لطائف الإشارات — القشيري

عن الكتاب
لم يحصل استيفاء من الأكل والاستمتاع به للنفس حتى ظهرت تباشيرُ العقاب ؛ وتَنَغُّصِ الحال، وكذا صفة مَنْ آثر على الحق - سبحانه - شيئاً يبقيه عنه، فلا يكون له بما آثر استمتاع. وكذلك مَنْ ادَّخَر عن الله - سبحانه - نَفْسَه أو مالَه أو شيئاً بوجهٍ من الوجوه - لا يبارك الله فِيه، قال تعالى في صفة الأعداء :﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾[الحج: ١١].
ويقال لمَّا بَدَتْ سوأتهما احتالا في السَّتْرِ، وطَفِقَا يخصفان عليهما من ورق الجنة فبعدما كانت كسوتهما حُلَلَ الجنة ظَّلا يستتران بورق الجنة، كما قيل :
لله دَرُّهمُ مِنْ فِتْيَةٍ بكروامثل الملوك، وراحوا كالمساكين
وأنشدوا :
لا تعجبوا لمذلتي فأنا الذيعَبَثَ الزمان بمهجتي فأذَلَّها
ثم إن آدم عليه السلام لم يساعده الإمكان في الاستتار بالورق إذ كانت الأشجار أجمع كلُّها تتطاول وتأبى أن يأخذ آدم - عليه السلام - شيئاً من أوراقها. وقيل ذلك كان لا يلاحِظ الجنة فكان يتيه على الكون بأسره ولكنه صار كما يقال :
وكانت - على الأيام - نفسي عزيزةفلمَّا رأت صبري على الذلِّ ذلَّتِ
ولمّا أُخْرِج آدمُ من الجنة وأُسْكِن الأرض كلّف العملَ والسعيَ والزرع والغرس، وكان لا يتجدد له حال إلا تجدّد بكاؤه، وجبريل - عليه السلام - يأتيه ويقول : أهذا الذي قيل لك :﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى﴾[طه: ١١٨].
فَلَمْ تعرِف قدره. " فَذُقْ جزايا خِلافِك " فكان يسكن عن الجزع. ويقال بل الحكم بالخنوع كما قيل :
وجاشَتْ إليَّ النفسُ أوَّلَ مرةٍوزيدت على مكروهها فاستقرتِ
قوله جلّ ذكره :﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ وَنَاداهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةَ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.
كانت لا تصل يدُه إلى الأوراق حين أراد قطافها ليخصفها على نفسه، فلو لم تصل يده إلى تلك الشجرة - التي هي شجرة المحنة - لكان ذلك عنايةً بشأنه، ولكن وصلت يده إلى شجرة المحنة، تتمةً للبلاء والفتنة، ولو لم تصل يده إلى شجرة الستر - إبلاغاً في القهر - لَمَا خالف الأمر، ولَمَا حَصَلَ ما حَصَلَ.
﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ : فكان ما دَاخَلَهما من الخجل أشدَّ من كل عقوبة ؛ لأنهما لو كانا من الغيبة عند سماع النداء فإن الحضور يوجب الهيبة، فلما ناداهما بالعتاب حَلَّ بهما من الخجل ما حلّ، وفي معناه أنشدوا :
واخجلتا من وقوفي وَسْطَ دَارِهمُ *** إذ قال لي مغضبا : من أنت يا رجل ؟

تفسير هذه الآية من كتب أخرى