اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتابفصل في تفسير هذه الآية
قال القَاضِي(١) : تفسير هذه الآية على قولنا ظاهر ؛ لأنَّ بعد كفرهم وتكذيبهم
حدثت هذه الإرادة، واعلمْ أنَّ هذا بَاطِلٌ ؛ لأنَّ في الآية وجوهاً من التَّأويل(٢).
أحدها : أنَّهُ تعالى أخبر في ذلك الوقت بنزول العذابِ عليهم، فلمَّا حدث الإعلام في ذلك الوقت، لا جرم قال هُودٌ في ذلك الوقت :﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ﴾.
وثانيها : أنَّهُ جعل المُتَوقَّع الذي لا بُدَّ من نزوله بمنزلة الواقع، كقوله :﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: ١].
وثالثها : أن يحمل قوله :" وقع " على معنى وجد وجعل، والمعنى : إرادة إيقاع العذاب عليكم حصلت من الأزل.
قوله :" مِن رَّبِّكُمْ " إمَّا متعلق ب " وقع " و " من " للابتداء مجازاً، وإمَّا أن يتعلق بمحذوف لأنَّهَا حال، إذْ كانت في الأصل صفة ل " رجس ".
والرِّجْس : العذاب والسين مبدلة من الزاي.
وقال ابن الخطيب : لا يمكن أن يكون المراد لأنَّ المُرادَ من الغضب العذابُ، فلو حملنا الرِّجْسَ عليه لَزِمَ التَّكْرِيرُ، وأيضاً الرجس ضد التطهير قال تعالى :﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٣] والمرادُ التَّظْهِيرُ عن العقائد الباطلةِ.
وإذا ثبت هذا فالمراد بالرجس أنَّهُ تعالى خصّهم بالعقائِدِ المذمُومَةِ، فيكون المعنى أنَّهُ تعالى زادهم كُفْراً ثم خصَّهم بمزيدِ الغضبِ.
قوله :" أتُجَادِلُونَنِي " استفهام على سبيل الإنْكَارِ في أسماء الأصنام وذلك أنهم كانوا يسمون الأصْنَامَ بالآلهة، مع أن معنى الإلهية فيها معدومٌ، سموا واحداً منها بالعُزَّي مشتقاً من العزِّ، والله - تعالى - ما أعطاه عِزّاً أصلاً، وسمُّوا آخر منها باللاَّتِ، وليس له من الإلهية شيء.
قوله :" سَمَّيْتُمُوهَا " صفة ل " أسْمَاء "، وكذلك الجملة من قوله :﴿مَّا نَزَّلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ يُدلُّ على خلوِّ مذاهبهم عن الحُجَّةِ.
و " مِنْ سُلْطَانِ " مفعول " نزَّلَ "، و " مِنْ " مزيدةٌ، ثمَّ إنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ذكر لهم وعيداً مجرَّداً فقال : فانتظروا ما يحصل لكم من عبادة الأصْنَامِ إنِّي معكم من المنتظرين.
فقوله :" مِنَ المُنْتَظِريْنَ " خبر " إني "، و " مَعَكُمْ " فيه ما تقدَّم في قوله :﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾، ويجوزُ - وهو ضعيف - أن يكون " مَعَكُمْ " هو الخبر و " مِنَ المُنْتَظِرِينَ " حال، والتقديرُ : إني مصاحبكم حال كوني من المنتظرين النّصر والفرج من الله، وليس بذلك ؛ لأنَّ المقصُودَ بالكلامِ هو الانتظار، لمقابلة قوله :" فانْتَظِرُوا " فلا يُجعل فضلة.
١ ينظر: تفسير الرازي ١٤/١٢٩..
٢ ينظر المصدر السابق ١٤/١٢٩-١٣٠..
٢ ينظر المصدر السابق ١٤/١٢٩-١٣٠..