غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿يتذكرون﴾ بياء الغيبة ثم تاء التفعل : ابن عامر. والباقون كما مر في آخر الأنعام.
الوقوف :﴿المص﴾ ه كوفي ﴿للمؤمنين﴾ ه ﴿أولياء﴾ ط ﴿تذكرون﴾ ه ﴿قائلون﴾ ه ﴿ظالمين﴾ ه ﴿المرسلين﴾ ه لا للعطف ﴿غائبين﴾ ه ﴿الحق﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿المفلحون﴾ ه ﴿يظلمون﴾ ه ﴿معايش﴾ ط ﴿تشكرون﴾ ه.
ثم ذكر ما في ترك المتابعة من الوعيد فقال :﴿وكم من قرية﴾ فموضع «كم » رفع بالابتداء و «من » مزيدة للتأكيد والبيان أي كثير من القرى ﴿أهلكناها﴾ مثل زيد ضربته وتقدم النصب أيضاً عربي جيد وفي الآية حذف لا لقرينة الإهلاك فقط فإن القرية تهلك بالهدم والخسف كما يهلك أهلها ولكنه يقال التقدير : وكم من أهل قرية لقوله ﴿فجاءها بأسنا﴾ والبأس بالأهل أنسب ولقوله :﴿أوهم قائلون﴾ ولأن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا بهلاكهم ولأن معنى البيات والقيلولة لا يصح إلا فيهم. وإنما قال :﴿فجاءها﴾ رداً بالكلام على اللفظ أو كما يقال الرجال فعلت. وهنا سؤال وهو أن قوله :﴿فجاءها بأسنا﴾ يقتضي أن يكون الهلاك مقدماً على مجيء البأس ولكن الأمر بالعكس. والعلماء أجابوا بوجوه منها : أن المراد حكمنا بهلاكها أو أردنا أهلاكها فجاءها كقوله :﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ [المائدة: ٦] ومنها أن معنى الإهلاك ومعنى مجيء البأس واحد فكأنه قيل : وكم من قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا وهذا كلام صحيح. فإن قيل : كيف يصح والعطف يوجب المغايرة ؟ فالجواب أن الفاء قد تجيء للتفسير كقوله صلى الله عليه وآله «لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه » فإن غسل الوجه واليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعه فكذا هاهنا مجيء البأس جار مجرى التفسير للإهلاك لأن الإهلاك قد يكون بالموت المعتاد وقد يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم وقريب منه قول الفراء : لا يبعد أن يقال البأس والهلاك يقعان معاً كما يقال : أعطيتني فأحسنت. وما كان الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله وإنما وقعا معاً. ومنها أن ذلك محمول على حذف المعطوف والتقدير : أهلكناهم فحكم بمجيء البأس لأن الإهلاك أمارة للحكم بوصول مجيء البأس. ومنها أنه من باب القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس كقوله : عرضت الناقة على الحوض. وقوله ﴿بياتاً﴾ قال الجوهري : بيت العدوّ أي أوقع بهم ليلاً والاسم البيات. وفي الكشاف أنه مصدر بات الرجل بياتاً حسناً. وعلى القولين فإنه وقع موضع الحال بمعنى بائتين أو مبيتين. ثم قال :﴿أو هم قائلون﴾ والجملة حال معطوفة على ﴿بياتاً﴾ كأنه قيل : فجاءها بأسنا مبيتين أو بائتين أو قائلين. وإنما حسن ترك الواو هاهنا من الجملة الاسمية الواقعة حالاً لأن واو الحال قريب من واو العطف لأنها استعيرت منها للوصل فالجمع بين حرف العطف وبينه جمع بين المثلين وذلك مستثقل. فقولك : جائني زيد راجلاً أو هو فارس. كلام فصيح، ولو قلت : جاءني زيد هو فارس كان ضعيفاً. وقال بعض النحويين : الواو محذوفة مقدرة ورده الزجاج لما قلنا. أما معنى القيلولة فالمشهور أنها نومة الظهيرة. وقال الأزهري : هي الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن نوم لقوله تعالى :﴿أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقراً وأحسن مقيلاً﴾ [الفرقان: ٢٤] والجنة لا نوم فيها وإنما خص وقتا البيات والقيلولة لأنهما وقتا الغفلة والدعة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع. وكأنه قيل للكفار لا تغتروا بالفراغ والرفاه والأمن والسكون فإن عذاب الله إنما يجيء دفعة من غير سبق أمارة.
فقوم لوط أهلكوا وقت السحر، وقوم شعيب وقت القيلولة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿المص﴾ هو إله من لطفه أفرد عباده للمحبة وللمعرفة وأنعم عليهم بالصدق والصبر لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة ﴿كتاب أنزل على قلبك﴾ فانفسح له صدرك وانشرح فلم يبق فيه ضيق وحرج بخلاف ما أنزل من الكتب في الألواح والصحف فقد عرض لبعضهم ضيق عطن فألقى الألواح. وكما شرف نبيه بالكتاب المنزل على قلبه حتى صار خلقه القرآن شرف أمته بأن أمرهم باتباع ما أنزل إليهم ليتخلقوا بأخلاق الله. ﴿وكم من قرية﴾ قبل أفسدنا استعدادها ﴿فجاءها بأسنا﴾ أي إزاغة قلوبهم بإصبع القهارية وأهلها نائمون على فراش الحسبان ﴿قائلون﴾ في نهار الخذلان فما كان ادّعاؤهم إلا أن قالوا من قصر نظرهم لا من طريق الأدب ﴿إنا كنا ظالمين﴾ فنسبوا التصرف إلى أنفسهم ولم يعلموا أن الله تعالى مقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴿فلنسئلن الذين أرسل إليهم﴾ وهم عامة الخلائق هل قبلتم الدعوة وعملتم بما أمرتم أم لا فيكون السؤال سؤال تعنيف وتعذيب أو هم الذين قبلوا الدعوة فيكون السؤال سؤال تشريف وتقريب ﴿ولنسئلن المرسلين﴾ سؤال إنعام وإكرام هل بلغتم وهل وجدتم أمماً قابِلِي الدعوة ﴿فلنقصن عليهم بعلم﴾ فليعلمن أنا ما أرسلنا الرسل إليهم عبثاً وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وخطب جسيم ﴿وما كنا غائبين﴾ عن الرسل بالنصر والمعونة وعن المرسل إليهم بالتوفيق والعناية ﴿والوزن يومئذ﴾ لأهل الحق لا الباطل لا نقيم لهم يوم القيامة وزناً. روي أنه يوم القيامة يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة. ﴿فمن ثقلت موازينه﴾ بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والأحوال الكاملة ﴿فأولئك هم المفلحون﴾ من شر أنانيتهم وإنما جمع الموازين لأن لبدن كل مكلفٍ ميزاناً يوزن به أعماله ولنفسه ميزاناً يوزن به صفاتها ولقلبه ميزاناً يوزن به أوصافه ولروحه ميزاناً يوزن به نعوته ولسره ميزاناً يوزن به أحواله ولخفيه ميزاناً يوزن به أخلاقه. والخفي لطيفة روحانيّة قابلة لفيض الأخلاق الربانية ولهذا قال صلى الله عليه وآله :«ما وضع في الميزان شيء أقل من حسن الخلق» وذلك أنه ليس من نعوت المخلوقين وإنما هو خلق رب العالمين والعباد مأمورون بالتخلق بأخلاقه ﴿خسروا أنفسهم﴾ أفسدوا استعدادها ﴿ولقد مكناكم﴾ هيأنا لكم خلافة الأرض دون غيركم من الحيوانات والملك ﴿وجعلنا لكم﴾ خاصة ﴿معايش﴾ ولكل صنف من الملك والحيوانات معيشة واحدة وذلك أن الإنسان مجموع من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية. فمعيشة الملك هي معيشة روحه، ومعيشة الحيوان هي معيشة بدنه، ومعيشة الشيطان هي معيشة نفسه الأمارة بالسوء، وقد حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية وإنها لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي القلب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي الشهود، ومعيشة سره هي الكشوف، ومعيشة خفيه هي الوصال والوصول.
الوقوف :﴿المص﴾ ه كوفي ﴿للمؤمنين﴾ ه ﴿أولياء﴾ ط ﴿تذكرون﴾ ه ﴿قائلون﴾ ه ﴿ظالمين﴾ ه ﴿المرسلين﴾ ه لا للعطف ﴿غائبين﴾ ه ﴿الحق﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿المفلحون﴾ ه ﴿يظلمون﴾ ه ﴿معايش﴾ ط ﴿تشكرون﴾ ه.
ثم ذكر ما في ترك المتابعة من الوعيد فقال :﴿وكم من قرية﴾ فموضع «كم » رفع بالابتداء و «من » مزيدة للتأكيد والبيان أي كثير من القرى ﴿أهلكناها﴾ مثل زيد ضربته وتقدم النصب أيضاً عربي جيد وفي الآية حذف لا لقرينة الإهلاك فقط فإن القرية تهلك بالهدم والخسف كما يهلك أهلها ولكنه يقال التقدير : وكم من أهل قرية لقوله ﴿فجاءها بأسنا﴾ والبأس بالأهل أنسب ولقوله :﴿أوهم قائلون﴾ ولأن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا بهلاكهم ولأن معنى البيات والقيلولة لا يصح إلا فيهم. وإنما قال :﴿فجاءها﴾ رداً بالكلام على اللفظ أو كما يقال الرجال فعلت. وهنا سؤال وهو أن قوله :﴿فجاءها بأسنا﴾ يقتضي أن يكون الهلاك مقدماً على مجيء البأس ولكن الأمر بالعكس. والعلماء أجابوا بوجوه منها : أن المراد حكمنا بهلاكها أو أردنا أهلاكها فجاءها كقوله :﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ [المائدة: ٦] ومنها أن معنى الإهلاك ومعنى مجيء البأس واحد فكأنه قيل : وكم من قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا وهذا كلام صحيح. فإن قيل : كيف يصح والعطف يوجب المغايرة ؟ فالجواب أن الفاء قد تجيء للتفسير كقوله صلى الله عليه وآله «لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه » فإن غسل الوجه واليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعه فكذا هاهنا مجيء البأس جار مجرى التفسير للإهلاك لأن الإهلاك قد يكون بالموت المعتاد وقد يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم وقريب منه قول الفراء : لا يبعد أن يقال البأس والهلاك يقعان معاً كما يقال : أعطيتني فأحسنت. وما كان الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله وإنما وقعا معاً. ومنها أن ذلك محمول على حذف المعطوف والتقدير : أهلكناهم فحكم بمجيء البأس لأن الإهلاك أمارة للحكم بوصول مجيء البأس. ومنها أنه من باب القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس كقوله : عرضت الناقة على الحوض. وقوله ﴿بياتاً﴾ قال الجوهري : بيت العدوّ أي أوقع بهم ليلاً والاسم البيات. وفي الكشاف أنه مصدر بات الرجل بياتاً حسناً. وعلى القولين فإنه وقع موضع الحال بمعنى بائتين أو مبيتين. ثم قال :﴿أو هم قائلون﴾ والجملة حال معطوفة على ﴿بياتاً﴾ كأنه قيل : فجاءها بأسنا مبيتين أو بائتين أو قائلين. وإنما حسن ترك الواو هاهنا من الجملة الاسمية الواقعة حالاً لأن واو الحال قريب من واو العطف لأنها استعيرت منها للوصل فالجمع بين حرف العطف وبينه جمع بين المثلين وذلك مستثقل. فقولك : جائني زيد راجلاً أو هو فارس. كلام فصيح، ولو قلت : جاءني زيد هو فارس كان ضعيفاً. وقال بعض النحويين : الواو محذوفة مقدرة ورده الزجاج لما قلنا. أما معنى القيلولة فالمشهور أنها نومة الظهيرة. وقال الأزهري : هي الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن نوم لقوله تعالى :﴿أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقراً وأحسن مقيلاً﴾ [الفرقان: ٢٤] والجنة لا نوم فيها وإنما خص وقتا البيات والقيلولة لأنهما وقتا الغفلة والدعة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع. وكأنه قيل للكفار لا تغتروا بالفراغ والرفاه والأمن والسكون فإن عذاب الله إنما يجيء دفعة من غير سبق أمارة.
| أيا راقد الليل مسوراً بأوّله | إن الحوادث قد يطرقن أسحارا |