الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَنْ أَفِيضُواْ﴾ : كأحوالِها من احتمال التفسير والمصدرية، و " من الماء " متعلق بأفيضوا على أحدِ وجهيه : إمَّا على حذف مفعول أي : شيئاً من الماء فهي تبعيضيةٌ، طلبوا منهم البعضَ اليسير، وإمَّا على تضمين " أفيضوا " معنى ما يتعدَّى ب مِنْ أي : أنعموا منه بالفيض. وقوله :﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ﴾ " أو " هنا على بابها من اقتضائها لأحد الشيئين : إمَّا تخييراً أو إباحةً أو غيرَ ذلك ممَّا يليق بها، وعلى هذا يقال كيف قيل : حَرَّ مهما فأعيد الضمير مثنَّى، وكان من حق مَنْ يقول إنها لأحد الشيئين أن يعودَ مفرداً على ما تقرر غير مرة ؟ وقد أجابوا بأن المعنى : حَرَّم كلاً منهما. وقيل إن " أو " بمعنى الواو فعود الضمير واضحٌ عليه.
و " ممّا " :" ما " يجوز أن تكون موصولة اسمية، وهو الظاهر، والعائد محذوف أي : أو من الذي رزقكموه الله، ويجوز أن تكونَ مصدريةً، وفيه مجازان : أحدهما : أنهم طَلَبوا منهم إفاضةَ نفس الرزق مبالغةً في ذلك. والثاني : أن يَرادَ بالمصدر اسمُ المفعول كقوله :﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦٠] في أحد وجهيه. وقال الزمخشري :" أو ممَّا رزقكم الله من غيره من الأشربة لدخوله في حكم الإِفاضة. ويجوز أن يُراد : أو أَلْقُوا علينا مِنْ ما رزقكم الله من الطعام والفاكهة كقوله :
عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً. . . . . . . . . . . . . . .
قال الشيخ :" وقوله " و ألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة " يحتمل وجهين، أحدهما أن يكون قوله :" أفيضوا " ضُمِّن معنى " ألقوا " علينا من الماء أو مما رزقكم الله فيصحَّ العطف، ويحتمل وهو الظاهر من كلامه أن يكونَ أضمر فعلاً بعد " أو " يَصِل إلى مما رزقكم الله وهو " ألقوا "، وهما مذهبان للنحاة فيما عُطِف على شيء بحرف عطف، والفعل لا يصل إليه، والصحيح منهما التضمين لا الإِضمار ". قلت : يعني الزمخشري أن الإِفاضة أصل استعمالها في الماء وما جرى مجراه في المائعات، فقوله " أو مِنْ غيره من الأشربة " تصحيح ليسلِّط الإِفاضةَ عليه ؛ لأنه لو حُمِل مما رزقكم الله على الطعام والفاكهة لم يَحْسُن نسبة الإِفاضة إليهما إلا بتجوُّز، فذكر وجه التجوز بقوله " ألقوا "، ثم فسَّره الشيخ بما ذكر، وهو كما قال، فإن العلَف لا يُسْنَدُ إلى الماء. فقوله إمَّا بالتضمين أي فَغَذَّيتُها، ومثلُه :
. . . . . . . . . . . . . . .وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا
وقوله :
يا ليت زوجَك قد غدامتقلِّدا سيفاً ورُمْحا
وقوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] وقد مضى من هذا جملةٌ صالحة. وزعم بعضهم أن قوله ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ عامٌّ يندرج فيه الماء المتقدم، وهو بعيدٌ أو متعذَّرٌ للعطف بأو.
والتحريم هنا المَنْعُ كقوله :
حرامٌ على عينيَّ أن تُطْعَما الكَرى. . . . . . . . . . . . . . . .

تفسير هذه الآية من كتب أخرى