البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم أمرهم بستر العورة في الصلاة والطواف، فقال :
﴿يَا بَنِي ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿يا بني آدم خُذوا زينتكم﴾ أي : ثيابكم التي تستر عورتكم، ﴿عند كل مسجدٍ﴾ لطواف أو صلاة، واحتج به من أوجب ستر العورة في الصلاة، ومن السًّنة أن يأخذ الرجل أحسن ثيابه للصلاة، وقيل : المراد بالزينة : زيادة على الستر، كالتجمل للجمعة بأحسن الثياب وبالسواك والطيب، ﴿وكُلوا واشربوا﴾ ؛ أمر إباحة ؛ لِمَا رُوِي أن بني عامر، في أيام الحج، كانوا لا يأكلون من الطعام إلا قوتًا، ولا يأكلون دسمًا ؛ يعظمون بذلك حجهم، وهَمَّ المسلمون بذلك، فنزلت.
﴿ولا تُسرفوا﴾ ؛ بتحريم الحلال، أو بالتقدم إلى الحرام، أو بإفراط الطعام والشره إليه، وقد عَدَّ في الإحياء من المهلكات : شره الطعام، وشره الوقاع، أي : الجماع ؟ ﴿إنه لا يحب المسرفين﴾ ؛ لا يرتضي فعلهم. وعن ابن عباس رضي الله عنه :( كُل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان : سَرفٌ ومخيلة ) أي : تكبر. وقال علي بن الحسين بن واقد : جمع الله الطب في نصف آية ؛ فقال :﴿كلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾.
الإشارة : إنما أمر الحقّ جلّ جلاله بالتزين للصلاة والطواف ؛ لأن فيهما الوقوف بين يدي ملك الملوك، وقد جرت عادة الناس في ملاقاة الملوك : التهيئ لذلك بما يقدرون عليه من حسن الهيئة ؛ لأن ذلك زيادة تعظيم للملك، وتزيين البواطن بالمحبة والوداد أحسن من تزيين الظواهر وخراب البواطن ؛ " إنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلَى صُوَرِكُم ولاَ إلى أموَالِكُم، وإنَّمَا يَنظُرُ إلَى قُلوبِكُم وأعمَالِكُم " (١). وملاقاة الملك بالذل والانكسار أحسن من ملاقاته بالتكبر والاستظهار. والله تعالى أعلم.
١ أخرجه مسلم في البر حديث ٣٣، وأحمد في المسند ٢/٢٨٥، ٥٣٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى