تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
يقول [ تبارك و ](١) تعالى :﴿وَالْوَزْن﴾ أي : للأعمال(٢) يوم القيامة ﴿الْحَق﴾ أي : لا يظلم تعالى أحدا، كما قال تعالى :﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقال تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] وقال تعالى :﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١] وقال تعالى :﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١ - ١٠٣].
والذي يوضع في الميزان يوم القيامة(٣) قيل : الأعمال وإن كانت أعراضًا، إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما.
قال البغوي : يروى هذا عن ابن عباس(٤) كما جاء في الصحيح من أن " البقرة " و " آل عمران " يأتيان(٥) يوم القيامة كأنهما غمامتان - أو : غيَايَتان - أو فِرْقَان من طير صَوَافّ. من ذلك في الصحيح قصة القرآن وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللَّون، فيقول : من أنت ؟ فيقول : أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك(٦) وفي حديث البراء، في قصة سؤال القبر :" فيأتي المؤمن شابٌّ حسن اللون طيّب الريح، فيقول : من أنت ؟ فيقول : أنا عملك الصالح " (٧) وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق.
وقيل : يوزن كتاب الأعمال، كما جاء في حديث البطاقة، في الرجل الذي يؤتى به ويوضع له في كِفَّة تسعة وتسعون سجلا كل سِجِلّ مَدّ البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها :" لا إله إلا الله " فيقول : يا رب، وما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقول الله تعالى : إنك لا تُظلَم. فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان. قال رسول الله ﷺ :" فَطاشَت السجلات، وثَقُلَتِ البطاقة ".
رواه الترمذي بنحو من هذا(٨) وصححه.
وقيل : يوزن صاحب العمل، كما في الحديث :" يُؤتَى يوم القيامة بالرجل السَّمِين، فلا يَزِن عند الله جَنَاح بَعُوضَة " (٩) ثم قرأ :﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥].
وفي مناقب عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى عليه وسلم قال :" أتعجبون من دِقَّة ساقَيْهِ، فوالذي(١٠) نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أُحُدٍ " (١١)
وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا، فتارة(١٢) توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها، والله أعلم.
فصل :
والذي يوضع في الميزان يوم القيامة(٣) قيل : الأعمال وإن كانت أعراضًا، إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما.
قال البغوي : يروى هذا عن ابن عباس(٤) كما جاء في الصحيح من أن " البقرة " و " آل عمران " يأتيان(٥) يوم القيامة كأنهما غمامتان - أو : غيَايَتان - أو فِرْقَان من طير صَوَافّ. من ذلك في الصحيح قصة القرآن وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللَّون، فيقول : من أنت ؟ فيقول : أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك(٦) وفي حديث البراء، في قصة سؤال القبر :" فيأتي المؤمن شابٌّ حسن اللون طيّب الريح، فيقول : من أنت ؟ فيقول : أنا عملك الصالح " (٧) وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق.
وقيل : يوزن كتاب الأعمال، كما جاء في حديث البطاقة، في الرجل الذي يؤتى به ويوضع له في كِفَّة تسعة وتسعون سجلا كل سِجِلّ مَدّ البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها :" لا إله إلا الله " فيقول : يا رب، وما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقول الله تعالى : إنك لا تُظلَم. فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان. قال رسول الله ﷺ :" فَطاشَت السجلات، وثَقُلَتِ البطاقة ".
رواه الترمذي بنحو من هذا(٨) وصححه.
وقيل : يوزن صاحب العمل، كما في الحديث :" يُؤتَى يوم القيامة بالرجل السَّمِين، فلا يَزِن عند الله جَنَاح بَعُوضَة " (٩) ثم قرأ :﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥].
وفي مناقب عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى عليه وسلم قال :" أتعجبون من دِقَّة ساقَيْهِ، فوالذي(١٠) نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أُحُدٍ " (١١)
وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا، فتارة(١٢) توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها، والله أعلم.
١ زيادة من أ..
٢ في ك: "الأعمال"..
٣ في ك: "يوم القيامة في الميزان"..
٤ معالم التنزيل للبغوي (٣/٢١٥)..
٥ في أ: "تأتيان".
.
٦ ورواه أحمد في مسنده (٥/٣٤٨) وابن ماجه في السنن برقم (٣٧٨١) من طريق بشير بن المهاجر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة بن الحصيب، رضي الله عنه، مرفوعا.
٧ رواه أحمد في مسنده (٥/٢٨٧)..
٨ سنن الترمذي برقم (٢٦٣٩) ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٦٣٩) والحاكم في المستدرك (١/٥٢٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرطهما ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي،.
٩ رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٧٢٩) بنحوه من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه..
١٠ في د، م: "والذي"..
١١ رواه أحمد في مسنده (١/٤٢٠)..
١٢ في ك: "وتارة"..
٢ في ك: "الأعمال"..
٣ في ك: "يوم القيامة في الميزان"..
٤ معالم التنزيل للبغوي (٣/٢١٥)..
٥ في أ: "تأتيان".
.
٦ ورواه أحمد في مسنده (٥/٣٤٨) وابن ماجه في السنن برقم (٣٧٨١) من طريق بشير بن المهاجر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة بن الحصيب، رضي الله عنه، مرفوعا.
٧ رواه أحمد في مسنده (٥/٢٨٧)..
٨ سنن الترمذي برقم (٢٦٣٩) ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٦٣٩) والحاكم في المستدرك (١/٥٢٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرطهما ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي،.
٩ رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٧٢٩) بنحوه من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه..
١٠ في د، م: "والذي"..
١١ رواه أحمد في مسنده (١/٤٢٠)..
١٢ في ك: "وتارة"..