المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ( ١٠٠ )
قال سيبويه : الواو واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام(١)، وقال الأخفش : هي زائدة، وقال الكسائي : هي «أو » وفتحت تسهيلاً، وقرأها قوم «أوْ » ساكنة الواو فتجيء بمعنى بل(٢)، وكما يقول القائل : لأضربنك فيقول المجيب : أوْ يكفي الله(٣).
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا كله متكلف، واو في هذا المثل متمكنة في التقسيم، والصحيح قول سيبويه وقرىء «عهدوا عهداً » وقرأ الحسن وأبو رجاء «عوهدوا » و ﴿عهداً﴾ مصدر، وقيل : مفعول بمعنى أعطوا عهداً، والنبذ : الطرح والإلقاء، ومنه النبيذ والمنبوذ، والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه، ويقع على اليسير والكثير من الجمع، ولذلك فسرت كثرة النابذين بقوله :﴿بل أكثرهم﴾ لما احتمل الفريق أن يكون الأقل(٤)، و ﴿لا يؤمنون﴾ في هذا التأويل حال من الضمير في ﴿أكثرهم﴾، ويحتمل الضمير العود على الفريق، ويحتمل العود على جميع بني إسرائيل وهو أذم(٥) لهم، والعهد الذي نبذوه هو ما أخذ عليهم في التوراة من أمر محمد ﷺ، وفي مصحف ابن مسعود «نقضه فريق »(٦).
١ - أي كما دخلت على الفاء في نحو: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم)، وعلى ثم في نحو: (أثم إذا ما وقع) الآية. والتقدير هنا: (أكفروا بالآيات البينات، وكلما عاهدوا؟) الخ، أو (أينكرون فسقهم وكلما عاهدوا عهدا؟) الخ. والاستفهام إنكاري. وهذا هو الصحيح في مثل هذا التركيب..
٢ - دل على كونها بمعنى (بل) ما بعدها، وهو قوله تعالى: (بل أكثرهم لا يؤمنون)، ترقيا إلا الأغلظ فالأغلظ..
٣ - يأتي على الأثر أن أو في هذا المثال متمكنة في التقسيم وهو كذلك، فهي ليست كما في الآية، والله أعلم..
٤ - يعني أن الفريق يقع على القليل والكثير، ولما احتمل أن يكون النابذون للعهد أقلية بين ذلك بقوله تعالى: [بل أكثرهم لا يؤمنون]، فكان النابذون للعهد هم الأكثر، وكان النقض لعهد الله كفرا..
٥ - أي أشد وأكثر ذما لهم، من عوده على الفريق..
٦ - هي قراءة مخالفة لسواد المصحف، فالأولى حملها على التفسير. قاله أبو (ح)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى