بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
ثم بيّن لهم ما أمرهم الله تعالى به. فقال عز وجل :﴿قُلْ أَمَرَ رَبّي بالقسط﴾ أي بالعدل والصواب. وكلمة التوحيد وهي شهادة ألاّ إله إلاّ الله ﴿وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ أي :﴿قُلْ أَمَرَ رَبّي بالقسط﴾ وقل : أقيموا وجوهكم ﴿عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ﴾ أي حوّلوا وجوهكم إلى الكعبة عند كل صلاة. وقال الكلبي : يعني إذا حضرت الصلاة وأنتم في مسجد فصلوا فيه، فلا يقولن أحدكم أصلي في مسجدي. وإذا لم يكن في مسجد فليأت أي مسجد شاء. قال مقاتل : يعني : حوّلوا وجوهكم إلى القبلة في أي مسجد كنتم ﴿وادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ يقول : وحدوه واعبْدُوه بالإخلاص. ويقال : إنّ أهل الجاهلية كانوا يشركون في تلبيتهم، ويقولون : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، فأمرهم الله أن يوحّدوه في التلبية مخلصين له الدين.
ثم قال :﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ أي ليس كما تشركون. فاحتج عليهم بالبعث متصلاً بقوله :﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ أي ليس بعثكم بأشد من ابتدائكم. وقال الحسن : كما خلقكم ولم تكونوا شيئاً فأحياكم كذلك يميتكم ثم يحييكم يوم القيامة. ويقال :﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾ يوم الميثاق من التصديق والتكذيب ﴿تَعُودُونَ﴾ إلى ذلك.
حيث قال :«هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي ». ويقال :﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾ فخلقكم من التراب ﴿تَعُودُونَ﴾ تراباً بعد الموت. وقال ابن عباس :﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾ مؤمناً وكافراً وشقياً وسعيداً كذلك تموتون عليه وتبعثون عليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى