غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿ورياشا﴾ أبو زيد عن المفضل. الباقون ﴿ريشاً﴾ ﴿ولباس﴾ بالنصب : أبو جعفر ونافع وابن عامر وعليّ. الباقون بالرفع. ﴿خالصة﴾ بالرفع : نافع. الآخرون بالنصب ﴿ربي الفواحش﴾ مرسلة الباء : حمزة.
الوقوف :﴿وريشاً﴾ ط لمن قرأ ﴿ولباس﴾ مرفوعاً ومن قرأ بالنصب وقف على ﴿التقوى﴾ ﴿خير﴾ ط ﴿يذكرون﴾ ه ﴿سوآتهما﴾ ط ﴿لا يؤمنون﴾ ه ﴿أمرنا بها﴾ ط ﴿بالفحشاء﴾ ط ﴿ما لا تعلمون﴾ ه ﴿الدين﴾ ط ﴿تعودون﴾ ه على جواز الوصل لرد النهاية إلى البداية ﴿الضلالة﴾ ج ﴿مهتدون﴾ ه ﴿ولا تسرفوا﴾ ج لاحتمال الفاء أو اللام. ﴿المسرفين﴾ ه ﴿من الرزق﴾ ط ﴿يوم القيامة﴾ ط ﴿يعلمون﴾ ه ﴿ما لا تعلمون﴾ ه ﴿أجل﴾ ج لأن جواب «إذا» منتظر مع دخول الفاء فيها ﴿ولا يستقدمون﴾ ه.
ثم حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان لأن المقصود من قصص الأنبياء عليهم السلام أن تكون عبرة لمن يسمعها فقال :﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان﴾ الفتنة الامتحان، تقول : فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته. وقال الخليل : الفتن الإحراق. وورق فتين أي فضة محرقة، قال الله تعالى :﴿يوم هم على النار يفتنون﴾
[الذاريات: ١٣] من قدر على إخراج الأب من الجنة مع كمال قوته وقرب عهده من فيضان ربه فهو على منع أولاده عن أن يدخلوا الجنة أقدر. ومحل ﴿كما أخرج﴾ نصب على المصدر أي فتنة مثل إخراج أبويكم لأن هذا الإخراج نوع من الفتنة. ومحل ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ حال أي أخرجهما نازعا لباسهما بأن كان سبباً في أن نزع عنهما. واللام في ﴿ليريهما سوآتهما﴾ لام العاقبة أو لام الغرض كما تقدم في قوله :﴿ليبدي لهما﴾ [الأعراف: ٢٠] قال ابن عباس : يرى آدم سوأة حواء وترى حواء سوأة آدم وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر. وعن عائشة رضي الله عنها ما رأيت منه ولا رأى مني. وحمله العلماء على الكراهية لا على التحريم. واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما فقيل : الثوب الحائل بينهما وبين النظر. وعن سعيد بن جبير : كان لباسهما من جنس الأظفار. وقيل : اللباس الذي هو ثياب الجنة، قال الكعبي : في الآية دلالة على أن المعاصي والفتن كلها منسوبة إلى الشيطان. وأجيب بأنه لا بد من الانتهاء إلى خالق الكل وموجد القدر والدواعي. ثم علل النهي وأكد التحذير بقوله :﴿إنه يراكم هو وقبيله﴾ أي جماعته من الثلاثة فصاعداً. والقبيل بنو أب واحد. وقال ابن قتيبة : أي أصحابه وجنده. وقال الليث : هو وقبيله أي وجماعته. ﴿من حيث لا ترونهم﴾ أي يكيدون ويغتالون من حيث لا تشعرون. قال بعض المتكلمين ومنهم المعتزلة : الوجه في أن الإنس لا يرون الجن رقة أجسام الجن ولطافتها، والوجه في رؤية الجن الإنس كثافة أجسام الإنس، والوجه في رؤية الجن بعضهم بعضاً أن الله تعالى يقوي شعاع أبصار الجن ويزيد فيه ولو زاد الله في قوة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضاً، ولو أنه تعالى كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم. وقال أهل السنة : إنهم يرون الإنسان لأنه تعالى خلق في عيونهم إدراكاً، والإنس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس. قال بعض العلماء :﴿من حيث لا ترونهم﴾ يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص ففيه دليل على أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدعي رؤيتهم فزور ومخرقة. ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤوا لارتفع الوثوق عن الناس حتى الزوجة والولد، ولو كانوا قادرين على تخبيط الناس، وإزالة العقل عنهم لكان أولى الناس بذلك العلماء والمشايخ لأن العداوة بينهم وبين خواص الإنس أشد. وعن مجاهد قال إبليس : أعطينا أربع خصال : نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا فتى. وعن مالك بن دينار أن عدوّاً يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله. والضمير في ﴿إنه﴾ للشأن وهو تأكيد ليصح العطف على المرفوع المتصل، ثم قال ﴿إنا جعلنا الشياطين﴾ الآية. واحتج أهل السنة على أنه تعالى هو الذي سلط الشيطان عليهم حتى أضلهم وأغواهم ويتأكد هذا النص بقوله :﴿إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً﴾ [مريم: ٨٣] اعتذر القاضي بأن المراد من الجعل الحكم بأن الشيطان ولي لمن لا يؤمن أو المراد التخلية بينهم وبينهم كمن يربط الكلب في داره ولا يمنعه من التوثب على الداخل وأجيب بأن حمل الجعل على الحكم خلاف الظاهر، وهب أنه حكم بذلك فهل يمكن مخالفة حكم الله ؟ وبأن الإرسال إنما يصدق على التسليط لا على التخلية المجردة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿قد أنزلنا عليكم لباساً﴾ هو لباس الشريعة ﴿يواري﴾ سوآت الأفعال القبيحة في الظاهر وسوآت الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن ﴿وريشاً﴾ زينةً وجمالاً في الظاهر والباطن ﴿ولباس التقوى﴾ وهو لباس القلب والروح والسر والخفي. فلباس القلب من التقوى هو الصدق في طلب المولى فيواري به سوآت الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى هو محبة المولى فيواري به سوآت التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى بقاؤه بهوية المولى فيواري بها هوية غير المولى ﴿ذلك خير﴾ لأن لباس البدن بالفتوى هو الشريعة ولباس القلب بالتقوى هو الحقيقة ﴿ذلك من آيات الله﴾ أي إنزال الشريعة والحقيقة مما يدل على المولى.
﴿لا يفتننكم الشيطان﴾ بالدنيا وما فيها ومتابعة الهوى فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق ﴿كما أخرج أبويكم من الجنة﴾ وجوار الحق ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة ﴿ليريهما سوآتها﴾ من مخالفة الحق وما علما أن فيها هذه الصفة، ومن جملة سوآتهما كل كمال ونقصان كان مستوراً فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة ﴿إنه يراكم هو وقبيله﴾ يعني من الروحانيين الذين لا صورة لهم في الظاهر فإنهم يرون بنظر الملكوت الروحاني من الإنساني بعض الأفعال التي تتولد عن الأوصاف البشرية كما رأوا في آدم ﴿وقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ [البقرة: ٣٠] ﴿من حيث لا ترونهم﴾ أي إنما يرونكم من حيث البشرية التي منشؤها الصفات الحيوانية فإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ علوم الأسماء والمعرفة فإنهم لا يرونكم في هذا المقام، وأنتم ترونهم بالنظر الروحاني بل بالنور الرباني. ﴿إنا جعلنا الشياطين أولياء﴾ خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة. ﴿وإذا فعلوا فاحشة﴾ هي طلب الدنيا وحبها ﴿قالوا إنا وجدنا آباءنا﴾ على محبة الدنيا وشهواتها ﴿والله أمرنا﴾ بطلب الكسب الحلال ﴿قل إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾ وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوت واللباس ليقوم بأداء حق العبودية وذلك قوله :﴿قل أمر ربي بالقسط﴾ ﴿كما بدأكم﴾ لطفاً أو قهراً ﴿تعودون﴾ إليه. فأهل اللطف يعودون إليه بالإخلاص والطاعة وأهل القهر الذين حقت عليهم الضلالة يعودون إليه جبراً واضطراراً فيسحبون في النار على وجوههم ﴿خذوا زينتكم﴾ فزينة الظاهر التواضع والخضوع، وزينة الباطن الانكسار والخشوع، وزينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود فالعابد على الباب بنعت العبودية والعارف على البساط بحكم الحرية ﴿وكلوا واشربوا﴾ في مقام العندية كما قال :«أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» ﴿ولا تسرفوا﴾ بالإفراط فوق الحاجة الضرورية والتفريط في حفظ القوة بحيث تضيع حقوق العبودية. ﴿زينة الله﴾ فزين الأبدان بالشرائع وآثارها، وزين النفوس بالآداب وأقدارها، وزين القلوب بالشواهد وأنوارها، وزين الأرواح بالمعارف وأسرارها، وزين الأسرار بالطوالع وآثارها، فمن تصدّى لطلب هذه المقامات فهي مباحة له من غير تأخير وقصور وحظر ومنع ﴿والطيبات من الرزق﴾ ما لم يكن مشوباً بحظوظ النفس، فهذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادة في الدنيا مشوبة بشواهد الآفات النفسانية وكدورات الصفات الحيوانية ﴿خالصة يوم القيامة﴾ من هذه الآفات والكدورات كما قال :﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ [الحجر: ٤٧] ﴿الفواحش﴾ ما يقطع على العبد طريق السلوك إلى الرب ؛ ففاحشة العوام ﴿ما ظهر منها﴾ ارتكاب المناهي ﴿وما بطن﴾ خطورها بالبال، وفاحشة الخواص ﴿ما ظهر منها﴾ تتبع ما لأنفسهم نصيب منه ولو بذرة ﴿وما بطن﴾ الصبر على المحبوب ولو بلحظة، وفاحشة الأخص ﴿ما ظهر منها﴾ ترك أدب من الآداب أو التعلق بسبب من الأسباب ﴿وما بطن﴾ الركون إلى شيء في الدارين والالتفات إلى غير الله من العالمين. ﴿والإثم﴾ الإعراض عن الله ولو طرفة عين ﴿والبغي﴾ وهو حب غير الله فإنه وضع في غيره موضعه. وأن يستغيثوا بغير الله ما لم يكن فيه رخصة وحجة من الشريعة ﴿وأن تقولوا﴾ بفتوى النفس وهواها أو بنظر العقل ﴿على الله ما لا تعلمون﴾ حقيقتها أو تقولوا في معرفة الله وبيان أحوال السائرين ما لمستم به عارفين ﴿وكل أمة﴾ من السائرين إلى الله أو إلى الجنة مدة مضروبة في الأزل، وفيه وعد للأولياء واستمالة لقلوبهم ووعيد للأعداء وسياسة لنفوسهم.
الوقوف :﴿وريشاً﴾ ط لمن قرأ ﴿ولباس﴾ مرفوعاً ومن قرأ بالنصب وقف على ﴿التقوى﴾ ﴿خير﴾ ط ﴿يذكرون﴾ ه ﴿سوآتهما﴾ ط ﴿لا يؤمنون﴾ ه ﴿أمرنا بها﴾ ط ﴿بالفحشاء﴾ ط ﴿ما لا تعلمون﴾ ه ﴿الدين﴾ ط ﴿تعودون﴾ ه على جواز الوصل لرد النهاية إلى البداية ﴿الضلالة﴾ ج ﴿مهتدون﴾ ه ﴿ولا تسرفوا﴾ ج لاحتمال الفاء أو اللام. ﴿المسرفين﴾ ه ﴿من الرزق﴾ ط ﴿يوم القيامة﴾ ط ﴿يعلمون﴾ ه ﴿ما لا تعلمون﴾ ه ﴿أجل﴾ ج لأن جواب «إذا» منتظر مع دخول الفاء فيها ﴿ولا يستقدمون﴾ ه.
ثم حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان لأن المقصود من قصص الأنبياء عليهم السلام أن تكون عبرة لمن يسمعها فقال :﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان﴾ الفتنة الامتحان، تقول : فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته. وقال الخليل : الفتن الإحراق. وورق فتين أي فضة محرقة، قال الله تعالى :﴿يوم هم على النار يفتنون﴾
[الذاريات: ١٣] من قدر على إخراج الأب من الجنة مع كمال قوته وقرب عهده من فيضان ربه فهو على منع أولاده عن أن يدخلوا الجنة أقدر. ومحل ﴿كما أخرج﴾ نصب على المصدر أي فتنة مثل إخراج أبويكم لأن هذا الإخراج نوع من الفتنة. ومحل ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ حال أي أخرجهما نازعا لباسهما بأن كان سبباً في أن نزع عنهما. واللام في ﴿ليريهما سوآتهما﴾ لام العاقبة أو لام الغرض كما تقدم في قوله :﴿ليبدي لهما﴾ [الأعراف: ٢٠] قال ابن عباس : يرى آدم سوأة حواء وترى حواء سوأة آدم وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر. وعن عائشة رضي الله عنها ما رأيت منه ولا رأى مني. وحمله العلماء على الكراهية لا على التحريم. واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما فقيل : الثوب الحائل بينهما وبين النظر. وعن سعيد بن جبير : كان لباسهما من جنس الأظفار. وقيل : اللباس الذي هو ثياب الجنة، قال الكعبي : في الآية دلالة على أن المعاصي والفتن كلها منسوبة إلى الشيطان. وأجيب بأنه لا بد من الانتهاء إلى خالق الكل وموجد القدر والدواعي. ثم علل النهي وأكد التحذير بقوله :﴿إنه يراكم هو وقبيله﴾ أي جماعته من الثلاثة فصاعداً. والقبيل بنو أب واحد. وقال ابن قتيبة : أي أصحابه وجنده. وقال الليث : هو وقبيله أي وجماعته. ﴿من حيث لا ترونهم﴾ أي يكيدون ويغتالون من حيث لا تشعرون. قال بعض المتكلمين ومنهم المعتزلة : الوجه في أن الإنس لا يرون الجن رقة أجسام الجن ولطافتها، والوجه في رؤية الجن الإنس كثافة أجسام الإنس، والوجه في رؤية الجن بعضهم بعضاً أن الله تعالى يقوي شعاع أبصار الجن ويزيد فيه ولو زاد الله في قوة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضاً، ولو أنه تعالى كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم. وقال أهل السنة : إنهم يرون الإنسان لأنه تعالى خلق في عيونهم إدراكاً، والإنس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس. قال بعض العلماء :﴿من حيث لا ترونهم﴾ يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص ففيه دليل على أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدعي رؤيتهم فزور ومخرقة. ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤوا لارتفع الوثوق عن الناس حتى الزوجة والولد، ولو كانوا قادرين على تخبيط الناس، وإزالة العقل عنهم لكان أولى الناس بذلك العلماء والمشايخ لأن العداوة بينهم وبين خواص الإنس أشد. وعن مجاهد قال إبليس : أعطينا أربع خصال : نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا فتى. وعن مالك بن دينار أن عدوّاً يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله. والضمير في ﴿إنه﴾ للشأن وهو تأكيد ليصح العطف على المرفوع المتصل، ثم قال ﴿إنا جعلنا الشياطين﴾ الآية. واحتج أهل السنة على أنه تعالى هو الذي سلط الشيطان عليهم حتى أضلهم وأغواهم ويتأكد هذا النص بقوله :﴿إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً﴾ [مريم: ٨٣] اعتذر القاضي بأن المراد من الجعل الحكم بأن الشيطان ولي لمن لا يؤمن أو المراد التخلية بينهم وبينهم كمن يربط الكلب في داره ولا يمنعه من التوثب على الداخل وأجيب بأن حمل الجعل على الحكم خلاف الظاهر، وهب أنه حكم بذلك فهل يمكن مخالفة حكم الله ؟ وبأن الإرسال إنما يصدق على التسليط لا على التخلية المجردة.
﴿لا يفتننكم الشيطان﴾ بالدنيا وما فيها ومتابعة الهوى فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق ﴿كما أخرج أبويكم من الجنة﴾ وجوار الحق ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة ﴿ليريهما سوآتها﴾ من مخالفة الحق وما علما أن فيها هذه الصفة، ومن جملة سوآتهما كل كمال ونقصان كان مستوراً فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة ﴿إنه يراكم هو وقبيله﴾ يعني من الروحانيين الذين لا صورة لهم في الظاهر فإنهم يرون بنظر الملكوت الروحاني من الإنساني بعض الأفعال التي تتولد عن الأوصاف البشرية كما رأوا في آدم ﴿وقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ [البقرة: ٣٠] ﴿من حيث لا ترونهم﴾ أي إنما يرونكم من حيث البشرية التي منشؤها الصفات الحيوانية فإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ علوم الأسماء والمعرفة فإنهم لا يرونكم في هذا المقام، وأنتم ترونهم بالنظر الروحاني بل بالنور الرباني. ﴿إنا جعلنا الشياطين أولياء﴾ خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة. ﴿وإذا فعلوا فاحشة﴾ هي طلب الدنيا وحبها ﴿قالوا إنا وجدنا آباءنا﴾ على محبة الدنيا وشهواتها ﴿والله أمرنا﴾ بطلب الكسب الحلال ﴿قل إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾ وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوت واللباس ليقوم بأداء حق العبودية وذلك قوله :﴿قل أمر ربي بالقسط﴾ ﴿كما بدأكم﴾ لطفاً أو قهراً ﴿تعودون﴾ إليه. فأهل اللطف يعودون إليه بالإخلاص والطاعة وأهل القهر الذين حقت عليهم الضلالة يعودون إليه جبراً واضطراراً فيسحبون في النار على وجوههم ﴿خذوا زينتكم﴾ فزينة الظاهر التواضع والخضوع، وزينة الباطن الانكسار والخشوع، وزينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود فالعابد على الباب بنعت العبودية والعارف على البساط بحكم الحرية ﴿وكلوا واشربوا﴾ في مقام العندية كما قال :«أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» ﴿ولا تسرفوا﴾ بالإفراط فوق الحاجة الضرورية والتفريط في حفظ القوة بحيث تضيع حقوق العبودية. ﴿زينة الله﴾ فزين الأبدان بالشرائع وآثارها، وزين النفوس بالآداب وأقدارها، وزين القلوب بالشواهد وأنوارها، وزين الأرواح بالمعارف وأسرارها، وزين الأسرار بالطوالع وآثارها، فمن تصدّى لطلب هذه المقامات فهي مباحة له من غير تأخير وقصور وحظر ومنع ﴿والطيبات من الرزق﴾ ما لم يكن مشوباً بحظوظ النفس، فهذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادة في الدنيا مشوبة بشواهد الآفات النفسانية وكدورات الصفات الحيوانية ﴿خالصة يوم القيامة﴾ من هذه الآفات والكدورات كما قال :﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ [الحجر: ٤٧] ﴿الفواحش﴾ ما يقطع على العبد طريق السلوك إلى الرب ؛ ففاحشة العوام ﴿ما ظهر منها﴾ ارتكاب المناهي ﴿وما بطن﴾ خطورها بالبال، وفاحشة الخواص ﴿ما ظهر منها﴾ تتبع ما لأنفسهم نصيب منه ولو بذرة ﴿وما بطن﴾ الصبر على المحبوب ولو بلحظة، وفاحشة الأخص ﴿ما ظهر منها﴾ ترك أدب من الآداب أو التعلق بسبب من الأسباب ﴿وما بطن﴾ الركون إلى شيء في الدارين والالتفات إلى غير الله من العالمين. ﴿والإثم﴾ الإعراض عن الله ولو طرفة عين ﴿والبغي﴾ وهو حب غير الله فإنه وضع في غيره موضعه. وأن يستغيثوا بغير الله ما لم يكن فيه رخصة وحجة من الشريعة ﴿وأن تقولوا﴾ بفتوى النفس وهواها أو بنظر العقل ﴿على الله ما لا تعلمون﴾ حقيقتها أو تقولوا في معرفة الله وبيان أحوال السائرين ما لمستم به عارفين ﴿وكل أمة﴾ من السائرين إلى الله أو إلى الجنة مدة مضروبة في الأزل، وفيه وعد للأولياء واستمالة لقلوبهم ووعيد للأعداء وسياسة لنفوسهم.