محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
ثم وصف الكافرين بقوله :
{ الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء
يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون ( ٥١ ) }.
﴿الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا﴾ أي : مما زينه لهم الشيطان. واللهو : كل ما صدّ عن الحق. واللعب : كل أمر باطل. أي : ليس دينهم في الحقيقة إلا ذلك، إذ هو دأبهم وديدنهم ﴿وغرتهم الحياة الدنيا﴾ بزخارفها العاجلة، فلم يعملوا ﴿فاليوم ننساهم﴾ أي : نتركهم ترك المنسي، فلا نرحمهم بما نرحم به من عمل للآخرة ﴿كما نسوا لقاء يومهم هذا﴾ أي : كما فعلوا بلقائه، فعل الناسين، فلم يخطروه ببالهم، ولم يهتموا به.
لطيفة :
قال الشهاب :﴿ننساهم﴾ تمثيل. شبه معاملته تعالى مع هؤلاء بالمعاملة مع من لا يعتد به، ويلتفت إليه، فينسى. لأن النسيان لا يجوز على الله تعالى، أي لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء، كما قال(١) :﴿في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى﴾ والنسيان يستعمل بمعنى الترك كثيرا في لسان العرب. ويصح هنا أيضا، فيكون استعارة تحقيقية، أو مجازا مرسلا ؛ وكذا نسيانهم لقاء الله أيضا، لأنهم لم يكونوا ذاكري الله حتى ينسوه، فشبه عدم إخطارهم لقاء الله والقيامة ببالهم، وقلة مبالاتهم- بحال من عرف شيئا، ثم نسيه. وليست الكاف للتشبيه، بل للتعليل، ولا مانع من التشبيه أيضا – انتهى-.
وقال تعالى :﴿وما كانوا بآياتنا يجحدون﴾ أي وكما كانوا منكرين أنها من عند الله تعالى. روى الترمذي(٢) عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله ﷺ :" يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول الله : ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وتربع، فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا ؟ قال فيقول : لا ! فيقول له : اليوم أنساك كما نسيتني ".
وفي حديث أبي هريرة عند مسلم(٣) :" فيلقى العبد ربه، فيقول : أي فلْ ! ألم أكرمك وأسوّدك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأتَركْك ترأس وتربَع ؟ فيقول : بلى. قال أظننت أنك ملاقي ؟ فيقول : لا. فيقول : فإني أساك كما نسيتني " !.
{ الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء
يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون ( ٥١ ) }.
﴿الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا﴾ أي : مما زينه لهم الشيطان. واللهو : كل ما صدّ عن الحق. واللعب : كل أمر باطل. أي : ليس دينهم في الحقيقة إلا ذلك، إذ هو دأبهم وديدنهم ﴿وغرتهم الحياة الدنيا﴾ بزخارفها العاجلة، فلم يعملوا ﴿فاليوم ننساهم﴾ أي : نتركهم ترك المنسي، فلا نرحمهم بما نرحم به من عمل للآخرة ﴿كما نسوا لقاء يومهم هذا﴾ أي : كما فعلوا بلقائه، فعل الناسين، فلم يخطروه ببالهم، ولم يهتموا به.
لطيفة :
قال الشهاب :﴿ننساهم﴾ تمثيل. شبه معاملته تعالى مع هؤلاء بالمعاملة مع من لا يعتد به، ويلتفت إليه، فينسى. لأن النسيان لا يجوز على الله تعالى، أي لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء، كما قال(١) :﴿في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى﴾ والنسيان يستعمل بمعنى الترك كثيرا في لسان العرب. ويصح هنا أيضا، فيكون استعارة تحقيقية، أو مجازا مرسلا ؛ وكذا نسيانهم لقاء الله أيضا، لأنهم لم يكونوا ذاكري الله حتى ينسوه، فشبه عدم إخطارهم لقاء الله والقيامة ببالهم، وقلة مبالاتهم- بحال من عرف شيئا، ثم نسيه. وليست الكاف للتشبيه، بل للتعليل، ولا مانع من التشبيه أيضا – انتهى-.
وقال تعالى :﴿وما كانوا بآياتنا يجحدون﴾ أي وكما كانوا منكرين أنها من عند الله تعالى. روى الترمذي(٢) عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله ﷺ :" يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول الله : ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وتربع، فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا ؟ قال فيقول : لا ! فيقول له : اليوم أنساك كما نسيتني ".
وفي حديث أبي هريرة عند مسلم(٣) :" فيلقى العبد ربه، فيقول : أي فلْ ! ألم أكرمك وأسوّدك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأتَركْك ترأس وتربَع ؟ فيقول : بلى. قال أظننت أنك ملاقي ؟ فيقول : لا. فيقول : فإني أساك كما نسيتني " !.
١ - [٢٠/ طه/ ٥٢] ﴿قال علمها عند ربي...﴾..
٢ - أخرجه الترمذي في: ٣٥- كتاب القيامة، ٦- باب منه، حدثنا سويد بن نصر..
٣ - أخرجه مسلم في: ٥٣- كتاب الزهد والرقائق، حديث ١٦ (طبعتنا) ونصه:
عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله ! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال "هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة، ليست في سحابة"؟ قالوا؛ لا. قال "فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر، ليس في سحابة"؟ قالوا: لا. قال "فوالذي نفسي بيده ! لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. قال فيلقى العبد، فيقول: أي فلْ ! ألم أكرمك وأسوّدك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذَرْك ترأس وتربَع؟ فيقول: بلى. قال أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك. فيقل: يا ربِّ ! آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت. ويثني بخير ما استطاع. فيقول: ههنا إذا. قال ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك. ويتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه. ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله. وذلك ليعذر من نفسه.
وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه"..
٢ - أخرجه الترمذي في: ٣٥- كتاب القيامة، ٦- باب منه، حدثنا سويد بن نصر..
٣ - أخرجه مسلم في: ٥٣- كتاب الزهد والرقائق، حديث ١٦ (طبعتنا) ونصه:
عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله ! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال "هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة، ليست في سحابة"؟ قالوا؛ لا. قال "فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر، ليس في سحابة"؟ قالوا: لا. قال "فوالذي نفسي بيده ! لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. قال فيلقى العبد، فيقول: أي فلْ ! ألم أكرمك وأسوّدك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذَرْك ترأس وتربَع؟ فيقول: بلى. قال أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك. فيقل: يا ربِّ ! آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت. ويثني بخير ما استطاع. فيقول: ههنا إذا. قال ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك. ويتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه. ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله. وذلك ليعذر من نفسه.
وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه"..