تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ( البقرة : ١٠٠ ).
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾
( البقرة : ١٠١ )
التفسير :.
قوله تعالى :﴿أوَ كلما﴾ : الهمزة هنا للاستفهام ؛ والواو للعطف ؛ ومثل هذه الصيغة متكررة في القرآن كثيراً ؛ وقد سبق الكلام عليها ؛ أما ﴿كلما﴾ فإنها أداة شرط تفيد التكرار. أي كثرة وقوع شرطها، وجوابها ؛ وكلما حصل الشرط حصل الجواب ؛ فإذا قلت : " كلما جاء زيد فأكرمه " اقتضى تكرار إكرامه بتكرر مجيئه قلّ، أو كثر..
قوله تعالى :﴿عاهدوا عهداً﴾ ؛ " العهد " : الميثاق الذي يكون بين الطوائف سواء كان ذلك بين أمة مسلمة وأمة كافرة ؛ أو بين أمتين مسلمتين ؛ أو بين أمتين كافرتين ؛ والضمير في ﴿عاهدوا﴾ يعود على اليهود ؛ ﴿نبذه فريق منهم﴾ : " النبذ " : الطرح، والترك. أي ترك هذا العهد جماعة منهم. أي من اليهود. فطرحوه، ولم يفوا به ؛ وهذا هو حال بني إسرائيل مع الله سبحانه وتعالى، ومع عباد الله ؛ فالله تعالى أخذ عليهم العهد، والميثاق ؛ ومع ذلك نبذوا العهد، والميثاق ؛ والنبي صلى الله عليه وسلم عاهدهم، ونبذوا عهده..
قوله تعالى :﴿بل أكثرهم لا يؤمنون﴾ : هذا الإضراب للانتقال من وصف إلى وصف : من وصف نقض العهد ونبذه، إلى وصف عدم الإيمان ؛ فعليه يكون هذا الإضراب إثباتاً لما قبله، وزيادة وصف. وهو انتفاء الإيمان عن أكثرهم ؛ لأن المؤمن حقيقة لا بد أن يفي بالعهد، كما قال الله تعالى :﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً﴾ [الإسراء: ٣٤]، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن آية المنافق ثلاث : " إذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر... " (١) ؛ ولو أنهم آمنوا ما نقضوا العهد الذي بينهم وبين الله، أو الذي بينهم وبين عباد الله..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الفوائد :
. ١ من فوائد الآيتين : أن اليهود لا يوثق منهم بعهد ؛ لأنهم كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم..
. ٢ ومنها : أن نبذ فريق من الأمة يعتبر نبذاً من الأمة كلها. ما لم يتبرؤوا منه ؛ فإن تبرؤوا منه فإنهم لا يلحقهم عاره ؛ لكن إذا سكتوا فإن نبذ الفريق نبذ للأمة كلهم ؛ وجه ذلك أن الله وبخ هؤلاء على نبذ فريق منهم مع أنهم لم يباشروه..
. ٣ ومنها : أن من أهل الكتاب من لم ينبذ كتاب الله وراء ظهره ؛ بل آمن به كالنجاشي من النصارى، وعبد الله بن سلام من اليهود..
. ٤ ومنها : أن من نبذ العهد من هذه الأمة فقد ارتكب محظورين :.
أحدهما : النفاق ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم :" آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف ؛ وإذا اؤتمن خان " (١)، وفي الحديث الآخر :" أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه واحدة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها... " (٢)، وذكر منها :" إذا عاهد غدر "..
والمحظور الثاني : مشابهة اليهود..
. ٥ ومنها : أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم حق ؛ لقوله تعالى :( من عند الله ).
. ٦ ومنها : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبرت به الكتب السابقة ؛ لقوله تعالى :( مصدق لما معهم ).
. ٧ ومنها : أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم تقرر ما سبق من رسالات الرسل، لقوله تعالى :( مصدق لما معهم ).
. ٨ ومنها : أنه مع هذا البيان والوضوح، فإن فريقاً من الذين أوتوا الكتاب نبذوا هذا الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم..
. ٩. ومنها : أن نبذ من عنده كتاب وعلم أقبح ممن ليس عنده ذلك ؛ ولهذا نص على قوله تعالى :﴿فريق من الذين أوتوا الكتاب﴾ ؛ لإظهار شدة القبح من هؤلاء في نبذهم ؛ لأن النبذ مع العلم أقبح من النبذ مع الجهل..
. ١٠ ومنها : أن القرآن كلام الله، لأن الله تعالى أضافه إليه في قوله تعالى :( كتاب الله ).
. ١١ ومنها : توكيد قبح ما صنع هؤلاء المكذبون ؛ لقوله تعالى :﴿كأنهم لا يعلمون﴾ ؛ لأنهم في الواقع يعلمون ؛ ولكن فعلهم كأنه فعل من لم يعلم ؛ وكفر من علم أشد من كفر من لم يعلم..
. ١٢ ومنها : أن هذا النبذ الذي كان منهم لا يرجى بعده قبول ؛ لقوله تعالى :﴿وراء ظهورهم﴾ ؛ لأن النبذ لو كان أمامهم ربما يتلقونه بعد ؛ كذلك لو كان عن اليمين، والشمال، لكن إذا كان وراء الظهر فمعناه استبعاد القبول منهم..
١٣. ومنها : شدة كراهية اليهود للقرآن، واستهانتهم به، حيث نبذوه وراء ظهورهم..


١ سبق تخريجه ص٤٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى