كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾؛ أي لاَ تُفْسِدُوا فيها بالشِّرْكِ والمعصيَةِ بعدَ إصلاحِ اللهِ إيَّاها ببعثِ الرُّسُلِ إليها، فأمَرُوا فيها بالحلالِ ونَهَوا عن الحرام، فَتَصْلُحُ الأرضُ بالطَّاعَةِ. وَقِيْلَ: معناهُ: لا تَعْصُوا في الأرضِ فيُمْسِكَ اللهُ المطرَ عنها، ويهلكَ الحرثَ بمعاصيكُم. وَقِيْلَ: معناهُ: لا تَجورُوا في الأرضِ فتخرِّبوها؛ لأنَّ الأرضَ قامت بالعدلِ، وقد أصلحَها اللهُ بالنِّعمةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾؛ أي وَاعْبُدُهُ خائفينَ من عذابهِ؛ طامعينَ في رحمتهِ وثوابه. وقال الربيعُ: ﴿خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي رَغَباً وَرَهَباً. وقال ابنُ جريج: (خَوْفُ الْعَدْلِ وَطَمَعُ الْفَضْلِ). وقال عطيَّةُ: (خَوْفاً مِنَ النِّيْرَانِ وَطَمَعاً فِي الْجِنَانِ). وقال ذُو النون المصريُّ: (خَوْفاً مِنَ الْفِرَاقِ وَطَمَعاً فِي التَّلاَقِ). قََوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ معناهُ: إنَّ إنْعَامَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ. ويقالُ: إنَّ الْمُحْسِنَ مَن أخلصَ حسناتِهِ من الإساءةِ. وإنَّما قال: ﴿قَرِيبٌ﴾ ولم يقل: قريبةٌ؛ لأنَّ الرحمةَ والعَفْوَ والغفرانَ في معنىً واحدٍ، وما لم يكن فيه تأنيثٌ حقيقيٌّ كنتَ بالخيار، إن شئتَ ذكَّرْتَهُ وإن شئتَ أنَّثْتَهُ. وقال ابنُ جبيرٍ: (الرَّحْمَةُ هُنَا الثَّوَابُ). وقال الأخفشُ: (هِيَ الْمَطَرُ). فيكون القريبُ نعتاً للمعنى دون اللفظِ كقوله:﴿ وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينُ فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ ﴾[النساء: ٨] ولم يقل: مِنْهَا؛ لأنهُ أرادَ بالقسمةِ الميراثَ والمالَ، وكذلك قَوْلُهُ تَعَالَى:﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ﴾[يوسف: ٧٦]، والصَّاعُ مُذكَّرٌ إلاَّ أنه أرادَ به السرقةَ والسِّقايةَ. وقال الكسائيُّ: (أرَادَ إنَّ إتْيَانَ رحْمَةِ اللهِ قَرِيْبٌ، كقولهِ:﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ﴾[الأحزاب: ٦٣]؛ أي لَعَلَّ إتْيَانَهَا قَرِيْبٌ).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى