الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ : حالان أي ادْعُوه ذوي خوف وطمع، أو خائفين طامعين، أو مفعولان من أجلهما أي : لأجل الخوف والطمع.
قوله :﴿قَرِيبٌ﴾ إنما لم يؤنِّثها وإن كانت خبراً عن مؤنث لوجوه منها : أنها في معنى الغفران فحُمِلت عليه، قاله النضر بن شميل واختاره أبو إسحاق. ومنها : أنها صفةٌ لموصوفٍ مذكر حذف وبقيت صفتُه، والتقدير : إن رحمة الله شيء قريب. ومنها : أنها في معنى العفو أو المطر أو الرحم. ومنها : أنها بمعنى النسب أي ذات قرب كحائض أي ذات حيض. ومنها : تشبيهُ فعيل بمعنى فاعل بفعيل بمعنى مفعول فيستوي فيه المذكر والمؤنث كجريح، كما حُمِل هذا عليه حيث قالوا : أسير وأُسَراء، وقبيل وقُبَلاء، حَمْلاً على رحيم ورُحَماء وعليم وعُلَماء وحكيم وحُكَماء. ومنها : أنه مصدرٌ جاء على فعيل كالنَّقِيق وهو صوت الضفدع والضَّغيب وهو صوت الأرنب، وإذا كان مصدراً/ لزم الإِفرادُ والتذكير. ومنها : أنها بمعنى مفعول أي مُقَرَّبة قاله الكرماني وليس بجيد ؛ لأن فعيلاً بمعنى مفعول لا ينقاس، وعلى تقدير اقتياسه فإنما يكون من الثلاثي المجرد لا من المزيد فيه، ومُقَرَّبة من المزيد فيه. ومنها : أنه من باب المؤنث المجازي فلذلك جاز التذكيرُ كطلع الشمس. قال بعضهم :" وهو غيرُ جيد لأن ذلك حيث كان الفعل متقدماً نحو : طلع الشمس، أما إذا تأخر وَجَبَ التأنيثُ إلا في ضرورة شعر كقوله :
. . . . . . . . . . . . . .ولا أرضَ أبقلَ إبقالها
قلت : وهذا يجيء على مذهب ابن كيسان فإنه لا يَقْصُر ذلك على ضرورة الشعر بل يُجيزه في السَّعة. وقال الفراء :" قريبة وبعيدة : إمَّا أن يُراد بها النسبُ وعدمُه فتؤنثها العرب ليس إلا، فيقولون : فلانةٌ قريبةٌ مني أي في النسب، وبعيدةٌ مني أي في النسب، أمَّا إذا أريد القربُ في المكان فإنه يجوز الوجهان ؛ لأن قريباً وبعيداً قائمٌ مقام المكان فتقول : فلانةٌ قريبةٌ وقريب، وبعيدة وبعيد. التقدير : هي في مكانٍ قريبٍ وبعيد. وأنشد :
عشيَّةَ لا عفراءُ منك قربيةٌفَتَدْنو ولا عفراءُ منك بعيدُ
فجمع بين اللغتين. إلا أنَّ الزجاج ردَّ على الفراء قوله وقال :" هذا خطأ لأنَّ سبيلَ المذكر والمؤنث أن يجريا على أَفْعالهما " قلت :" وقد كَثُر في شعر العرب مجيءُ هذه اللفظةِ مذكرةً وهي صفة لمؤنث قال امرؤ القيس :
له الويلُ إن أمسى ولا أمُّ سالمٍقريبٌ ولا البَسْباسَةُ ابنةُ يشكرا
وفي القرآن ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ [الأحزاب: ٦٣] وقال أبو عبيدة :" قريب في الآية ليس وصفاً لها، إنما هو ظرفٌ لها وموضع، فيجيء هكذا في المؤنث والاثنين والجميع، فإن أريد بها الصفةُ وَجَبَت المطابقةُ، ومثلُها لفظةُ " بعيد " أيضاً ". إلا أنَّ عليَّ بن سليمان الأخفش خطَّأه قال :" لأنه لو كانت ظرفاً لانتصَبَ كقولك :" إن زيداً قريباً منك ". وهذا ليس بخطأ لأنه يجوز أن يُتَّسعَ في الظرف فيعطى حكمَ الأسماء الصريحة فتقول : زيدٌ أمامُك وعمروٌ خلفُك برفع أمام وخلف، وقد نصَّ النحاة على أنَّ نحو " إن قريباً منك زيد " أن " قريباً " اسم إنَّ، و " زيدٌ " خبرها، وذلك على الاتِّساع. و " من المحسنين " متعلقٌ ب " قريب ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى