زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرّيَاحَ﴾ قرأ أبو عمرو، ونافع، وابن عامر، وعاصم :﴿الرّيَاحِ﴾ على الجمع. وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي :" الرّيَحَ " على التوحيد. وقد يأتي لفظ التوحيد، ويراد به الكثرة، كقولهم : كثر الدرهم في أيدي الناس، ومثله :﴿إِنَّ الإنسَانَ لفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢].
قوله تعالى :﴿بشْراً﴾ قرأ أبو عمرو، وابن كثير، ونافع :" نَشْراً " بضم النون والشين ؛ أرادوا جمع نشور، وهي الريح الطيبة الهبوب، تهب من كل ناحية وجانب. قال أبو عبيدة : النُشُر : المتفرقة من كل جانب. قال أبو علي : يحتمل أن تكون النشور بمعنى المنشر، وبمعنى المنتشر، وبمعنى الناشر ؛ يقال : أنشر الله الريح، مثل أحياها، فنشرت، أي : حييت. والدليل على أن إنشار الربح إحياؤها قول الفقعسي :
وهبت له ريح الجنوب وأحييتله ريدة يحيي المياه نسيمها
ويدل على ذلك أن الريح قد وصفت بالموت.
قال الشاعر :
إني لأرجو أن تموت الريحفأقعد اليوم وأستريح
والريدة والريدانة : الريح. وقرأ ابن عامر، وعبد الوارث، والحسن البصري :" نَشْراً " بالنون مضمومة وسكون الشين، وهي في معنى " نَشْراً ". يقال : كُتُبْ وكُتْب، ورُسُل ورُسْل. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، والمفضل عن عاصم :" نَشْراً " بفتح النون وسكون الشين. قال الفراء : النشر : الريح الطيبة اللينة التي تنشئ السحاب. وقال ابن الأنباري : النشر : المنتشرة الواسعة الهبوب. وقال أبو علي : يحتمل النَّشر أن يكون خلاف الطي، كأنها كانت بانقطاعها كالمطوية. ويحتمل أن يكون معناها ما قاله أبو عبيدة في النشر : أنها المتفرقة في الوجوه ؛ ويحتمل أن يكون معناها : النشر الذي هو الحياة، كقول الشاعر :
يا عجبا للميت الناشر ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال : وهذا هو الوجه. وقرأ أبو رجاء العطاردي، وإبراهيم النخعي، ومسروق، ومورق العجلي :" نَشْراً " بفتح النون والشين. قال ابن القاسم : وفي النشر وجهان :
أحدهما : أن يكون جمعا للنشور، كما قالوا : عمود وعمد، وإهاب وأهب.
والثاني : أن يكون جمعا، واحده ناشر، يجري مجرى قوله : غائب وغيب، وحافد وحفد ؛ وكل القراء نون الكلمة. وكذلك اختلافهم في الْفُرْقَانَ :[ ٤٨ ] والنَّمْلِ :[ ٦٣ ]. هذه قراءات من قرأ بالنون. وقد قرأ آخرون بالباء ؛ فقرأ عاصم إلا المفضل :" بُشْرىً " بالباء المضمومة وسكون الشين مثل فعلى. قال ابن الأنباري : وهي جمع بشيرة، وهي التي تبشر بالمطر. والأصل ضم الشين، إلا أنهم استثقلوا الضمتين. وقرأ ابن خثيم، وابن جذلم مثله، إلا أنهما نونا الراء. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو عمران ؛ وابن أبي عبلة : بضم الباء والشين، وهذا على أنها جمع بشيرة. والرحمة ها هنا : المطر ؛ سماه رحمة لأنه كان بالرحمة. و﴿أَقَلَّتْ﴾ بمعنى : حملت. قال الزجاج : السحاب : جمع سحابة. قال ابن فارس : سمي السحاب لانسحابه في الهواء.
قوله تعالى :﴿ثِقَالاً﴾ أي : بالماء. وقوله تعالى :﴿سُقْنَاهُ﴾ رد الكناية إلى لفظ السحاب، ولفظه لفظ واحد. وفي قوله :﴿لبلد﴾ قولان :
أحدهما : إلى بلد. والثاني : لإحياء بلد. والميت : الذي لا ينبت فيه، فهو محتاج إلى المطر. وفي قوله :﴿فَأَنزَلْنَا بِهِ﴾ ثلاثة أقوال :
أحدها : أن الكناية ترجع إلى السحاب. والثاني : إلى المطر، ذكرهما الزجاج. والثالث : إلى البلد، ذكره ابن الأنباري. فأما هاء ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ فتحتمل الأقوال الثلاثة.
قوله تعالى :﴿كَذلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى﴾ أي : كما أحيينا هذا البلد. وقال مجاهد : نحيي الموتى بالمطر كما أحيينا البلد الميت به. قال ابن عباس : يرسل الله تعالى بين النفختين مطرا كمني الرجال، فينبت الناس به في قبورهم كما نبتوا في بطون أمهاتهم.
قوله تعالى :﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ قال الزجاج : لعل : ترج. وإنما خوطب العباد على ما يرجوه بعضهم من بعض ؛ والمعنى : لعلكم بما بيناه لكم تستدلون على توحيد الله، وأنه يبعث الموتى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى