الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ : استثناء من أهله المُنْجَيْن. وقوله :﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ جوابُ سؤالٍ مقدر. وهذا كما تقدم في البقرة وفي أول هذه السورة في قصة إبليس.
والغابر : المُقيم. هذا هو مشهورُ اللغة، وأنشدوا قول أبي ذؤيب الهذلي :
فَغَبَرْتُ بعدهمُ بعيشٍ ناصِبٍوإخالُ أني لاحقٌ مُسْتَتْبَعُ
ومنه غُبَّرُ اللبن لبقيَّته في الضَّرْع، وغُبَّرُ الحَيْض أيضاً، قال أبو كبير الهذلي، ويُروى لتأبَّط شراً :
ومُبَرَّأً من كل غُبَّرِ حَيْضَةٍوفَسادِ مُرْضِعَةً وداءٍ مُعْضِلِ
ومعنى " من الغابرين " في الآية أي : مِن المقيمين في الهلاك. وقال بعضهم :" غَبَر بمعنى مَضَى وذهب " ومعنى الآية يساعده، وأنشد للأعشى :
عَضَّ بما أَبْقى المَواسِيْ لهمِنْ أُمِّه في الزمن الغابر
أي : الزمن الماضي. وقال بعضهم : غَبَر أي غاب، ومنه قولهم :" غبر عنا زماناً " وقال أبو عبيدة :" غَبَرَ : عُمِّر دهراً طويلاً حتى هَرِم، ويدل له :﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٥]. والحاصلُ أن الغُبور مشتركٌ كعسعس أو حقيقةٌ ومجازٌ وهو المرجح. والغبار : لما يَبْقى من التراب المُثار. ومنه ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] تخييلاً لتغيرها واسودادها. والغَبْراء الأرض. قال طرفة :
رأيتُ بني غَبْراءَ لا يُنْكِروننيولا أهلَ هذاكَ الطرافِ المُمَدَّدِ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى