الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
والرَّجْفَةُ : الزلزلةُ الشديدة يقال : رَجَفَتِ الأرضُ تَرْجُف رَجْفاً ورَجِيْفاً ورجَفاناً. وقيل : الرَّجْفَةُ : الطامَّةُ التي يتزعزعُ لها الإِنسانُ ويضطرب، ومنه قيل للبحر : رَجَّاف لاضطرابه. وقيل : أصلُه مِنْ رجَفَ به البعيرُ إذا حرَّكه في سَيْره، قال ابن أبي ربيعة :
ولَمَّا رَأَيْتُ الحجَّ قد حان وقتُهوظَلَّتْ جِمال القومِ بالحيِّ تَرْجُفُ
والإِرجاف : إيقاعُ الرَّجْفَةِ، وجمعُه الأراجيف ومنه " الأراجيف ملاقيحُ الفِتَنِ ". وقوله :﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٤] كقوله :﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] ومنه :
تُحْيي العظام َالراجفاتِ من البِلىوليس لداءِ الرُّكبتين طبيبُ
والجُثُوم : اللُّصوقُ بالأرض مِنْ جُثُوم الطائر والأرنب، فإنه يَلْصِقُ بطنَه/ بالأرض، ومنه رجلٌ جُثَمَة وجَثَّامة، كناية عن النؤوم الكَسْلان، وجُثْمان الإِنسان شخصُه قاعداً. وقال أبو عبيد :" الجُثُوم للناس والطيرِ كالبُروك للإِبل. وأنشد لجرير :
عَرَفْتُ المُنْتَأَى وعَرَفْتُ منهامَطايا القِدْر كالحِدَأ الجُثُومِ
قال الكرماني :" حيث ذُكِرت الرَّجْفةُ وُحِّدت الدار، وحيث ذُكرت الصيحةُ جُمِعَتْ، لأنَّ الصيحةَ كانت من السماء فبلوغُها أكبرُ وأبلغُ من الزلزلة، فَذَكَرَ كلَّ واحدٍ بالأليق به. وقيل في دارهم : أي بلدهم. وقيل : المرادُ بها الجنسُ. والفاء في " فَأَخَذَتْهم " للتعقيب. ويمكن أن تكونَ عاطفةً على الجملة من قوله " فَأْتِنا " وذلك على تقديرِ قربِ زمان الهلاك من زمان طلب الإِتيان. ويجوز أن يُقَدَّر ما يَصِحُّ العطفُ عليه بالفاء، والتقدير : فوعدهم العذابَ بعد ثلاث فانقضت فأَخَذَتْهم.
ولا يُلتفت إلى ما ذكره بعضُ الملاحدةِ في قوله ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وفي موضعٍ آخرَ :﴿الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]، وفي موضع آخر ﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾
[الحاقة: ٥] واعتقد ما لا يجوز، إذ لا منافاةَ بين ذلك، فإن الرَّجْفَةَ مترتبةٌ على الصيحة، لأنه لمَّا صِيح بهم رَجَفَتْ قلوبُهم فماتوا، فجاز أن يُسْنَدَ الإِهلاكُ إلى كلٍ منهما. وأمَّا " بالطاغية " فالباء للسببية. والطاغية : الطُّغيان مصدر كالعاقبة، ويقال للمَلِكِ الجبار طاغية، فمعنى " أُهْلِكوا بالطاغية " أي بطغيانهم كقوله :﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ [الشمس: ١١] أي : بسبب طُغْيانهم.
وقوله " فأصبحوا " يجوز أن تكونَ الناقصةَ، فجاثمين خبرُها، و ﴿في ديارهم﴾ متعلِّقٌ به، ولا يجوزُ أن يكونَ الجارُّ خبراً و " جاثمين " حال لعدمِ الفائدة بقولك " فأصبحوا في دارهم " وإن جاز الوجهان في قولك :" أصبح زيد في الدار جالساً "، ويجوز أن تكونَ التامَّةَ أي : دخلوا في الصباح، و " جاثمين " حال، والأولُ أظهرُ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى