التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وإزاء هذا التحدى السافر من قوم هود له ولدعوته ولوعيد الله لهم، ما كان من هود - عليه السلام - إلا أن جابههم بالرد الحاسم الذي تتجلى فيه الشجاعة التامة، والثقة الكاملة بأن الله سينصره عليهم وينتقم له منهم.
﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ أى : قال هود لقومه بعد أن لجوا في طغيانهم : قد حق ووجب عليكم من قبل ربكم عذاب وسخط بسبب إصراركم على الكفر والعناد.
والرجس والرجز بمعنى، وأصل معناه الاضطراب يقال : رجست السماء أى : رعدت رعداً شديداً، وهم في مرجوسة من أمرهم أى : في اختلاط والتباس. ثم شاع في العذاب لاضطراب من حل به.
وعبر عن العذاب المتوقع وقوعه بأنه ﴿قَدْ وَقَعَ﴾ مبالغة في تحقيق الوقوع، وأنه أمر لا مفر لهم منه.
وعطف الغضب على الرجس، للإشارة إلى ما سينزل بهم من عذاب هو انتقام لا يمكن دفعه، لأنه صادر من الله الذي غضب عليهم بسبب كفرهم، وبعد أن أنذرهم هددهم بوقوع العذاب عليهم، ووبخهم على مجادلتهم إياه بدون علم فقال :﴿أتجادلونني في أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَآبَآؤكُمُ﴾ أى : أتجادلونى وتخاصمونى في شأن أشياء ما هى إلا أسماء ليس تحتها مسميات، لأنكم تسمونها آلهة مع أن معنى الإلهية فيها معدوم ومحال وجوده إذ المستحق للعبادة إنما هو الله الذي خلق كل شىء، أما هذه الأصنام التي زعمتم أنها آلهة فهى لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا.
فأنت ترى أن هوداً - عليه السلام - قد حول آلهتهم إلى مجرد أسماء لا تبلغ أن تكون شيئاً وراء الاسم الذي يطلق عليها، وهذا أعمق في الإنكار عليهم، والاستهزاء بعقولهم.
وقوله :﴿مَّا نَزَّلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ أى : ما أنزل الله بها من حجة أو دليل يؤيد زعمكم في ألوهيتها أو في كونها شفعاء لكم عند الله، وإنما هى أصنام باطلة قلدتم آباءكم في عبادتها بدون علم أو تفكير.
ثم هدد بالعاقبة المقررة المحتومة فقال :﴿فانتظروا إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين﴾ أى : فانتظروا نزول العذاب الذي استعجلتموه وطلبتموه حين قلتم ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ﴾ فإنى معكم من المنتظرين لما سيحل بكم بسبب شرككم وتكذيبكم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى