غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿ولقد خلقناكم﴾ أرواحكم ﴿ثم صورناكم﴾ أي خلقنا لأرواحكم أجساداً كما جاء في الحديث «إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام» ولتصوير الأجساد بداية وهي قوله :﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ [الأعراف: ١٧٢] فإن لفظ الذرية يقع على المصورين ووسط ﴿يصوركم في الأرحام كيف يشاء﴾ [آل عمران: ٦] ونهاية هي حالة الكهولية في الأغلب ﴿ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ وأنتم في صلبه وهذا من التمكين أيضاً ﴿فسجدوا﴾ لاستعدادهم الفطري للسجود ولائتمارهم لأمر الله ﴿إلا إبليس لم يكن﴾ من المستعدين للسجود لما فيه من الاستكبار الناري ﴿قال ما منعك﴾ خطاب الامتحان لجرم إبليس ليظهر به استحقاقه اللعن فإنه لو كان ذا بصيرة لقال في الجواب منعني تقديرك وقضاؤك ولكنه كان أعور العين اليمنى بصيراً بالعين التي رأى بها أنانيته فقال :﴿أنا خير منه﴾ أي منعني خيريتي من أن أسجد لمن هو دوني، واستدل على خيريته بأنه خلق من نار وهي علوية نورانية لطيفة وآدم خلق من طين وهو سفلي ظلماني كثيف. وهذا القياس معارض بأن النار من خاصيتها الإحراق والفناء والطين من خواصه النشوء والإنماء والاستمساك الذي بقوته يصير الإنسان مستمسكاً للفيض الإلهي ونفخ الروح فيه فاستحق سجود الملائكة لأنه صار كعبة حقيقية. فلما ابتلي إبليس بالصغار وطرد من الجوار أخذ في النوح وأيس من الروح ورضي بالبعاد واطمأن بالحياة فقال :﴿أنظرني﴾ فأجيب إلى ما سأل ليكون وبالاً عليه ويزيد في شقوته، ولكن لم يجبه بأن لا يذيقه ألم الموت لقوله في موضع آخر ﴿إلى يوم الوقت المعلوم﴾ [ص: ٨١] ﴿قال فبما أغويتني﴾ لم تكن حوالته الإغواء إلى الله منه نظر التوحيد وإنما كان للمعارضة والمعاندة لقوله :﴿لأغوينهم﴾ [الحجر: ٣٩] ﴿لأقعدن﴾ ﴿ثم لآتينهم﴾ من الجهات التي فيها حظوظ النفس ﴿من بين أيديهم﴾ من قبل الحسد على الأكابر من المشايخ والعلماء المعاصرين ﴿ومن خلفهم﴾ من قبل الطعن في الأكابر الأقدمين والسلف الصالحين. ﴿وعن أيمانهم﴾ من قبل إفساد ذات البين وإلقاء العداوة والبغضاء بين الإخوان ﴿وعن شمائلهم﴾ من جهة ترك النصيحة مع أهاليهم وأقاربهم وترك الأمر بالمعروف مع عامة المسلمين. أو المراد ﴿من بين أيديهم﴾ من قبل الرياء والعجب ﴿ومن خلفهم﴾ من قبل الصلف والفخر ﴿وعن أيمانهم﴾ من قبل الادعاء وإظهار المواعيد والمواجيد ﴿وعن شمائلهم﴾ من قبل الافتراء على أنفسهم ما ليس فيها من الكشوف والأحوال. أو ﴿من بين أيديهم﴾ من قبل الاعتراض على الشيخ ﴿ومن خلفهم﴾ من قبل التفريق والإخراج عن صحبة الشيخ ﴿وعن أيمانهم﴾ من قبل ترك حشمة المشايخ ﴿وعن شمائلهم﴾ من قبل مخالفة الشيخ والرد بعد القبول. أو ﴿من بين أيديهم﴾ أثوّر عليهم أهاليهم وأولادهم ليمنعوهم عن طلب الحق ﴿ومن خلفهم﴾ أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم ﴿وعن أيمانهم﴾ أثور عليهم أحباءهم ﴿وعن شمائلهم﴾ أثور عليهم أعداءهم وحسادهم. ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ يعني شجرة المحبة فإن المحبة مطية المحنة ﴿فتكونا من الظالمين﴾ على أنفسكما لأن للمحبة ناراً ونوراً فمن لم يرد نارها لم يجد نورها ومن يرد نارها احترقت أنانيته فيبقى بلا هوية نفسه مع هوية ربه فهاهنا يجد نور المحبة ويتنور به كقوله :﴿يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤] فشجرة المحبة شجرة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كما خمر طينة آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإنّ منعه منها كان تحريضاً له على تناولها فإن الإنسان حريص على ما منع. ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده ﴿إلا أن تكونا ملكين﴾ أي من أهل السلو كملكين في زوايا الجنة ﴿أو تكونا من الخالدين﴾ في الجنة كالحور والرضوان فسقاهما إبليس في كأس القسم شراب ذكر الحبيب ﴿وقاسمهما﴾ فلما غرقا في لجّة المحنة وذاقا شجرة المحبة ﴿بدت لهما سوآتهما﴾ أي سوآت نار المحبة قبل نورها وهي نار فرقة الأحبة في البداية ﴿وطفقا﴾ لاشتعال نائرة المحبة يجعلان كل نعيم الجنة على نارهما، فلما التهبت احترقت بلظى نارها حبة الوصلة ونعب غراب البين بالفرقة.
فبينما نحن في لهو وفي طرببدا سحاب فراق صوبه هطل
وإن من كنت مشغوفاً بطلعتهمضى وأقفر منه الرسم والطلل
فالصبر مرتحل والوجد متصلوالدمع منهمل والقلب مشتعل
﴿وناداهما ربهما﴾ نداء العزة والكبرياء ﴿ألم أنهكما عن تلكما الشجرة﴾ فإنها تذل العزيز وتزيل النعيم وتذهب الطرب وتورث التعب والنصب ﴿إن الشيطان لكما عدوّ مبين﴾ ولكن في عداوته صداقة مخفية تظهر ولو بعد حين.
واخجلتا من وقوفي باب دارهملو قيل لي مغضباً من أنت يا رجل
فانغسل بماء الخجل منهما رعونات البشرية ولوث العجب والأنانية فرجعا عما طمعا فيه ووقفا لديه وعلما أن لا منجا ولا ملجأ منه إلا إليه فقالا ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ بأن أوقعناها في شبكة المحبة لا المحبة تبقينا بالوصال ولا المحنة تفنينا بالزوال ﴿وإن لم تغفر لنا﴾ بنوال الوصال ﴿وترحمنا﴾ بتجلي الجمال ﴿لنكونن من الخاسرين﴾ الذين خسروا الدنيا والعقبى ولم يظفروا بالمولى. فأمرا بالصبر على الهجر وقيل :﴿اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ النفس عدو القلب والروح، والقلب عدو لما سوى الله ﴿ولكم﴾ للنفس والقلب والرفع في أرض البدن مقام وتمتع في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة إلى حين تصير النفس مطمئنة تستحق الخطاب، ارجعي من الهبوط وارفعي بعد السقوط.
إن الأمور إذا انسدت مسالكهافالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا
لا تيأسنّ وإن طالت مطالبةإذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجتهومدمن القرع للأبواب أن يلجا.
﴿قال فيها﴾ أي في المحبة ﴿تحيون﴾ بصدق الهمة وقرع باب العزيمة ﴿وفيها تموتون﴾ بطلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة ﴿ومنها تخرجون﴾ إلى عالم الحقيقة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى