البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
يقول الحق جلّ جلاله :﴿والعَصْرِ﴾، أقسم تعالى بصلاة العصر لفضلها الباهر، إذ قيل : هِي الصلاة الوسطى، أو : بالعشيِّ الذي هو ما بين الزوال والغروب، كما أقسم بالضُحى، أو بعصر النبوة، لظهور فضله على سائر الأعصار، أو بالدهر مطلقاً ؛ لانطوائه على تعاجيب الأمور النافعة والضارة، وجوابه :﴿إِنَّ الإِنسانَ لفي خُسْرٍ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة :﴿والعصر﴾ أي : عصر الذاكرين، ﴿إنَّ الإنسان لفي خُسر﴾ حيث احتجب عن ربه بنفسه وبرؤيته وجوده، ﴿إلاّ الذين آمنوا﴾ إيمان الخصوص، ﴿وعملوا﴾ عمل الخصوص، وهو خرق العوائد واكتساب الفوائد، حتى وصلوا إلى كشف الحجاب، فلم يروا مع الله غيره، غابوا عن أنفسهم، وعن وجودهم ووجود غيرهم، في شهود محبوبهم، فلمّا تكملوا اشتغلوا بتكميل غيرهم، كما قال تعالى :﴿وتواصَوْا بالحق﴾ أي : بفعل الحق، وهو ما يثقل على النفس، حتى لا يثقل عليها شيء، أو بالإقبال على الحق، وتواصَوْا على مشاق السير، ثم على عكوف الهم في حضرة الحق. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلّم.