الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ﴾ : في نصب " فريقاً " وجهان أحدُهما : أنه منصوب بهدى بعده، وفريقاً الثاني منصوب بإضمار فعلٍ يفسِّره قولُه ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ﴾ من حيث المعنى، والتقدير : وأضلَّ فريقاً حَقَّ عليهم، وقَدَّره الزمخشري :" وخَذَل فريقاً " لغرضٍ له في ذلك. والجملتان الفعليتان في محل نصب على الحال من فاعل " بدأكم " أي : بَدَأكم حالَ كونه هادياً فريقاً ومُضِلاً آخر، و " قد " مضمرةٌ عند بعضهم. ويجوز على هذا الوجهِ أيضاً أن تكون الجملتان الفعليتان مستأنفتَيْن، فالوقفُ على " يعودون " على هذا الإِعرابِ تامٌّ بخلاف ما إذا جَعَلهما حالَيْن، فالوقفُ على " يعودون " على هذا الإِعرابِ تامٌّ بخلاف ما إذا جَعَلهما حالَيْن، فالوقفُ على قوله " الضلالة ".
الوجه الثاني : أن ينتصبَ " فريقاً " على الحال من فاعل " تَعُودون " أي : تعودون : فريقاً مَهْدِيَّاً وفريقاً حاقَّاً عليه الضلالة، وتكون الجملتان الفعليتان على هذا في محل نصب على النعت لفريقاً وفريقاً، ولا بد حينئذ من حَذْفِ عائد على الموصوف من هَدَى أي : فريقاً هداهم، ولو قَدَّرْته " هداه " بلفظ الإِفراد لجاز، اعتبار بلفظ " فريق "، إلا أن الأحسنَ الأول لمناسبة قوله :﴿وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ﴾، والوقف حينئذ على قوله " الضلالة "، ويؤيد إعرابَه حالاً قراءةُ أُبَيّ بن كعب :" تعودون فريقَيْن : فريقاً هدى وفريقاً حقَّ عليهم الضلالة " ففريقَيْن نصب على الحال، وفريقاً وفريقاً بدل أو منصوب بإضمار أعني على القطع، ويجوز أن ينتصبَ فريقاً الأول على الحال من فاعل تعودون، وفريقاً الثاني نصب بإضمار فعلٍ يفسِّره " حقَّ عليهم الضلالة " كما تقدم تحقيقه في كل منهما.
وهذه الأوجهُ كلُّها ذكرها ابن الأنباري فإنه قال كلاماً حسناً، قال رحمه الله :" انتصب فريقاً وفريقاً على الحال من الضمير الذي في تعودون، يريد : تعودون كما ابتدأ خَلْقُكم مختلفين، بعضكم أشقياء وبعضكم سُعَداء، فاتصل " فريق " وهو نكرةٌ بالضمير الذي في " تعودون " وهو معرفة فقُطِع عن لفظه، وعُطِف الثاني عليه ". قال :" ويجوز أن يكونَ الأول منصوباً على الحال من الضمير، والثاني منصوب بحقَّ عليهم الضلالة، لأنه بمعنى أضلَّهم كما يقول القائل :" عبد الله أكرمته وزيداً أحسنت إليه " فينتصب زيداً بأحسنت إليه بمعنى نَفَعْته، وأنشد :
نصب ثعلبة ب " عَدَلْتَ بهم طهية " لأنه بمعنى أَهَنْتَهم أي : عَدَلْت بهم مَنْ هو دونَهم، وأنشد أيضاً قوله :
فنصب " إياي " بقوله :" لَبَّس حبله بحبالي، إذ كان معناه " خالطني وقصدني " قلت : يريد بذلك أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدر من معنى الثاني لا من لفظه، هذا وجهُ التنظير. وإلى كون " فريقاً " منصوباً ب " هدى " و " فريقاً " منصوباً ب " حَقَّ " ذهب الفراء، وجَعَلَه نظيرَ قوله تعالى :
﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: ٣١].
وقوله :﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا﴾ جارٍ مَجْرى التعليل وإن كان استئنافاً لفظاً، ويدلُّ على ذلك قراءةُ عيسى بن عمر والعباس بن الفضل وسهل بن شعيب " أنهم " بفتح الهمزة وهي نصٌّ في العِلِّيَّة أي : حَقَّتْ عليهم الضلالة لاتِّخاذهم الشياطينَ أولياءَ، ولم يُسْند الإِضلال إلى ذاته المقدسة وإن كان هو الفاعلَ لها تحسيناً للفظ وتعليماً لعباده الأدبَ، وعليه :﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ [النحل: ٩].
الوجه الثاني : أن ينتصبَ " فريقاً " على الحال من فاعل " تَعُودون " أي : تعودون : فريقاً مَهْدِيَّاً وفريقاً حاقَّاً عليه الضلالة، وتكون الجملتان الفعليتان على هذا في محل نصب على النعت لفريقاً وفريقاً، ولا بد حينئذ من حَذْفِ عائد على الموصوف من هَدَى أي : فريقاً هداهم، ولو قَدَّرْته " هداه " بلفظ الإِفراد لجاز، اعتبار بلفظ " فريق "، إلا أن الأحسنَ الأول لمناسبة قوله :﴿وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ﴾، والوقف حينئذ على قوله " الضلالة "، ويؤيد إعرابَه حالاً قراءةُ أُبَيّ بن كعب :" تعودون فريقَيْن : فريقاً هدى وفريقاً حقَّ عليهم الضلالة " ففريقَيْن نصب على الحال، وفريقاً وفريقاً بدل أو منصوب بإضمار أعني على القطع، ويجوز أن ينتصبَ فريقاً الأول على الحال من فاعل تعودون، وفريقاً الثاني نصب بإضمار فعلٍ يفسِّره " حقَّ عليهم الضلالة " كما تقدم تحقيقه في كل منهما.
وهذه الأوجهُ كلُّها ذكرها ابن الأنباري فإنه قال كلاماً حسناً، قال رحمه الله :" انتصب فريقاً وفريقاً على الحال من الضمير الذي في تعودون، يريد : تعودون كما ابتدأ خَلْقُكم مختلفين، بعضكم أشقياء وبعضكم سُعَداء، فاتصل " فريق " وهو نكرةٌ بالضمير الذي في " تعودون " وهو معرفة فقُطِع عن لفظه، وعُطِف الثاني عليه ". قال :" ويجوز أن يكونَ الأول منصوباً على الحال من الضمير، والثاني منصوب بحقَّ عليهم الضلالة، لأنه بمعنى أضلَّهم كما يقول القائل :" عبد الله أكرمته وزيداً أحسنت إليه " فينتصب زيداً بأحسنت إليه بمعنى نَفَعْته، وأنشد :
| أثعلبةَ الفوارسِ أم رِياحا | عَدَلْتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشابا |
| يا ليت ضيفَكمُ الزبيرَ وجارَكم | إيايَ لبَّس حبلَه بحبالي |
﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: ٣١].
وقوله :﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا﴾ جارٍ مَجْرى التعليل وإن كان استئنافاً لفظاً، ويدلُّ على ذلك قراءةُ عيسى بن عمر والعباس بن الفضل وسهل بن شعيب " أنهم " بفتح الهمزة وهي نصٌّ في العِلِّيَّة أي : حَقَّتْ عليهم الضلالة لاتِّخاذهم الشياطينَ أولياءَ، ولم يُسْند الإِضلال إلى ذاته المقدسة وإن كان هو الفاعلَ لها تحسيناً للفظ وتعليماً لعباده الأدبَ، وعليه :﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ [النحل: ٩].