البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
﴿قل أمرَ ربي بالقسط﴾ أي : العدل، وهو الوسط من كل أمر، المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط، وأمر بأن قال :﴿وأقيموا وجوهَكم عند كل مسجد﴾ أي : افعلوا الصلاة في كل مكان يمكن في السجود إذا حضرتكم، ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم. والمعنى : إباحة الصلاة في كل موضع، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم :" جُعِلَت لِيَ الأرضُ مَسجدًا وَطَهورًا ". وقيل : المراد إحضار النية والإخلاص لله في كل صلاة بدليل قوله :﴿وادعوه﴾ ؛ أي : اعبدوه ﴿مخلصين له الدين﴾ أي : الطاعة، فلا تعبدوا معه غيره، فإنكم راجعون إليه، ﴿كما بدأكم تعودون﴾ فيجازيكم على أعمالكم، فاحتج على البعث الأخروي بالبدأة الأولى ؛ لاشتراكهما في تعلق القدرة بهما، بل العود أسهل باعتبار العادة، وقيل : كما بدأكم من التراب، تعودون إليه، وقيل : كما بدأكم حفاة عراة غرلاً، تعودون، وقيل : كما بدأكم مؤمنًا وكافرًا، يُعيدكم. قاله البيضاوي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : تقليد الآباء في المساوئ من أقبح المساوئ، واحتجاج العبد بتخليته مع هواه هو ممن اتخذ إلهه هواه، إن الله لا يأمر بالفحشاء، فإذا قال العبد ـ في حال انهماكه : هكذا أحبني ربي، فهو خطأ في الاحتجاج ؛ بل يجاهد نفسه في الإقلاع، ويتضرع إلى مولاه في التوفيق ؛ فإن الحق تعالى إنما يأمر بالعدل والإحسان، ودوام الطاعة والإذعان، والخضوع لله في كل زمان ومكان، والتحقق بالإخلاص في كل أوان، وإفراد المحبة والولاية للكريم المنان. وبالله التوفيق.