تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٥٤ وقوله تعالى :﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام﴾ وذكر ما بينهما في مواضع، ولم يذكر في مواضع ؛ وذلك داخل بذلك بقوله تعالى :﴿قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين﴾ [فصلت: ٩] الذي صنع ذلك ﴿وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها﴾.
ثم جمع(١) اليومين الأولين مع هذا الذي ذكر ذا فيه، وقال :﴿في أربعة أيام سواء للسائلين﴾ [فصلت: ١٠] ليعلم أن ذا خلق في يومين. ثم قال :﴿ثم استوى إلى السماء﴾ إلى وقوله :﴿فقضاهن سبع سماوات في يومين﴾ [ فصلت : ١١و١٢ ] فتصير ستة الأيام التي أبهمها في غير ذلك، والله أعلم.
ثم قد بيّن عز وجل، فساد قول كل من عبد غيره، وعجز كل ذلك عما له يعبد، وجهله بمعنى العبادة، وخروجه عن الاستحقاق بما فيه من آثار التدبير وعليه من دلالة التقدير، واستحقاق جميع معاني الخلقة، ودخوله تحت الصنعة، وحاجته إلى من احتاج إليه كل مما هي التي تبعث على العبادة، وتوجب إظهار الذلة والخضوع لمن هو كذلك في الخلقة والجوهر، فألزمهم الفزع إلى من يدلهم إلى الرب الحق، ويدعوهم إلى المعبود /١٧٥-ب/ المتعالي عن الأشباه والأضداد بما يوجب الشبه والمشاكلة.
وفي وجوب ذلك دليل جاعل آخذ له شكلا. وذلك آية الصنعة ودلالة الحدث. وفي تحقيق الضد خوف ذهاب وفساد، فتضمحل الألوهية، ويستوجب حق الدخول تحت التقدير والقيام على ما شاء من له التدبير، جل الله، سبحانه، عن توهم ذلك، فأكرم من بعثته الحاجة إلى معرفته، ودفعته الخلقة إلى العلم بمن أنعم عليه، واختصه من بين كثير من خلقه بما ركّب فيه ما به يدبّر أمر غيره، وبه يعرف قدر المنعم عليه لمن أكرمه به ليشكر(٢) له في ما أولاه، ويحمده على [ ما ](٣) أعطاه، فمنّ بإظهار ذلك على لسان رسوله الذي عرّف خلقه بما نصب من أدلة صدقه، وأنار من حجج عصمته عن الكذب في ما ينبئ وإصابته في ما يخبر، فقال :﴿إن ربكم الله الذي﴾ لا رب لكم(٤) سواه ولا لأحد من الخلائق.
هو الله الذي لا إله غيره ليوجّهوا إليه العبادة في الحقيقة، وليؤدوا إليه شكر ما أنعم عليهم، وإن كانت نعمه أعظم من أن يجزيها العباد، وحقه أجلّ من أن يقوم به العباد، لولا أن الله، سبحانه، لم يرد من البيان على ربوبيته والدليل على ألوهيته سوى ما أنطق به على لسان رسوله [ به ](٥) الإيضاح أنه لا ينطق إلا بالحق، ولا يقول إلا الصدق لكان ذلك بيانا شافيا.
لكنه بفضل رحمته بين الأدلة التي تحقق ذلك، وتعلم أنه كما أجابه رسوله إلا أن يعاند الحق، ويكابر العقل فقال عز وجل ﴿الذي خلق السماوات والأرض﴾ إلى آخر [ ما ذكر ](٦) دلالة خلق ما ذكر من آثار التدبير وعجيب التقدير الذي به قوام كل ممّن يحتمل المنافع والمضار واتصال ما بين السماء والأرض على تباعد بعض من بعض في المنافع مع جمع الأضداد التي من طبعها التنافر في أصل ما ذكر حتى صارت كالأشكال بعد أن كانت السماوات والأرض مشتبهة(٧) لا تشعر بما فيها من الحكمة ولا بالذي فيه من أي وجه تقضى الحاجة ليدل أن مدبّر الكل واحد ؟ وأنه عليم حكيم، وضع كل شيء موضعه، ودل كل ذي عقل على الوجه [ الذي ](٨) يظفر بحاجته، ويقيم به أوده، ويصل إلى بغيته، وسخّر الذي ذكر، فصيّر كلاّ من ذلك جاريا ذاتيا بما لا ينتفع هو به، ولا مضرة عليه فيه، ليعلم أنه لغيره قدّر، ولحاجة غيره سيّر، وكذلك الذي جبل على القرار، وأمسك عن الزوال من غير أن كان له في حقيقة أحد الوجهين نفع أو ضرر ليعلم أن تدبير ذلك جرى لا له، ولكن لأهل الممتحنين الذين بهم يظهر العز والشرف، وينبل الجود والكرم، ويعظم الملك والسلطان ؛ إذ عندهم تمييز الأحوال وتفريق الأمور وتوجيه كل إلى حقه وإعطاء كل ذي فضل فضله، فيعلم من هذا وصفه أنه لم ينشئ عبثا، ولا خلق باطلا ؛ إذ به يعظم قدر كل خلق، ويشرّف جلاله كل جليل. لم يجز إهمال(٩) مثله، فيكون خلق الجميع لغير شيء مع ما في ذلك من فنائه وتبدّده الذي في الحكمة قصد مثله في العقل يوجب العبث.
ثبت أنه خلق للمحنة ولدار البقاء. لكن جعل البقاء جزاء والفناء محنة ليكون البقاء هو المنتهى، فيعظم القصد في الابتداء ؛ إذ فاسد أن يجعل المحنة للبقاء، فيدل على حاجة الممتحن مع ما في ذلك زوال الجزاء ؛ إذ محال تقديمه على ماله الجزاء، والله الموفق.
ثم الأصل أن الله، سبحانه، جعل العقل جزءا من عالمه، وجعله دليلا لأهله في معرفة المساوئ والمحاسن وعلما للتمييز بين الحكمة والسفه وبين الإتقان والعبث، وجعله بالذي يعرف المحمود من المذموم والمرغوب فيه من المزجور عنه، فلم يجز أن يكون إنشاء كل العالم على غير الحكمة، لأنه سفه. وهو بالذي هو جزء من العالم يعلم به الذميم من الحميد. ثبت أنه أنشئ للحكمة.
وعلى ذلك تقدير كل عاقل على احتمال ما يضره، وينفعه، بحق الجزاء والمحنة. فثبت أن ذلك للمحنة، وأن المحنة ثم الهلاك بلا جزاء ولا نفع للممتحن عبث أيضا وسفه، فلزم به القول بالبعث وإثبات دارين مع ما كان لكل شاهد دليل غائب، يحمد عليه، أو يذم، وكذا فعل كل ذي عقل إنما هو لعاقبة يحمد عليه، أو [ يغفل عنه، فيلام ](١٠) عليه.
فعلى ذلك أمر تدبير هذه الدار من أخرى، فلا يجوز أن تخلّى الجملة من الدلالة، ولا يخلو كل جزء منها أو جملة الأفعال من(١١) العواقب. والواحد منها إذا خرج يصير عبثا وسفها، فثبت بالذي ذكرت القول بالتوحيد وبالدارين وبالرسالة ؛ إذ بها تعرف العواقب بما هي غائبة، وحقائق كل غائب تعرف بالإخبار عنها والدلالة عليها.
ثم لا دلالة على ماهية الجزاء ولا الشكر والعبادة، إنما الدلالة من حيث التدبير على العلم بها جملة لزوم القول بالرسل، ولا قوة إلا بالله.
ثم قوله تعالى :﴿في ستة أيام﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : خلق أصول الأشياء التي يكون غيرها بحق التّولد عن ذلك والانقلاب.
والثاني :(١٢) يحتمل أن يكون على خلق كلّية كل شيء مما عليه تركيب هذا العالم إلى أن يبدّل بعالم آخر، لا يبيد، ولا يفنى. فإن كان على الأول فهو ستة من السبعة التي عليها(١٣) مدار المدد والأزمنة ؛ إذ جعل ؛ جل ثناؤه، جميع ما ذكر من الخلائق تحت الأزمنة والأوقات، ويزول بزوال مدارها.
وكذلك عندنا كل الحوادث ؛ إذ(١٤) كل منها بدأ يصير ذلك وقت ابتدائه، وذلك ينقض على الباطنية قولهم :[ إنّ ](١٥) المبدع الأول لا يقع عن الزمان والمكان، وأنه لا يبيد، ولا يفنى. ولو كان كذلك لم يكن مبدعا، ولكان(١٦) قديما لا يقع عليه الإبداع، فلما وقعت ثبت له البدء، فيجب وصفه بالوقت من حيث الابتداء، وهو أيضا معلول(١٧) عنده، وعلّته فيه وهو الإبداع، مما لو زالت علّته لباد. وإذا ثبت أنه معلول ثبت أن علّته أوجبته، وأحدثته، بعد أن لم يكن، فوجب له وقت، به كان، أو كان فيه، والله أعلم.
ثم على هذا كان إنشاء من ذكر في الأيام الستة، ولم يذكر فيه ممتحنا، فيشبه أن يكون وقت كون الممتحنين اليوم(١٨) السابع، وبهم تم " ظهور الملك [ بقوله تعالى ](١٩) :﴿ثم استوى على العرش﴾ وهو الملك ؛ إذ(٢٠) لم يكن قبل ذلك من له التمييز.
ومعرفة الملك والسلطان وقدر العلم بالمحامد والمعالي وأضداد ذلك إنما يكون بأولئك الذين ركبت فيهم العقول، وأكرموا بالتمييز [ وبما جعل لهم جعل ](٢١)العالم، وهم المقصودون من الإنشاء. لذلك جعل كل من سواهم مسخرا لمنافعهم داخلة تحت أفهامهم مما تحتمل أكثر. ذلك تدبير ليعلم أنهم قصدوا لأنفسهم أو لمعرفة ما عليهم من شكر النعم والعبادة. فكان بهم تمام ظهور الملك وبلوغه النهاية، فأخبر بالاستواء ؛ إذ هو وصف العلو والرفعة ووصف التمام في الرتبة والقدر كقوله تعالى :﴿ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما﴾ [القصص: ١٤] وذلك في معنى الاستواء على العرش من حيث ظهور الملك وبيان الحجة والربوبية للمستدلين والمعتبرين.
وإن كان التأويل هو الثاني [ فإنه ](٢٢) يخرج على وجهين :
أحدهما :[ ما ](٢٣) قال بعض أهل التفسير : إن كل يوم من أيام الآخرة، وذلك ألف سنة، لم يبين لنا مقدار ذلك. فجائز أن يكون منتهى تدبير هذا العالم إلى ذلك ستة أيام : بمعنى سنة على القدر الذي قدره الله.
ثم يكون اليوم السابع هو يوم القيامة، لا يبيد(٢٤) أبدا، ولا ينقضي. فيه يتبدل(٢٥) العالم، ويقر كل ممتحن له بالملك والجلال، وإن كان كذلك في الأزل، ففي ذلك اتفاق القول من طريق الاختيار والعلم بذلك من كل جبار وغيره. وعلى نحوه(٢٦) ما قيل :﴿لمن الملك اليوم﴾ [غافر: ١٦] وقيل :/١٧٦-أ/ ﴿وبرزوا لله جميعا﴾ [إبراهيم: ٢١] وقيل :﴿والأمر يومئذ لله﴾ [الإنفطار: ١٩] ونحو ذلك على أن له الملك أبدا.
وكذلك لم يكن يخفى عليه شيء ؛ لكن ذلك مما يعلم كل أنه كذلك. فبذلك تم ظهور كل معنى من ذلك، وإن كانت حقيقته(٢٧) موجودة قبل ذلك. وعلى ذلك القول :﴿حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين﴾ [محمد: ٣١] ونحو ذلك أنه إذ ذلك يظهر لكل معلومه، فأضيف إليه بحرف الابتداء، وهو عن ذلك متعال. فعلى ذلك ما بينا، وبذلك ظهور تمام شرائط الملك والاعتراف من الكل بذلك، والله أعلم.
والثاني : أن تكون تلك الأيام الستة على ما في علم الله تعالى، تقديرها لا يعلم سواه إلا من طريق الجملة التي أدى ؛ وقد بين يوما ﴿كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ [المعارج: ٤] ويوما﴿عند ربك كألف سنة﴾ [الحج: ٤٧] حد، لا يعلم غيره.
ثم كان اليوم السابع :﴿يوم تبلى السرائر﴾ [الطارق: ٩] وتقع العقوبة، والمثوبة، وهو المقصود من خلق العالم الأول، فيكون ما ذكرت من إتمام الظهور، والله الموفق.
وعلى هذا لو قيل :﴿يحملون العرش﴾ [غافر: ٧] [ وقيل :](٢٨) ﴿ويحمل عرش ربك يومئذ ثمانية﴾ [الحاقة: ١٧] قيل : ليس أن المراد من العرش الأول.
وجائز أن يكون هذا هو السرير المعروف منشأ من النور ومما شاء ليكرم به أولياؤه يوم القيامة.
والأول هو الملك الذي ظهر تمامه وعلوه على ما بينا.
ثم لو كان العرش الذي قال عز وجل :﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] هو ما فهمه أهل التشبيه من مكان، لم يكن، لوجب(٢٩) أن يفهم من الاستواء عليه الاستقرار وأن يكون لله مكان يوصف بالكون فيه، وعليه، لأنه ليس من كون أحد في مكان، وإن جل قدره، وعظم خطره، رفعة ولا نباهة في ما يتعارف من أمر الملوك والأجلة، بل كل منسوب إلى مكان من جهة التمكين فيه، والقرار منسوب إلى استعانة وحاجة منه إليه جل عن ذلك.
وعلى أنه إما يكون مثله أو عظم منه ؛ [ فلو كان كذلك ](٣٠) لكان له عديلا بالعظمة أو دونه. ومن السخف الجلوس على مكان، لا يطمئن به، أو يقصر عنه ؛ إذ قد يجوز أن يزاد فيه، فيكون أعظم منه، جل الله عن هذا الوصف، وتعالى. بل كان، ولا مكان ؛ فهو على ما كان يتعالى عن الاستحالة والتغير ؛ إذ هو أثر الحدث وأمارة الكون بعد أن لم يكن، ولا قوة إلا بالله.
ثم الأصل أنه لو كان فهو بإضافة الله إلى العلو عليه تعظيم له. وعلى ذلك في كل[ ما ](٣١) يضاف إلى الله أو [ يضاف ](٣٢) الله إليه من جهة الخصوص، فهو على تعظيم ذل
١ من م، في الأصل: رجع..
٢ من م، في الأصل: يشكر..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: غيركم..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ من م، في الأصل: نا..
٧ في الأصل: متشبهة، في م، مشبه..
٨ من م، ساقطة من الأصل..
٩ في الأصل وم: إمهال..
١٠ في الأصل وم: يفعل عنه فيلزم..
١١ في الأصل وم: عن..
١٢ في الأصل وم: و..
١٣ في الأصل وم: عليهما..
١٤ في م: إذا..
١٥ ساقطة من الأصل وم..
١٦ في الأصل وم: ولكن كان..
١٧ من م، في الأصل: معلوم..
١٨ في الأصل وم: يوم..
١٩ ساقطة من الأصل وم..
٢٠ في الأصل وم: إذا..
٢١ في الأصل وم: ومما لهم يجعل..
٢٢ ساقطة من الأصل وم..
٢٣ ساقطة من الأصل وم..
٢٤ من م، في الأصل يبدأ..
٢٥ في الأصل وم: تبدل..
٢٦ في الأصل وم: نحو..
٢٧ من م، في الأصل: حقيقة..
٢٨ ساقطة من الأصل وم..
٢٩ في الأصل وم: ليجب..
٣٠ ساقطة من الأصل وم..
٣١ ساقطة من الأصل وم..
٣٢ ساقطة من الأصل وم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى