المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
هذا أمر بالدعاء وتعبد به، ثم قرر عز وجل بالأمر به صفات تحسن معه، وقوله :﴿تضرعاً﴾ معناه بخشوع واستكانة، والتضرع لفظة تقتضي الجهر لأن التضرع إنما يكون بإشارات جوارح وهيئات أعضاء تقترن بالطلب، ﴿وخفية﴾ يريد في النفس خاصة، وقد أثنى الله عز وجل على ذلك في قوله ﴿إذ نادى ربه نداء خفياً﴾ ونحو هذا قول النبي ﷺ :«خير الذكر الخفي »، والشريعة مقررة أن السر فيما لم يعترض من أعمال البر أعظم أجراً من الجهر، وتأول بعض العلماء «التضرع والخفية » في معنى السر جميعاً، فكأن التضرع فعل للقلب، ذكر هذا المعنى الحسن بن أبي الحسن، وقال : لقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض عمل يقدرون أن يكون سراً فيكون جهراً أبداً، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء فلا يسمع لهم صوت، وإن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية﴾ وذكر عبداً صالحاً رضي فعله فقال ﴿إذ نادى ربه نداء خفياً﴾ [مريم: ٣] وقال الزجاج ﴿ادعوا ربكم﴾ معناه اعبدوا ربكم ﴿تضرعاً وخفية﴾ أي باستكانة واعتقاد ذلك في القلوب، وقرأ جميع السبعة «وخُفية » بضم الخاء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر هنا وفي الأنعام و «خِفية » بكسرها وهما لغتان، وقد قيل إن «خِفية » بكسر الخاء بمعنى الخوف والرهبة، ويظهر ذلك من كلام أبي علي.
وقرأت فرقة «وخِيفة » من الخوف، أي ادعوه باستكانة وخوف ذكرها ابن سيده في المحكم ولم ينسبها، وقال أبو حاتم قرأها الأعمش فيما زعموا، وقوله :﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ يريد في الدعاء وإن كان اللفظ عاماً، فإلى هذا هي الإشارة، والاعتداء في الدعاء على وجوه، منها الجهر الكثير والصياح كما قال رسول الله ﷺ لقوم - وقد رعفوا أصواتهم بالتكبير - :«أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً » ومنها أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبي أو يدعو في محال ونحو هذا من التشطط، ومنها أن يدعو طالباً معصية وغير ذلك، وفي هذه الأسئلة كفاية، وقرأ ابن أبي عبلة «إن الله لا يحب المعتدين »، والمعتدي هو مجاوز الحد ومرتكب الحظر، وقد يتفاضل بحسب ما اعتدى فيه وروي عن النبي ﷺ أنه قال :«سيكون أقوام يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول : اللهم إني أسألك الجنة ما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى