اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قد تقدَّمَ أنَّ مدار القرآن على تَقْرِير هذه المسائل الأربع وهي : التَّوحِيدُ، والنبوةُ، والمعادُ، والقضاءُ والقدرُ، ولا شك أنَّ إثبات المعاد مبنيٌّ على إثبات التَّوحيد والقدرة والعلم، فلمَّا بالغ الله في تقرير المعادِ عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على التوحيد وكمال القُدْرَةِ والعلم، لتصير تلك الدلائل مقررة لأصول التَّوحيدِ، ومقررّة أيضاً لإثبات المعاد.
قوله :﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الله﴾ الجمهور على رفع الجلالة خبرا ل " إنَّ "، ويضعف أن تجعل بدلاً من اسم " إنَّ " على الموضع عند مَنْ يرى ذلك، والموصول خبر ل " إنَّ " وكذا لو جعله عطف بيان، ويتقوَّى هذا بِنَصْبِ الجلالةِ في قراءة(١) بكار، فإنَّها فيها بدلٌ، أو بيان لاسم " إنّ " على اللفظ، ويضعف أَن تكون خبرها عند مَنْ يرى نصب الجزءين فيها كقوله :[ الطويل ]
وقوله :[ الرجز ]
قيل : ويُؤيِّدُ ذلك قِرَاءةُ الرَّفْعِ أي : في جعلها إيَّاهُ خبراً، والموصول نعت لله، أو بيان له، أو بدل مِنْهُ، أو يُجْعَل خبراً ل " إن " على ما تقدَّم من التخاريج، ويجوز أن يكون معطوفاً على المَدْحِ رفعاً، أو نصباً.
قوله :" في سِتَّةِ " حكى الواحِدِيُّ عن الليث(٤) أنَّهُ قال :" الأصل في الستّ والستّة : سدسٌ وسدسةٌ [ أبدل السين تاء ] ولما كان مخرج الدّال والتّاء قريباً، وهي ساكنة أدغم أحدهما في الآخر، واكتفى بالتَّاءِ، ويدلُّ عليه أنَّكَ تقُولُ في تصغير ستة : سُديْسَةٌ، وكذلك الأسْدَاسُ وهذا الإبدال لازم، ويدلُّ عليه أيضاً قولهم : جَاءَ فلانٌ سَادساً وسدساً وسادياً بالياءِ مثناة من أسفل قال [ الشاعر ] :[ الطويل ]
. . . *** وَتَعْتَدُّنِي إنْ لَمْ يَقِ اللَّهُ سَادِيا(٥)
أي " سَادِساً " فأبْدَلَهَا.
قوله :﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الظَّاهِرُ : أنَّهُ ظَرْفٌ ل " خَلْق السموات والأرض " معاً، واسْتُشْكِلَ على ذلك أنَّ اليومَ إنَّمَا هو بطلُوعِ الشَّمْسِ وغروبها، وذلك إنَّما هو بَعْدَ وجود السَّمواتِ والأرْضِ، وأجَابُوا عَنْهُ بأجْوِبَةٍ منها :
أنَّ السَّتَّةَ ظرفٌ لخلق الأرض فقطن فعلى هذا يكُونُ قوله :" خلق السموات " مطلقاً لم يُقَيَّدْ بِمُدَّةٍ، ويكون قوله :" والأرْضَ " مفعولاً بفعل مُقَدَّرٍ أي ؛ وخلق الأرض، وهذا الفعل مُقَيَّد بِمُدَّة سِتَّةِ أيَّامٍ، وهذا قولٌ ضعيفٌ جِدّاً.
وقيل : في مِقْدَارِ سِتَّةِ أيَّامٍ من أيَّام الدُّنْيَا، ونظيره :﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم: ٦٢].
والمراد : على مقدار البُكْرَةِ والعَشيِّ في الدُّنْيَا ؛ لأنَّهُ لا ليل ثمَّ ولا نهار.
وقيل : سِتَّةُ أيَّامِ كأيَّامِ الآخِرَةِ، كلُّ يَوْمٍ كألْفِ سَنَةٍ.
قال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : كان اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - قادِراً على خَلْق السَّمواتِ والأرْضَ في لَمْحَةٍ ولحظة، فَخَلَقَهُنَّّ في سِتَّةِ أيَّام تعليماً لخلقه التَّثَبُّتَ، والتَّأنِّي في الأمُور، وقد جَاءَ في الحديث :
" التَّأنِّي من اللَّهِ والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ "
قال القرطبيُّ(٦) : وأيضاً لتظهر قُدْرَتُهُ للملائكةِ شيئاً بعد شيء وهذا عند من يَقُولُ : خلق الملائِكَة قبل خلقِ السَّمواتِ والأرضَ، وحكمةٌ أخَْى خلقها في ستَّة أيَّامٍ، لأنَّ لكلِّ شيءٍ عندَهُ أجلاً(٧)، وبين بهذا ترك مُعاجلةِ العُصَاةِ بالعقابِ ؛ لأنَّ لكلِّ شَيْءٍ عندَهُ أجلاً وهذا كقوله :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ فاصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ بعد أن قال :﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً﴾ [ق: ٣٦-٣٨].
في الآية سؤالات :
الأول : كونُ هذه الأشياء مخلوقةً في سِتَّةِ أيَّامٍ لا يمكن جعله دليلاً على إثْبَات الصَّانِعِ لوجوه(٨).
أحدها : أن وَجْهَ دلالة هذه المحدثاتِ على وجود الصَّانع هو حُدُوثُهَا، أو إمكانها، أو مجموعها، فأمَّا وُقوعُ ذلك الحدوث في ستة أيَّام، أو في يَوْمٍ واحدٍ فلا أثَرَ لَهُ في ذلك ألْبَتَّة.
الثاني : أنَّ العَقْلَ يدل على أن الحدوث على جميع الأحوال جائز، وإذا كان كذلك فحينئذ لا يمكن الجزم بأن هذا الحدوث وقع في سِتَّةِ أيَّامٍ إلاَّ بإخْبَارِ مخبر صادقٍ، وذلك موقوف على العلم بوجود الإله الفاعل المختار، فلو جعلنا هذه المُقدِّمَة مُقَدِّمَةً، في إثبات الصَّانِعِ لزِمَ الدَّوْرُ(٩).
الثالث : أنَّ حدوثَ السمواتِ والأرضِ دفعةً واحدة أدلُّ على كمال القُدْرَةِ والعلم من حدوثها في ستة أيَّام.
وإذَا ثبتتْ هذه الوجوهُ الثلاثةُ فنقولُ : ما الفائدةُ في ذكر أنَّهُ تعالى إنَّمَا خلقها في سِتَّةِ أيَّامٍ في إثبات ذكر ما يَدُلُّ على وجود الصَّانع ؟
الرابع : ما السَّبَبُ في أنَّهُ اقْتَصَرَ هاهنا على ذِكْرِ السَّموات والأرض، ولم يذكر خلق سائر الأشياء ؟
الخامس : اليوم إنَّما يمتازُ عن اللَّيْلةِ بِطُلوع الشَّمْسِ وغروبها، فقبل خلق السَّموات والقمر كَيْفَ يُعْقَلُ حصول الأيَّامِ ؟
السادس : أنَّهُ تعالى قال :﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بالبصر﴾ [القمر: ٥٠]، وهو كالمُنَاقِضِ لقوله خلق السَّمواتِ والأرض.
السابع : أنَّهُ تعالى خلق السَّمواتِ والأرض في مدة متراخية فما الحكمة في تَقْييدها بالأيام الستَّةِ ؟
والجوابُ على مذهب أهْلِ السُّنَّةِ واضحٌ ؛ لأنَّهُ تعالى يفعل ما يشاءُ، ويحكمُ ما يريدُ، ولا اعتراض عليه في أمْرٍ من الأمُورِ، وكلُّ شيء صنعه ولا علَّةَ لصُنْعِهِ، ثم نَقُولُ :
أمّا الجوابُ عن الأوَّل أنَّهُ تعالى ذكر في أوَّلِ التَّوْراةِ أنَّهُ خلق السَّمواتِ والأرضَ في ستَّةِ أيَّامٍ، والعربُ كانُوا يخالطون اليهودَ والظَّاهِرُ أنَّهُم سَمِعُوا ذلك منهم، فَكَأنَّهُ سبحَانَهُ يقُولُ : لاّ تَشْتَغِلُوا بعبادَةِ الأوثان والأصنام، فإنَّ ربَّكُم هو الذي سمعتم من عقلاء النَّاسِ أنَّهُ هو الذي خلقَ السَّموات والأرْضَ على غَايَةٍ عظمتها في ستَّةِ أيَّامٍ(١٠).
وعن الثالث : أن المَقْصُودَ منه أنَّهُ تعالى وإن كان قَادِراً على إيجاد جميع الأشياء دفعة واحدة لكنَّهُ جعل لَكُلِّ شيءٍ حداً مَحْدُوداً، ووقتاً مقدراً، فلا يُدْخِلُهُ في الوُجُودِ إلاَّ على ذلك الوَجْهِ، فَهُوا، وإنْ كَانَ قادراً على إيصال الثَّوابِ للمطيعين في الحالِ، وعلى إيصالِ العقاب للمذنبينَ في الحالِ، إلاَّ أنَّهُ يؤخرهما إلى أجلٍ معلُومٍ مقدورٍ، فهذا التَّأخِيرُ ليس لأجَلِ أنَّهُ تعالى أهمل العِبَادَ، بل لما ذكرنَا أنَّهُ خصَّ كلَّ شيءٍ بوقُتٍ معيَّن لسابِقِ مشيئتِهِ، فلا يفتر عنه، ويَدُلُّ على ذلك قوله تعالى :
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
وقال المُفَسِّرُونَ : إنَّهُ تعالى إنَّما خَلق العالمَ في ستَّةِ أيَّامٍ ليعلِّم عباده الرِّفْقَ في الأمُورِ كما تقدَّم عن سعيد بْنِ جُبَيْرٍ.
وقال آخرون :" إنَّ الشَّيْءَ إذا أحدث دَفْعَةً واحدة ثم انقطع طريقُ الإحداثِ، فَلَعَلَّهُ يَخْطُرُ ببالِ بعضهم أنَّ ذلك إنَّما وقع على سبيل الاتَّفَاقِ، أمَّا إذَا حدثَتِ الأشْيَاءُ على سبيل التَّعَاقُبِ والتَّواصُلِ مع كونها مطابقة للمَصْلَحَةِ والحكمة كان ذلك أقْوَى في الدِّلالةِ على كونِهَا واقعةً بإحداث مُحْدِثٍ حكيم وقادر عليم(١١) ".
وعن الرابع : أنَّهُ تعالى ذكر سَائِرَ المخْلُوقَاتِ في سَائرِ الآيات فقال :﴿الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤].
وقال :﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان: ٥٨ -٥٩].
وعن الخامس : قوله أنَّ المراد أنَّهُ تعالى خلق السَّموات، والأرضَ في مقدار سِتَّةِ أيَّام كما تقدَّم.
وقال بعضُ العُلماءِ : المراد بالستَّةِ أيَّامٍ هاهنا مراتب مصنوعاته ؛ لأنَّ قبل الزَّمَانِ لا يمكن تجدد الزَّمَانِ، والمراد بالأيام السَّتَّة : يومٌ لمادة السموات، ويوم لصورتها، ويوم لكمالاتها من الكواكب، والنُّفُوسِ، وغيرها ويوم لمادة الأرْضِ ويوْمٌ لصورتها ويوم لكمالاتها من الجبال وغيرها، فاليَوْمُ عبارة عن الكون الحادث.
وعن السادس : أنَّ قوله :﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بالبصر﴾ [القمر: ٥٠] محمولٌ على إيجاد كُلِّ واحد من الذَّواتِ وعلى إعدام كل واحد منها ؛ لأنَّ إيجاد الموجودِ الواحدِ لا يقبل التَّفَاوُتَ، فلا يمكن تحصيله إلا دفعة، وأمَّا الإمْهَالُ فلا يَحْصُلُ إلاَّ في المدَّةِ(١٢).
وعن السابع : أنَّ هذا السُّؤالَ غير وارد، لأنَّهُ تعالى لو أحدثه في مِقْدَارِ آخر من الزَّمانِ لعَادَ السُّؤالُ.
قوله :" ثُمَّ اسْتَوَى " الظَّاهِرُ عَوْدُ الضَّميرِ على الله - تعالى - بالتَّأويل المذكُورِ في البقرةِ.
وقيل : الضَّمِيرُ يعود على الخَلْق المَفْهُوم من " خَلَقَ " ثم اسْتَوَى خَلْقُه على العَرْشِ، ومثله :﴿الرحمن عَلَى العرش استوى﴾ [طه: ٥] قالوا : يُحتمل أن يَعودَ الضَّميرُ في " اسْتَوَى " على " الرَّحْمِن "، وإنْ يعود على الخَلْقِ، ويكون " الرَّحْمن " خبراً لمبتدأ محذوف أي : هو الرَّحْمنُ.
والعرشُ : يُطْلَقُ بإزاء معانٍ كثيرة، فمنه سَرِيرٌ الملكِ، وعليه، ﴿نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل: ٤١]، ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش﴾ [يوسف: ١٠٠]، ومنه السُّلْطَان والعزُّ وعليه قول زهير :[ الطويل ]
وقول الآخر :[ الكامل ]
ومنه : خشب تُطوى به البِئرُ بعد أنْ يُطْوى بالحِجَارَةِ أسفلُها ومنه : ما يُلاقِي ظَهْرُ القَدَم وفيه الأصَابع، ومنه : السَّقْفُ، وكلُّ ما علاك فهو عَرْشٌ، فَكَأنَّ المَادَّةَ دائرةُ مع العُلُوِّ والرِّفعة ومنه عَرْشُ الكَرمِ، وعرشُ السِّمَاكِ أرْبَعَةُ كواكب صغار أسفل من العَوَّاء يقال إنَّها عَجُز الأسَدِ.
والعَرْشُ : اسم ملك والعَرْشُ المَلِكُ والسُّلطَانُ. يقال : قد ذهب عرش فلان أي : ذهب مُلْكُهُ وعِزهُ وسُلْطَانُهُ قال زُهَيْرٌ :[ الطويل ]
تَدَارَكْتُمَا عَبْساً وَقَدْ ثُلَّ عَرْشُهَ
قوله :﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الله﴾ الجمهور على رفع الجلالة خبرا ل " إنَّ "، ويضعف أن تجعل بدلاً من اسم " إنَّ " على الموضع عند مَنْ يرى ذلك، والموصول خبر ل " إنَّ " وكذا لو جعله عطف بيان، ويتقوَّى هذا بِنَصْبِ الجلالةِ في قراءة(١) بكار، فإنَّها فيها بدلٌ، أو بيان لاسم " إنّ " على اللفظ، ويضعف أَن تكون خبرها عند مَنْ يرى نصب الجزءين فيها كقوله :[ الطويل ]
| إذَا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأتِ ولتَكُنْ | خُطَاكَ خِفَافاً إنَّ حُرَّاسَنَا أُسْدَا(٢) |
| إنَّ العَجُوزَ خبَّةً جَرُوزا | تَأكُلُ كُلَّ لَيْلَةٍ قَفِيرْا(٣) |
قوله :" في سِتَّةِ " حكى الواحِدِيُّ عن الليث(٤) أنَّهُ قال :" الأصل في الستّ والستّة : سدسٌ وسدسةٌ [ أبدل السين تاء ] ولما كان مخرج الدّال والتّاء قريباً، وهي ساكنة أدغم أحدهما في الآخر، واكتفى بالتَّاءِ، ويدلُّ عليه أنَّكَ تقُولُ في تصغير ستة : سُديْسَةٌ، وكذلك الأسْدَاسُ وهذا الإبدال لازم، ويدلُّ عليه أيضاً قولهم : جَاءَ فلانٌ سَادساً وسدساً وسادياً بالياءِ مثناة من أسفل قال [ الشاعر ] :[ الطويل ]
. . . *** وَتَعْتَدُّنِي إنْ لَمْ يَقِ اللَّهُ سَادِيا(٥)
أي " سَادِساً " فأبْدَلَهَا.
فصل
قوله :﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الظَّاهِرُ : أنَّهُ ظَرْفٌ ل " خَلْق السموات والأرض " معاً، واسْتُشْكِلَ على ذلك أنَّ اليومَ إنَّمَا هو بطلُوعِ الشَّمْسِ وغروبها، وذلك إنَّما هو بَعْدَ وجود السَّمواتِ والأرْضِ، وأجَابُوا عَنْهُ بأجْوِبَةٍ منها :
أنَّ السَّتَّةَ ظرفٌ لخلق الأرض فقطن فعلى هذا يكُونُ قوله :" خلق السموات " مطلقاً لم يُقَيَّدْ بِمُدَّةٍ، ويكون قوله :" والأرْضَ " مفعولاً بفعل مُقَدَّرٍ أي ؛ وخلق الأرض، وهذا الفعل مُقَيَّد بِمُدَّة سِتَّةِ أيَّامٍ، وهذا قولٌ ضعيفٌ جِدّاً.
وقيل : في مِقْدَارِ سِتَّةِ أيَّامٍ من أيَّام الدُّنْيَا، ونظيره :﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم: ٦٢].
والمراد : على مقدار البُكْرَةِ والعَشيِّ في الدُّنْيَا ؛ لأنَّهُ لا ليل ثمَّ ولا نهار.
وقيل : سِتَّةُ أيَّامِ كأيَّامِ الآخِرَةِ، كلُّ يَوْمٍ كألْفِ سَنَةٍ.
قال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : كان اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - قادِراً على خَلْق السَّمواتِ والأرْضَ في لَمْحَةٍ ولحظة، فَخَلَقَهُنَّّ في سِتَّةِ أيَّام تعليماً لخلقه التَّثَبُّتَ، والتَّأنِّي في الأمُور، وقد جَاءَ في الحديث :
" التَّأنِّي من اللَّهِ والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ "
قال القرطبيُّ(٦) : وأيضاً لتظهر قُدْرَتُهُ للملائكةِ شيئاً بعد شيء وهذا عند من يَقُولُ : خلق الملائِكَة قبل خلقِ السَّمواتِ والأرضَ، وحكمةٌ أخَْى خلقها في ستَّة أيَّامٍ، لأنَّ لكلِّ شيءٍ عندَهُ أجلاً(٧)، وبين بهذا ترك مُعاجلةِ العُصَاةِ بالعقابِ ؛ لأنَّ لكلِّ شَيْءٍ عندَهُ أجلاً وهذا كقوله :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ فاصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ بعد أن قال :﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً﴾ [ق: ٣٦-٣٨].
فصل في بيان أسئلة واردة على الآية
في الآية سؤالات :
الأول : كونُ هذه الأشياء مخلوقةً في سِتَّةِ أيَّامٍ لا يمكن جعله دليلاً على إثْبَات الصَّانِعِ لوجوه(٨).
أحدها : أن وَجْهَ دلالة هذه المحدثاتِ على وجود الصَّانع هو حُدُوثُهَا، أو إمكانها، أو مجموعها، فأمَّا وُقوعُ ذلك الحدوث في ستة أيَّام، أو في يَوْمٍ واحدٍ فلا أثَرَ لَهُ في ذلك ألْبَتَّة.
الثاني : أنَّ العَقْلَ يدل على أن الحدوث على جميع الأحوال جائز، وإذا كان كذلك فحينئذ لا يمكن الجزم بأن هذا الحدوث وقع في سِتَّةِ أيَّامٍ إلاَّ بإخْبَارِ مخبر صادقٍ، وذلك موقوف على العلم بوجود الإله الفاعل المختار، فلو جعلنا هذه المُقدِّمَة مُقَدِّمَةً، في إثبات الصَّانِعِ لزِمَ الدَّوْرُ(٩).
الثالث : أنَّ حدوثَ السمواتِ والأرضِ دفعةً واحدة أدلُّ على كمال القُدْرَةِ والعلم من حدوثها في ستة أيَّام.
وإذَا ثبتتْ هذه الوجوهُ الثلاثةُ فنقولُ : ما الفائدةُ في ذكر أنَّهُ تعالى إنَّمَا خلقها في سِتَّةِ أيَّامٍ في إثبات ذكر ما يَدُلُّ على وجود الصَّانع ؟
الرابع : ما السَّبَبُ في أنَّهُ اقْتَصَرَ هاهنا على ذِكْرِ السَّموات والأرض، ولم يذكر خلق سائر الأشياء ؟
الخامس : اليوم إنَّما يمتازُ عن اللَّيْلةِ بِطُلوع الشَّمْسِ وغروبها، فقبل خلق السَّموات والقمر كَيْفَ يُعْقَلُ حصول الأيَّامِ ؟
السادس : أنَّهُ تعالى قال :﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بالبصر﴾ [القمر: ٥٠]، وهو كالمُنَاقِضِ لقوله خلق السَّمواتِ والأرض.
السابع : أنَّهُ تعالى خلق السَّمواتِ والأرض في مدة متراخية فما الحكمة في تَقْييدها بالأيام الستَّةِ ؟
والجوابُ على مذهب أهْلِ السُّنَّةِ واضحٌ ؛ لأنَّهُ تعالى يفعل ما يشاءُ، ويحكمُ ما يريدُ، ولا اعتراض عليه في أمْرٍ من الأمُورِ، وكلُّ شيء صنعه ولا علَّةَ لصُنْعِهِ، ثم نَقُولُ :
أمّا الجوابُ عن الأوَّل أنَّهُ تعالى ذكر في أوَّلِ التَّوْراةِ أنَّهُ خلق السَّمواتِ والأرضَ في ستَّةِ أيَّامٍ، والعربُ كانُوا يخالطون اليهودَ والظَّاهِرُ أنَّهُم سَمِعُوا ذلك منهم، فَكَأنَّهُ سبحَانَهُ يقُولُ : لاّ تَشْتَغِلُوا بعبادَةِ الأوثان والأصنام، فإنَّ ربَّكُم هو الذي سمعتم من عقلاء النَّاسِ أنَّهُ هو الذي خلقَ السَّموات والأرْضَ على غَايَةٍ عظمتها في ستَّةِ أيَّامٍ(١٠).
وعن الثالث : أن المَقْصُودَ منه أنَّهُ تعالى وإن كان قَادِراً على إيجاد جميع الأشياء دفعة واحدة لكنَّهُ جعل لَكُلِّ شيءٍ حداً مَحْدُوداً، ووقتاً مقدراً، فلا يُدْخِلُهُ في الوُجُودِ إلاَّ على ذلك الوَجْهِ، فَهُوا، وإنْ كَانَ قادراً على إيصال الثَّوابِ للمطيعين في الحالِ، وعلى إيصالِ العقاب للمذنبينَ في الحالِ، إلاَّ أنَّهُ يؤخرهما إلى أجلٍ معلُومٍ مقدورٍ، فهذا التَّأخِيرُ ليس لأجَلِ أنَّهُ تعالى أهمل العِبَادَ، بل لما ذكرنَا أنَّهُ خصَّ كلَّ شيءٍ بوقُتٍ معيَّن لسابِقِ مشيئتِهِ، فلا يفتر عنه، ويَدُلُّ على ذلك قوله تعالى :
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
وقال المُفَسِّرُونَ : إنَّهُ تعالى إنَّما خَلق العالمَ في ستَّةِ أيَّامٍ ليعلِّم عباده الرِّفْقَ في الأمُورِ كما تقدَّم عن سعيد بْنِ جُبَيْرٍ.
وقال آخرون :" إنَّ الشَّيْءَ إذا أحدث دَفْعَةً واحدة ثم انقطع طريقُ الإحداثِ، فَلَعَلَّهُ يَخْطُرُ ببالِ بعضهم أنَّ ذلك إنَّما وقع على سبيل الاتَّفَاقِ، أمَّا إذَا حدثَتِ الأشْيَاءُ على سبيل التَّعَاقُبِ والتَّواصُلِ مع كونها مطابقة للمَصْلَحَةِ والحكمة كان ذلك أقْوَى في الدِّلالةِ على كونِهَا واقعةً بإحداث مُحْدِثٍ حكيم وقادر عليم(١١) ".
وعن الرابع : أنَّهُ تعالى ذكر سَائِرَ المخْلُوقَاتِ في سَائرِ الآيات فقال :﴿الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤].
وقال :﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان: ٥٨ -٥٩].
وعن الخامس : قوله أنَّ المراد أنَّهُ تعالى خلق السَّموات، والأرضَ في مقدار سِتَّةِ أيَّام كما تقدَّم.
وقال بعضُ العُلماءِ : المراد بالستَّةِ أيَّامٍ هاهنا مراتب مصنوعاته ؛ لأنَّ قبل الزَّمَانِ لا يمكن تجدد الزَّمَانِ، والمراد بالأيام السَّتَّة : يومٌ لمادة السموات، ويوم لصورتها، ويوم لكمالاتها من الكواكب، والنُّفُوسِ، وغيرها ويوم لمادة الأرْضِ ويوْمٌ لصورتها ويوم لكمالاتها من الجبال وغيرها، فاليَوْمُ عبارة عن الكون الحادث.
وعن السادس : أنَّ قوله :﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بالبصر﴾ [القمر: ٥٠] محمولٌ على إيجاد كُلِّ واحد من الذَّواتِ وعلى إعدام كل واحد منها ؛ لأنَّ إيجاد الموجودِ الواحدِ لا يقبل التَّفَاوُتَ، فلا يمكن تحصيله إلا دفعة، وأمَّا الإمْهَالُ فلا يَحْصُلُ إلاَّ في المدَّةِ(١٢).
وعن السابع : أنَّ هذا السُّؤالَ غير وارد، لأنَّهُ تعالى لو أحدثه في مِقْدَارِ آخر من الزَّمانِ لعَادَ السُّؤالُ.
قوله :" ثُمَّ اسْتَوَى " الظَّاهِرُ عَوْدُ الضَّميرِ على الله - تعالى - بالتَّأويل المذكُورِ في البقرةِ.
وقيل : الضَّمِيرُ يعود على الخَلْق المَفْهُوم من " خَلَقَ " ثم اسْتَوَى خَلْقُه على العَرْشِ، ومثله :﴿الرحمن عَلَى العرش استوى﴾ [طه: ٥] قالوا : يُحتمل أن يَعودَ الضَّميرُ في " اسْتَوَى " على " الرَّحْمِن "، وإنْ يعود على الخَلْقِ، ويكون " الرَّحْمن " خبراً لمبتدأ محذوف أي : هو الرَّحْمنُ.
والعرشُ : يُطْلَقُ بإزاء معانٍ كثيرة، فمنه سَرِيرٌ الملكِ، وعليه، ﴿نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل: ٤١]، ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش﴾ [يوسف: ١٠٠]، ومنه السُّلْطَان والعزُّ وعليه قول زهير :[ الطويل ]
| تَدَارَكْتُمَا عَبْساً وقَدْ ثُلّ عَرْشُهَا | وذُبْيَانَ إذْ زَلَّتْ بأقْدَامِهَا النَّعْلُ(١٣) |
| إنْ يَقْتُلُوكَ فَقَدْ ثَلَلْتَ عُرُوشَهُمْ | بِرَبيعَةَ بْنِ الحَارِثِ بْنِ شِهَابِ(١٤) |
والعَرْشُ : اسم ملك والعَرْشُ المَلِكُ والسُّلطَانُ. يقال : قد ذهب عرش فلان أي : ذهب مُلْكُهُ وعِزهُ وسُلْطَانُهُ قال زُهَيْرٌ :[ الطويل ]
تَدَارَكْتُمَا عَبْساً وَقَدْ ثُلَّ عَرْشُهَ
١ ينظر: البحر المحيط ٤/٣٠٩، الدر المصون ٣/٢٨٠..
٢ تقدم..
٣ تقدم..
٤ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٨٠..
٥ تقدم..
٦ ينظر: تفسير القرطبي ٧/١٤٠..
٧ في أ: إخلاصا..
٨ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٨١..
٩ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٨١..
١٠ لم يذكر الجواب عن الثاني..
١١ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٨٢..
١٢ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٨٣..
١٣ البيت لزهير ينظر: ديوانه ١٠٦، الدر المصون ٣/٢٨٠..
١٤ تقدم..
٢ تقدم..
٣ تقدم..
٤ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٨٠..
٥ تقدم..
٦ ينظر: تفسير القرطبي ٧/١٤٠..
٧ في أ: إخلاصا..
٨ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٨١..
٩ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٨١..
١٠ لم يذكر الجواب عن الثاني..
١١ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٨٢..
١٢ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٨٣..
١٣ البيت لزهير ينظر: ديوانه ١٠٦، الدر المصون ٣/٢٨٠..
١٤ تقدم..