جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : قال هود لقومه : قد حلّ بكم عذاب وغضب من الله. وكان أبو عمرو بن العلاء فيما ذُكر لنا عنه، يزعم أن الرجز والرجس بمعنى واحد، وأنها مقلوبة، قُلبت السين زايا، كما قلبت شئز وهي من شئس بسين، وكما قالوا قربوس وقربوز، وكما قال الراجز :
| ألا لَحَى اللّهُ بَنِي السّعْلاتِ | عَمْرِو بْنِ يَرْبُوعٍ لِئامِ النّاتِ |
يريد الناس. وأكياس فقُلبت السين تاء، كما قال رؤبة :
| كَمْ قَدْ رأيْنا مِنْ عَدِيدِ مُبْزِي | حتى وَقَمْنا كَيْدَهُ بالرّجْزِ |
حدثني بذلك المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثنا معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ رِجْسٌ يقول : سخط.
وأما قوله : أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمّيْتمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ فإنه يقول : أتخاصمونني في أسماء سميتموها أصناما لا تضرّ ولا تنفع أنتم وآباؤكم ما نَزّلَ اللّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ يقول : ما جعل الله لكم في عبادتكم إياها من حجة تحتجون بها ولا معذرة تعتذرون بها. لأن العبادة إنما هي لمن ضرّ ونفع وأثاب على الطاعة وعاقب على المعصية ورزق ومنع، فأما الجماد من الحجارة والحديد والنحاس فإنه لا نفع فيه ولا ضرّ، إلاّ أن تتخذ منه آلة، ولا حجة لعابد عبده من دون الله في عبادته إياه لأن الله يأذن بذلك، فيعذر من عبده بأنه يعبده اتباعا منه أمر الله في عبادته إياه، ولا هو إذ كان الله لم يأذن في عبادته مما يرجى نفعه أو يخاف ضرّه في عاجل أو آجل، فيعبد رجاء نفعه أو دفع ضرّه. فانْتَظِرُوا إنّي مَعَكُمْ مِنَ المُنْتَظِرينَ يقول : فانتظروا حكم الله فينا وفيكم، إني معكم من المنتظرين حكمه وفصل قضائه فينا وفيكم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال هود لقومه: قد حَلَّ بكم عذَابٌ وغضبٌ من الله.
* * *
وكان أبو عمرو بن العلاء = فيما ذكر لنا عنه = يزعم أن"الرجز" و"الرجس" بمعنى واحد، وأنها مقلوبة، قلبت السين زايًا، كما قلبت"ستّ" وهي من"سداس" بسين، (٢) وكما قالوا"قَرَبُوس" و"قَرَبُوت" (٣) وكما قال الراجز: (٤)
(٢) في المطبوعة: "كما قلبت: شئز، وهي من: شئس"، لم يحسن قراءة المخطوطة، والصواب ما أثبت، يدل عليه شاهد الرجز الذي بعده.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "وقربوز" بالزاي (وهي في المخطوطة غير منقوطة)، والصواب المحكي عنه بالتاء. و"القربوس" حنو السرج" وهو بقاف وراء مفتوحتان، بعدهما باء مضمومة.
(٤) هو علباء بن أرقم اليشكري.
| أَلا لَحَى اللهُ بَنِي السِّعْلاتِ | عَمْرَو بْنَ يَرْبُوعٍ لِئَامَ النَّاتِ |
يريد" الناس"، و"أكياس"، فقلبت السين تاء، كما قال رؤبة:
| كَمْ قَدْ رَأَيْنَا مِنْ عَدِيدٍ مُبْزِي | حَتَّى وَقَمْنَا كَيْدَهُ بالرِّجْزِ (٢) |
١٤٨٠٨-حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية، عن علي بن أبى طلحة، عن ابن عباس، قوله: (قد وقع عليكم من ربكم رجس) يقول: سَخَط.
| أَلا لِلهِ ضَيْفُكِ، يَا أُمَامَا | ................... |
| ١٤٦. رَأَى بَرْقًا فَأَوْضَعَ فَوْقَ بَكْرٍ | فَلا، بِكِ، ما أسَالَ وما أَغَامَا. |
(٢) ديوانه: ٦٤، هكذا جاء البيت الأول في المخطوطة والمطبوعة. وهو لا يكاد يصح، ورواية الديوان. مَا رَامَنَا من ذي عَدِيدٍ مَبْزى
يقال: "أبزي فلان بفلان"، إذا غلبه وقهاه. و"وقم عدوه"، أذله وقهره.
(٣) في المطبوعة: "الرجز" مكان"الرجس"، وبين أن الصواب ما أثبت.
= وانظر تفسير"الرجس" فيما سلف ١٠: ٥٦٥/ ١٢: ١١١، ١١٢، ١٩٤.