اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
الجمهور على تحريك واو " أَوَ كلما "، واختلف النحويون في ذلك على ثلاثة أقوال :
فقال الأخفش : إن الهمزة للاستفهام، والواو زائدة، وهذا على رأيه في جواز زيادتها.
وقال الكسائي هي " أو " العاطفة التي بمعنى " بل "، وإنما حركت الواو.
ويؤيده قراءة من قرأها ساكنة.
وقال البصريون : هي واو العطف قدمت عليها همزة الاستفهام على ما عرف.
قال القرطبي : كما دخلت همزة الاستفهام على " الفاء " في قوله :﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [المائدة: ٥٠]، ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ [يونس: ٤٢]،
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾ [الكهف: ٥٠].
وعلى " ثم " كقوله :﴿أَثُمَّ إِذَا مَا﴾.
وقد تقدم أن الزمخشري يقدر بين الهمزة وحرف العطف شيئاً يعطف عليه ما بعده، لذلك قدره هُنَا : أكفروا بالآيات البينات، وكلما عاهدوا.
وقرأ أبو السّمَال العدوي(١) :" أوْ كلما " ساكنة الواو، وفيها ثلاثة أقوال : فقال الزمخشري : إنها عاطفة على " الفاسقين "، وقدره بمعنى إلا الذين فسقوا أو نقضوا، يعني به : أنه عطف الفعل على الاسم ؛ لأنه في تأويله كقوله :﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ﴾ [الحديد: ١٨] أي : الذين اصَّدَّقُوا وأقرضوا.
وفي هذا كلام يأتي في سورته إن شاء الله تعالى.
وقال المهدوي :" أو " لانقطاع الكلام بمنزلة " أم " المنقطعة، يعني أنها بمعنى " بل "، وهذا رأى الكوفيين، وقد تقدم تحريره وما استدلّوا به من قوله :

[ الطويل ]

٦٨٧-. . .أَوْ أَنْتَ فِي الْعَيْنِ أَمْلَحُ(٢)
في أول السورة.
وقال بعضهم : هي بمعنى " الواو " فتتفق القراءتان، وقد وردت " أو " بمنزلة " الواو " كقوله :[ الكامل ]
٦٨٨-. . .مَا بَيْنَ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أَوْ سَافِعِ(٣)
﴿خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً﴾ [النساء: ١١٢] ﴿آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] فلتكن [ هنا ](٤) كذلك، وهذا أيضاً رأي الكوفيين.
والناصب ل " كلّما " بعده، وقد تقدم تحقيق القول فيها، وانتصاب " عَهْداً " على أحد وجهين : إما على المصدر الجاري على غير الصدر وكان الأصل :" مُعَاهَدَة " أو على المفعول به على أن يضمن عاهدوا معنى " أَعْطوْا " ويكون المفعول الأول محذوفاً، والتقدير : عاهدوا الله عَهْداً.
وقرئ(٥) :" عَهِدُوا " فيكون " عَهْداً " مصدراً جارياً على صدره.
وقرئ أيضاً(٦) :" عُوهِدُوا " مبنياً للمفعول.
قال ابن الخطيب : المقصود من هذا الاستفهام، الإنكار، وإعظام ما يقدمون عليه، ودلّ قوله :" أو كلما عاهدوا " على عهد بعد عهد نقضوه ونبذوه، ويدل على أن ذلك كالعادة فيهم، فكأنه تعالى أراد تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام عن كفرهم بما أنزل عليه من الآيات بأن ذلك ليس ببدع منهم، بل هو سجيّتهم وعادتهم، وعادة سَلَفهم على ما بيّنه فيما تقدم من نَقْضهم العهود والمواثيق حالاً بعد حال ؛ لأن من يعتاد منه هذه الطريقة، فلا يصعب على النفس مُخَالفته كصعوبة مَنْ لم تَجْرِ عادته بذلك. وفي العهد وجوه :
أحدها : أن الله تعالى لما أظهر الدَّلائل الدَّالة على نبوة محمد ﷺ وعلى صحّة شرعه كان ذلك كالعهد منه سبحانه وتعالى وقبولهم لتلك الدلائل كالمعاهدة منهم لله سبحانه وتعالى.
وثانيها : قولهم قبل مبعثه : لئن خرج النبي لنؤمنن به، ولنخرجن المشركين من ديارهم [ قال ابن عباس : لما ذكرهم رسول الله ﷺ ما أخذ الله تعالى عليهم، وعهد إليهم في مُحَمّد أن يؤمنوا به قال مالك بن الصيف : والله ما عهد إلينا في محمد عهد فنزلت هذه.
قال القرطبي(٧) : ويقال فيه :" ابن الصّيف " ويقال :" ابن الضَّيْف " ].
وثالثها : أنهم كانوا يعاهدون الله كثيراً وينقضونه.
ورابعها : قال عطاء : إن اليهود كَانُوا قد عاهدوه على ألاَّ يعينوا عليه أحداً من الكافرين، فنقضوا ذلك، وأعانوا عليه قريشاً يوم " الخندق " [ ودليله قوله تعالى :﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾(٨) إنما قال :﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُم﴾ لأن في جملة من عاهد من آمن، أو يجوز أن يؤمن، فلما لم يكن ذلك صفة جميعهم خص الفريق بالذكر، ثم لما كان يجوز أن يظن أن ذلك الفريق هم الأقلّون بين أنهم الأكثر فقال :﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ وفيه قولان :
الأول : أن أكثر أولئك الفسّاق لا يصدقون بك أبداً لحسدهم وبغيهم.
[ والثاني : لا يؤمنون ](٩) أي : لا يصدقون بكتابهم، لأنهم في قومهم كالمُنَافقين مع الرسول عليه الصلاة والسلام يظهرون لهم الإيمان بكتابهم ورسولهم، ثم لا يعملون بموجبه ومقتضاه.
قوله تعالى :﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه من باب عَطْف الجمل، وتكون " بل " لإضراب الانتقال لا الإبطال، وقد [ علم ](١٠) أن " بل " لا تسمَّى عاطفة حقيقية إلا في المفردات.
الثاني : أنه يكون من عطف المفردات، ويكون " أكثرهم " معطوفاً على " فريق "، و " لاَ يُؤْمِنُونَ " جملة في محلّ نصب على الحال من " أكثرهم ".
وقال ابن عطيَّة : من الضمير في " أكثرهم "، وهذا الذي قاله جائز، لا يقال : إنها حال من المضاف إليه ؛ لأن المضاف جزء من المضاف إليه، وذلك جائز.
وفائدة هذا الإضراب ما تقدم ذكره آنفاً.
والنَّبْذُ : الطرح ومنه النَّبِيذ والمَنْبُوذ، وهو حقيقة في الأجْرَام وإسناده إلى العَهْد مَجَاز.
وقال بعضهم : النَّبْذ والطَّرْح والإلقاء متقاربة، إلاّ أن النبذ أكثر ما يقال فيما يبس والطَّرح أكثر ما يُقال في المبسوط والجاري مجراه، والإلقاء فيما يعتبر فيه مُلاَقاة بين شيئين ؛ ومن مجيء النبذ بمعنى الطَّرْح قوله :[ الكامل ]
٦٨٩- إِنَّ الَّذِينَ أَمَرتَهُمْ أَنْ يَعْدِلُوانَبَذُوا كِتابَكَ وَاسْتَحَلُّوا الْمَحْرَما(١١)
وقال أبو الأسود :[ الطويل ]
٦٩٠- وَخَبَّرَنِي مَنْ كُنْتُ أَرْسَلْتُ أَنَّماأَخَذْتَ كِتَابِي مُعْرضاً بشِمَالِكا
نَظَرْتَ إِلَى عُنْوَانِهِ فَنبَذْتَهُكَنَبْذِكَ نَعْلاً أَخْلَقَتْ مِنْ نِعَالِكَا(١٢)
١ - انظر الشواذ: ١٦، والمحرر الوجيز: ١/١٨٥، والبحر المحيط: ١/٤٩٢، والدر المصون: ١/٣١٦..
٢ - تقدم برقم ٢٢٧..
٣ - عجز بيت لحميد بن ثور صدره:
قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم
ينظر شواهد المغني: ١/٦٣، العيني: ٤/١٤٦، اللسان (سفع)، شرح التصريح: ٢/١٤٦، شرح الأشموني: ٣/١٠٧، الدر المصون: ١/٣١٧..

٤ - في ب: هذه القراءة..
٥ - انظر المحرر الوجيز: ١/١٨٥، والبحر المحيط: ١/٤٩٣، والدر المصون: ١/٣١٧..
٦ - قرأ بها الحسن وأبو رجاء.
انظر المحرر الوجيز: ١/١٨٥، والبحر المحيط: ١/٤٩٢، والدر المصون: ١/٣١٧، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٤١٠..

٧ - ينظر تفسير القرطبي: ٢/٢٨..
٨ - سقط في ب..
٩ - سقط في أ..
١٠ - في ب: عرفت..
١١ - ينظر القرطبي: ٢/٢٩، تفسير القرطبي: ٢/٤٠١، معاني القرآن للزجاج: ١/١٥٨، مجمع البيان: ١/٣٧٩، الدر المصون: ١/٣١٨..
١٢ - ينظر ديوانه: (٤٩)، القرطبي: ٢/٢٩، الدر المصون: ١/٣١٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى