جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿الَمَ﴾
قال أبو جعفر : اختلفت تراجمة القرآن في تأويل قول الله تعالى ذكره :( الم ) فقال بعضهم : هو اسم من أسماء القران. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : الم قال : اسم من أسماء القران.
حدثني المثنى بن إبراهيم الأملي، قال : حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود، قال : حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال : الم اسم من أسماء القران.
حدثنا القاسم بن الحسن، قال : حدثنا الحسين بن داود، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج قال : الم اسم من أسماء القران.
وقال بعضهم : هو فواتح يفتح الله بها القرآن. ذكر من قال ذلك :
حدثني هارون بن إدريس الأصم الكوفي، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال : الم فواتح يفتح الله بها القران.
حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سفيان، عن مجاهد، قال : الم فواتح.
حدثني المثنى بن إبراهيم، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن يحيى بن ادم، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال : الم وحم والمص وص فواتح افتتح الله بها.
حدثنا القاسم بن الحسن، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثل حديث هارون بن إدريس.
وقال بعضهم : هو اسم للسورة. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أنبأنا عبد الله بن وهب، قال : سألت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن قول الله : الم ذلك الكتابُ والم تَنْزِيلُ والمر تِلْك فقال : قال أبي : إنما هي أسماء السور.
وقال بعضهم : هو اسم الله الأعظم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال : حدثنا شعبة، قال : سألت السديّ عن ( حم ) و( طسم ) و( الم ) فقال : قال ابن عباس : هو اسم الله الأعظم.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثني أبو النعمان، قال : حدثنا شعبة عن إسماعيل السدي، عن مرة الهمداني، قال : قال عبد الله فذكر نحوه.
حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل، عن الشعبي قال : فواتح السور من أسماء الله.
وقال بعضهم : هو قَسَمٌ أقسم الله به وهي من أسمائه. ذكر من قال ذلك :
حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال : هو قَسَم أقسم الله به وهو من أسماء الله.
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قال : حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة قال : الم قسم.
وقال بعضهم : هو حروف مقطعة من أسماء وأفعال، كل حرف من ذلك لمعنى غير معنى الحرف الآخر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، وحدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا ابن أبي شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس : الم فقال : أنا الله أعلم.
وحدثت عن أبي عبيد قال : حدثنا أبو اليقظان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد ابن جبير، قال قوله : الم قال : أنا الله أعلم.
حدثني موسى بن هارون الهمداني، قال : حدثنا عمرو بن حماد القناد، قال : حدثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ :( الم ) قال : أما : الم فهو حرف اشتق من حروف هجاء أسماء الله جل ثناؤه.
حدثنا محمد بن معمر، قال : حدثنا عباس بن زياد الباهلي، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله :( الم ) و( حم ) و( ن ) قال : اسم مقطع.
وقال بعضهم : هي حروف هجاء موضوع. ذكر من قال ذلك :
حدثت عن منصور بن أبي نويرة، قال : حدثنا أبو سعيد المؤدب، عن خصيف، عن مجاهد، قال : فواتح السور كلها ( ق ) و( ص ) و( حم ) و( طسم ) و( الر ) وغير ذلك هجاء موضوع.
وقال بعضهم : هي حروف يشتمل كل حرف منها على معان شتى مختلفة. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى بن إبراهيم الطبري، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي قال : حدثني أبي، عن الربيع بن أنس في قول الله تعالى ذكره :( الم ) قال : هذه الأحرف من التسعة والعشرين حرفا، دارت فيها الألسن كلها، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو مدة قوم وآجالهم. وقال عيسى ابن مريم :«وعجيب ينطقون في أسمائه، ويعيشون في رزقه، فكيف يكفرون » ؟ قال : الألف : مفتاح اسمه «الله »، واللام : مفتاح اسمه «لطيف »، والميم : مفتاح اسمه «مجيد » والألف : آلاء الله، واللام : لطفه، والميم : مجده الألف : سنة، واللام ثلاثون سنة، والميم : أربعون سنة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام عن أبي جعفر، عن الربيع بنحوه.
وقال بعضهم : هي حروف من حساب الجمل، كرهنا ذكر الذي حكي ذلك عنه، إذ كان الذي رواه ممن لا يُعتمد على روايته ونقله، وقد مضت الرواية بنظير ذلك من القول عن الربيع بن أنس.
وقال بعضهم : لكل كتاب سرّ، وسرّ القرآن فواتحه.
وأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في معنى ذلك، فقال بعضهم : هي حروف من حروف المعجم استُغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا، كما استغنَى المخبرُ عمن أخبر عنه أنه في حروف المعجم الثمانية والعشرين بذكر «أ ب ت ث » عن ذكر بواقي حروفها التي هي تتمة الثمانية والعشرين، قال : ولذلك رفع ذلك الكتابُ لأن معنى الكلام : الألف واللام والميم من الحروف المقطعة ذلك الكتاب الذي أنزلته إليه مجموعا لا ريب فيه. . . .
فإن قال قائل : فإن «أ ب ت ث » قد صارت كالاسم في حروف الهجاء كما صارت الحمد اسما لفاتحة الكتاب قيل له : لما كان جائزا أن يقول القائل : ابني في «ط ظ »، وكان معلوما بقيله ذلك لو قاله إنه يريد الخبر عن ابنه أنه في الحروف المقطعة، علم بذلك أن «أ ب ت ث » ليس لها باسم، وإن كان ذلك آثَرَ في الذكر من سائرها. قال : وإنما خولف بين ذكر حروف المعجم في فواتح السور، فذكرت في أوائلها مختلفة، وذِكْرُها إذا ذُكرت بأوائلها التي هي «أ ب ت ث » مؤتلفة ليفصل بين الخبر عنها، إذا أريد بذكر ما ذكر منها مختلفا الدلالة على الكلام المتصل، وإذا أريد بذكر ما ذكر منها مؤتلفا الدلالة على الحروف المقطعة بأعيانها. واستشهدوا لإجازة قول القائل : ابني في «ط ظ »، وما أشبه ذلك من الخبر عنه أنه في حروف المعجم، وأن ذلك من قيله في البيان يقوم مقام قوله :«ابني في أ ب ت ث » برجز بعض الرجاز من بني أسد :
لَمّا رأيْتُ أمْرَها في حُطّيوفَنَكَتْ في كَذِبٍ ولَطّ
أخَذْتُ منْها بِقُرُونٍ شُمْطِفَلَمْ يَزَلْ ضَرْبي بها ومَعْطِي
*** حتى عَلا الرأسَ دَمٌ يُغَطّي***
فزعم أنه أراد بذلك الخبر عن المرأة أنها في «أبي جاد »، فأقام قوله :«لما رأيت أمرها في حُطي » مقام خبره عنها أنها في «أبي جاد »، إذ كان ذاك من قوله يدل سامعه على ما يدله عليه قوله : لما رأيت أمرها في أبي جاد.
وقال آخرون : بل ابتدئت بذلك أوائل السور ليفتح لاستماعه أسماع المشركين، إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن، حتى إذا استمعوا له تُلي عليهم المؤلف منه.
وقال بعضهم : الحروف التي هي فواتح السور حروف يستفتح الله بها كلامه.
فإن قيل : هل يكون من القرآن ما ليس له معنى ؟ فإن معنى هذا أنه افتتح بها ليعلم أن السورة التي قبلها قد انقضت، وأنه قد أخذ في أخرى، فجعل هذا علامة انقطاع ما بينهما، وذلك في كلام العرب ينشد الرجل منهم الشعر فيقول :
بل. . . . وَبَلْدَةٍ ما الإنْسُ مِنْ أهالها
ويقول : لا بل. . .
ما هاجَ أحْزَانا وشَجَوْا قَدْ شَجا
و«بل » ليست من البيت ولا تعدّ في وزنه، ولكن يقطع بها كلاما ويستأنف الاَخر.
قال أبو جعفر : ولكل قول من الأقوال التي قالها الذين وصفنا قولهم في ذلك وجه معروف. فأما الذين قالوا :( الم ) اسم من أسماء القرآن، فلقولهم ذلك وجهان : أحدهما أن يكونوا أرادوا أن :( الم ) اسم للقرآن كما الفرقان اسم له. وإذا كان معنى قائل ذلك كذلك، كان تأويل قوله :( الم ) : ذلكَ الكِتابُ على معنى القسم كأنه قال : والقرآن هذا الكتاب لا ريب فيه. والآخر منهما أن يكونوا أرادوا أنه اسم من أسماء السورة التي تعرف به كما تعرف سائر الأشياء بأسمائها التي هي لها أمارات تعرف بها، فيفهم السامع من القائل يقول : قرأت اليوم ( المص ) و( ن ) أي السورة التي قرأها من سور القرآن، كما يفهم عنه إذا قال : لقيت اليوم عمرا وزيدا، وهما بزيد وعمر وعارفان مَنِ الذي لقي من الناس. وإن أشكل معنى ذلك على امرئ فقال : وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك ونظائر الم المر في القرآن جماعة من السور ؟ وإنما تكون الأسماء أماراتٍ، إذا كانت مميزة بين الأشخاص، فأما إذا كانت غير مميزة فليست أمارات. قيل : إن الأسماء وإن كانت قد صارت لاشتراك كثير من الناس في الواحد منها غير مميزة إلا بمعان أخر معها من ضم نسبة المسمى بها إليها أو نعته أو صفته بما يفرق بينه وبين غيره من أشكالها، فإنها وضعت ابتداء للتمييز لا شك ثم احتيج عند الاشتراك إلى المعاني المفرّقة بين المسمّى بها. فكذلك ذلك في أسماء السور، جعل كل اسم في قول قائل هذه المقالة أمارةً للمسمى به من السور. فلما شارك المسمّى به فيه غيره من سور القرآن احتاج المخبر عن سورة منها أن يضم إلى اسمها المسمى به من ذلك ما يفرق به للسامع بين الخبر عنها وعن غيرها من نعت وصفة أو غير ذلك، فيقول المخبر عن نفسه إنه تلا سورة البقرة إذا سماها باسمها الذي هو الم : قرأت الم البقرة، وفي آل عمران : قرأت الم آل عمران، والم ذَلِكَ الكِتابُ والم اللّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الحَيّ القَيّومُ. كما لو أراد الخبر عن رجلين اسم كل واحد منهما عمرو، غير أن أحدهما تميميّ والاَخر أزدي، للزمه أن يقول لمن أراد إخباره عنهما : لقيت عمرا التميمي وعمرا الأزدي، إذ كان لا فرق بينهما وبين غيرهما ممن يشاركهما في أسمائهما إلا بنسبتهما كذلك، فكذلك ذلك في قول من تأول في الحروف المقطعة أنها أسماء للسور.
وأما الذين قالوا : ذلك فواتح يفتتح الله عز وجل بها كلامه، فإنهم وجهوا ذلك إلى نحو المعنى الذي حكيناه عمن حكينا عنه من أهل العربية أنه قال : ذلك أدلة على انقضاء سورة وابتداء في أخرى وعلامة لانقطاع ما بينهما، كما جعلت «بل » في ابتداء قصيدة دلالة على ابتداء فيها وانقضاء أخرى قبلها كما ذكرنا عن العرب إذا أرادوا الابتداء في إنشاد قصيدة، قال : بل. . .
***ما هاجَ أحْزَانا وشَجْوا قَدْ شَجا***
و«بل » ليست من البيت ولا داخلة في وزنه، ولكن ليدل به على قطع كلام وابتداء آخر.
وأما الذين قالوا : ذلك حروف مقطعة بعضها من أسماء الله عزّ وجل، وبعضها من صفاته، ولكل حرف من ذلك معنى غير معنى الحرف الاَخر. فإنهم نحوا بتأويلهم ذلك نحو قول الشاعر :
قُلْنا لَهَا قِفِي لنا قالَت

تفسير هذه الآية من كتب أخرى