبيّن عمران بن حصين أن الرجل خافت بقراءته، ودل أن النهي الذي رواه أبو هريرة لم يكن في حال جهر الإمام دون مخافتته، وأن المؤتمّ منهيّ عن القراءة خلف الإمام في كل الصلوات.
وقد روي عن النبي ﷺ بالنهي عن القراءة خلف الإمام أحاديث كثيرة : ما روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وعمران [ بن ](١٦) حصين عنه، وما روي عن عبد الله [ بن مسعود ](١٧) :( كنا نقرأ خلف النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ، خلطتم عليّ القرآن ) [ ابن أبي شيبة ١/٣٧٦ ].
فإن قيل : لعلهم كانوا يجهرون بالقرآن، فنهى عن الجهر. قيل له : لم ينقل لنا في شيء من الأخبار أن المؤتمّين كانوا يقرؤون جهرا. ولو كانوا يقرؤون جاهرين لأدّى ذلك إلينا كما أدّى أنهم كانوا يقرؤون.
وفي ذلك وجه آخر أنه لم يكن النهي عن الجهر خاصة، ولكن للقراءة نفسها(١٨)، ما روي عن أبي وائل [ أنه ](١٩) قال : سألت عبد الله بن مسعود عن القراءة خلف الإمام، فقال : انصت فإن الصلاة شغلا، وسيكفيك ذلك الإمام.
وعن عبد الله بن شدّاد أن النبي ﷺ قال :( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ) [ البيهقي في الكبرى ٢/١٦١ ] وعن جابر بن عبد الله أن النبي، [ كان يصلي ](٢٠) ورجل خلفه [ يقرأ ](٢١) فنهاه رجل من أصحاب النبي عن القراءة في الصلاة فتنازعا فيه، حتى ذكر للنبي ﷺ فقال :( من صلى خلف إمام فقراءة الإمام له قراءة ) [ الدارقطني ١٢٢١ ] وعن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال :( وإذا قرأ الإمام فأنصتوا ) [ مسلم ٤٠٤/٦٣ ]
وروي عن أبي هريرة [ أنه ](٢٢) قال : قال رسول الله ﷺ ( إنما جعل الإمام ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا ) [ النسائي ٢/١٤١ ] وغير ذلك من الأحاديث.
وأكثر ما يحتجّ به المخافت لعلمائنا، رحمهم الله، أن رسول الله ﷺ، قال :( لا صلاة لمن يقرأ بإمام القرآن ) [ مسلم ٣٩٤/٢٦ ] يرويه عبادة بن الصامت.
قال سفيان : هذا عندنا في من يصلي وحده. فذلك محتمل، والأحاديث التي جاءت مفسّرة في النهي عن القراءة خلف الإمام.
فإن قال :[ قائل ](٢٣) : يترك المؤتمّ القراءة في ما يجهر فيه إمامه بحديث أبي هريرة، ويقرأ في ما يخافت بحديث عبادة بن الصامت ليصح(٢٤) حديث أبي هريرة وحديث عبادة [ بن الصامت ](٢٥) جميعا، قيل له : فهلاّ جعلته في المصلي وحده ليصح حديث عبادة [ بن الصامت ](٢٦)وحديث عمران بن حصين لأن حديث عمران ينهى عن القرآن في ما خافت [ الأمام ](٢٧)، وحديث أبي هريرة في ما يجهر فيه. فإن جعلت حديث أبي هريرة خارجا عن عموم حديث عُبادة فذلك يوجب ألا يقرأ المؤتمّ في ما يجهر فيه إمامه [ أو يخافت ](٢٨). ويقال له : هل رأيت فرضا من فرائض الصلاة ساقطا(٢٩) عن المؤتمّ في حال، وواجبا(٣٠) عليه في حال ؟ فإن قال : لا قيل : ففي إسقاطك تلك القراءة عنه في حال الجهر ما أوجب عليك أن تسقطها عنه في حال المخافتة. وقد احتجّ بعض أصحابنا في ذلك بأن قالوا : وجدنا الرجل إذا جاء إلى الإمام، وهو راكع، فكبّر، ودخل في صلاته، ولم يقرأ، فكل يجمع أن صلاته تجزيه. فدل ذلك أن القراءة غير فرض عليه.
فإن قال [ قائل ](٣١) : إنما أطلق له ذلك للضرورة، قيل : لو جاء إلى الإمام، وهو ساجد، لم يعتد بتلك الركعة والضرورة قائمة. فلو كانت الضرورة تزيل فرضا لأزالت(٣٢) الركوع عمن لحق إمامه، وهو/١٩٤-ب/ ساجد، فهي لا تزيل فرض القراءة عمن لحق إمامه. ولكن لا تلزمه القراءة خلف الإمام. فلذلك أجزته(٣٣) صلاته لا للضرورة التي ذكرت، والله أعلم.
وقد روي عن جماعة من الصحابة [ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ](٣٤) أنهم قالوا : لا قراءة على من خلف الإمام : منهم عليّ وابن مسعود وجابر وأبو سعيد وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت رضي الله عنهم.
أما عن علي رضي الله عنه [ فقد ](٣٥) قال : من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة وعن عبد الله [ بن مسعود أنه ](٣٦) قال : من قرأ خلف الإمام ملئ فوه ترابا. وعن زيد بن ثابت [ أنه ](٣٧) قال : من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له. وعن [ أبي سعيد أنه ](٣٨) قال : وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فمه جمرة. [ وكان ابن عمر ](٣٩) إذا سئل : هل يقرأ أحد خلف الإمام ؟ قال : لا. فإذا صلى أحدكم وحده فليقرأ. وكان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام. وعن أبي سعيد أنه سئل عن القراءة خلف الإمام. فقال(٤٠) : يكفيك ذلك الإمام. وعن ابن عباس أن رجلا سأله : أقرأ خلف الإمام ؟ قال : لا. إلى مثل هذه الأحاديث ذهب أصحابنا. وعلى ذلك دل الكتاب والسّنة وإجماع الصحابة، وبالله التوفيق.
١ من، في الأصل: يخاطب..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: من..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل وم: فأمر..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل وم: فيستمع..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ في الأصل وم: فقال..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢ من م، ساقطة من الأصل..
١٣ في الأصل وم: انتهى..
١٤ في الأصل وم: انتهى..
١٥ ساقطة من الأصل وم..
١٦ من م، ساقطة من الأصل..
١٧ ساقطة من الأصل وم..
١٨ في الأصل وم: نفسه..
١٩ ساقطة من الأصل وم..
٢٠ ساقطة من الأصل وم..
٢١ ساقطة من الأصل وم..
٢٢ ساقطة من الأصل وم..
٢٣ ساقطة من الأصل وم..
٢٤ في الأصل وم: ليصلح..
٢٥ ساقطة من الأصل وم..
٢٦ ساقطة من الأصل وم..
٢٧ ساقطة من الأصل وم..
٢٨ في الأصل وم: وخافت..
٢٩ في الأصل وم: بمسقط..
٣٠ في الأصل وم: ويجب..
٣١ ساقطة من الأصل وم..
٣٢ من م، في الأصل: وزالة..
٣٣ في الأصل وم: أخرته..
٣٤ ساقطة من م..
٣٥ ساقطة من الأصل وم..
٣٦ ساقطة من الأصل وم..
٣٧ ساقطة من الأصل وم..
٣٨ في الأصل وم: سعد..
٣٩ في الأصل وم: وعن ابن عمر كان..
٤٠ في الأصل وم: قال..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى